مميز
الكاتب: الشيخ محمد جنيد الديرشوي
التاريخ: 28/02/2017

الإمام البوطي ... عالم محقق وعاشق رباني /1/

مقالات


عالم محقق وعاشق رباني
الشيخ محمد جنيد الديرشوي 1
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فلا شك في أن أستاذنا الجليل العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله تعالى يعد واحداً من أعلام هذا العصر البارزين، بما له من الحضور المتميز في العديد من جوانب المعرفة الإنسانية ومن تأثير عميق في كثير من مجالاتها، ولا سيما في مجالات الفكر والفلسفة والدين.
فهو يمتاز بأنه عالم من طراز فريد، ليس شأنه كشأن كثير من العلماء التقليدين الذين يعكفون على التزود من موائد الأقدمين، دون أن يضيفوا إلى تراثهم شيئاً جديداً من عند أنفسهم، ولكنه يسلك مسلك المجتهدين والمجددين، الذين يأبون إلا أن يكون لهم دور في إثراء المعرفة الإنسانية، بما يقدمونه لطلابها وعشاقها من خمائر عقولهم الفذة وأفكارهم المبدعة والنتاج الفريد لخبراتهم النادرة.
وإن من البدهي –كلما عرض ذكر واحد من هؤلاء أو تطرق الحديث إلى ذكر طرف من أخبارهم أو بيان شيء من مزاياهم_ أن يتساءل كثير من الناس عن العوامل والأسباب التي تكمن وراء عبقريتهم ونبوغهم.
- وبما أنني قد سعدت بالتتلمذ على فضيلة أستاذنا الدكتور السعيد حفظه الله خلال دراستي الجامعية الأولى والعالية منذ أن انتسبت لكلية الشريعة الغراء بجامعة دمشق، كما سعدت بملازمة مجالس دروسه في مساجد مدينة دمشق المحروسة منذ خمس عشرة سنة تقريباً، فإنني أريد أن تكون هذه السطور التي أخطها إجابة مختصرة عن هذا السؤال المهم، وذلك من خلال ذكر بعض الأمور التي أرى أنها هي أهم العوامل والأسرار التي جعلت لأستاذنا هذا الذكر العالي وهذه المكانة الباسقة بين أقرانه من علماء عصرنا، فإني أحسب أن هذه الملازمة قد أتاحت لي الوقوف على بعض هذه العوامل، وكشف النقاب عن بعض الأسرار الكامنة وراء هذا الأمر.
ولعل بوسعنا أن نقسم هذه العوامل إلى قسمين: عوامل ظاهرة، وعوامل خفية.
ولنبدأ بذكر القسم الأول. وهي جملة عوامل أذكر منها:
1- تشعب اختصاصاته العلمية: ففي هذا العصر الذي أصبح التخصص الدقيق الضيق سمة عامة على أبنائه، فاتجه العلماء –حتى المبرّزون منهم- إلى التخصص في فرع من فروع المعرفة، واقتصروا على التعمق في دراسته، مع الاكتفاء بالمشاركة، أو بما هو دون مستوى المشاركة في بعض الجوانب المعرفية الأخرى، نجد أستاذنا يخالف هذه السنة المتبعة، ويخترق هذه القاعدة المعروفة والمألوفة، فهو لم يقنع باختصاص واحد فقط، وأبى إلا أن يسطر اسمه في رأس قائمة الراسخين والمبدعين في كثير من فروع العلم، فهو يعد -بحق- لسان متكلمي أهل السنة في هذا العصر، كما أنه من فقهائهم الأجلاء، وهو كذلك أصولي ثابت، وفيلسوف دقيق، وأديب متفنن، ومفكر فذ، مع كونه بارعاً في علوم الاجتماع والتربية والنفس والسلوك.
2- لقد مكنه تبحره في العلوم العقلية والنقلية من تشرب مقاصد الشريعة والفهم الدقيق لمراميها وغاياتها، مما أكسبه مقدرة فائقة على ربط القديم بالجديد، فساعده هذا على الحضور الدائم في كل المحافل العلمية والفكرية، التي تطرح فيها على بساط البحث والمناقشة أهم وأخطر القضايا التي تشغل الحيز الأكبر من التفكير الإنساني، والتي لها الدور الأبلغ في توجيه المجتمعات الإنسانية فكرياً وعلمياً.
وهو يهدف من خلال مشاركاته إلى بيان حكم الله تعالى في مختلف المسائل مع بيان حجة الله البالغة وإظهار محاسن شريعته، ورد الدعاوى التي يستهدف من ورائها الكيد لدين الله تعالى، فتراه دائماً كالحارس اليقظ، والجندي المتأهب لصد كل خطر أو أذى قد يراد أن يرمى دين الله عز وجل به.
فلقد أريد تمييع أحكام الشريعة باسم المصلحة في يوم من الأيام، فهب غلة الوقوف في وجه هذا الكيد والعمل على احباطه من خلال اختيار ضوابط المصلحة عنوناً لرسالة الدكتوراة التي تقدم بها لجامعة الأزهر، ثم لما هبَّ رياح الإلحاد على البلاد العربية ألف كتابه العظيم (كبرى اليقينيات الكونية) أثبت فيه حقائق العقيدة الإسلامية، وقررها بلغة العصر ووفق سننه في التفكير، ثم أخرج كتابه الشامخ (فقه السيرة النبوية) لإثبات النبوة ودلائلها، كما ألف كتابه (نقض أوهام المادية الجدلية) رداً على المذهب الماركسي وفلسفته حين راجت سوقها وتأثر الناس بها، ونقد الفلسفة الوجودية ونظرية داروين وما بني عليهما وجاء على أعقابهما من نظريات نقداً علمياً، كما بين تفوق الإسلام وحضارته على سائر الحضارات، ولا سيما الحضارة المادية الحديثة، وذلك من خلال البحث في عدة قضايا، من أهمها قضية الحضارة الإنسانية ومشكلاتها، وقضية المرأة، وموقف الإسلام منها. والذي تميز به في كتاباته أنه لم يقف موقف المدافع الضعيف، بل إنه هاجم الغربيين وبين تهافتهم وعوارهم في هذه المسائل.
وكلما ظهرت مشكلة أو وجه نقد إلى الإسلام أو كِيد به بأساليب وخطط ماكرة بادر إلى فضحها، وكشف المكر الذي تخفيه في طياتها، فهو قد انتقد النظام العالمي الجديد، وتنبأ بما يخبئه من مكر، ثم عندما ظهرت الدعوة إلى العولمة كذلك كان في مقدمة من نقدها، وبين ما يهدف إليه دعاتها من ورائها، وفي الفترة الأخيرة وقف وقفة العالم المجاهد الذي لا يخشى في الله لومة لائم، فبين صراحة موقفه من الغطرسة الأمريكية والإرهاب الذي تمارسه على المسلمين المستضعفين، وفضح ممارستها الوحشية وما تضمره من حقد صليبي تجاههم. ثم إن الشيء الذي يثير في نفس الإنسان شدة الإعجاب بالأستاذ وإكباره هو أنه لم يخدع في يوم من الأيام بأكاذيب الغرب ولا بشعاراته البراقة وكلماته الخداعة من مثل شعارات الحرية -والعدالة- وحق تقرير الشعوب لمصائرها، واحترام حقوق الإنسان ونحو ذلك، بل كان دائماً يحذر من ذلك، ويتنبأ بالنيات التي يخفونها وراء هذه الدعاوى، ويحذر من تصديقهم والثقة بهم والاطمئنان إليهم.
وربما كان ذلك مثار انتقاد له حتى من جانب بعض من يعملون في حقل الدعوة الإسلامية، ولكن الأيام جاءت لتثبت أن رأيه كان هو الأصح، وأن موقفه كان هو الموقف الصائب.
3- علاوة على كون مجرد حضور الأستاذ برأيه في كل القضايا وتلقفه لكل جديد، وإدلائه برأيه – المستمد من الشريعة – فيه دليل على سبقه، إلا أن ما هو أهم من ذلك هو طبيعة هذا الحضور، فإنه حضور متميز وحكيم، فما عهد عنه أنه دخل حلبة من حلبات الفكر حيث تتصارع الحجج العقلية والبراهين المنطقية، قبل أن تملأ جعبته من هذه الحجج والبراهين بالسهم الأوفى والنصيب الأكبر. إذ هو يقتحم هذه الحلبات على بصيرة، ويدخلها بتؤدة وبشجاعة قد عقلها وضبطها بميزان العلم ومؤيداته، وذلك من خلال تفهم الموضوع المطروح على بساط البحث بجمع خيوط المسألة وبسط مادتها، ثم بتسليط المجاهر العقلية عليها ووزنها بميزان العلم حتى يسير أغوارها ويطلع على خفاياها وأسرارها، حتى إذا استوفاها دراسة وفهماً، وهضماً تماماً، نقدها نقداً علمياً بعيداً عن السير وراء العصبية أو الانسياق وراء عاطفة أو هوى، فيكشف غثها وينفي خبثها، ويجلو محاسنها ويظهر مفاتنها. وقد ارتضى لنفسه هذا المنهج وأبى أن يجيد عنه، فاتخذ من الإنصاف مطيته الوحيدة، واستقل متنه في طريق سيره لاكتشاف الحقيقة العلمية، ولو كانت هذه المسألة التي يبحثها متعارضة معارضة صارخة مع مسلماته الاعتقادية ويقينه العقلي. فهو يستنطق الفكرة المخالفة، ويزيد حججها قوة وجلاء بدعمها سحر بيانه، وعمق تفكيره، وهذا الأمر يبدو واضحاً في نقده لكل فكرة يخالفها، ولعله يظهر بأجلى صورة في كتابه (نقض أوهام المادية الجدلية) فهو بعد الدراسة المتأنية للمذهب الماركسي وفلسفته من مراجعه الأصيلة، عكف على تأليف هذا الكتاب، فخصص القسم الأول منه لشرح المذهب الماركسي وبسط أدلته وحججه، ولعل أقطاب هذا المذهب لو أنهم ظاهر بعضهم بعضاً على عرض مذهبهم وبسط حججه بمثل ما عرضه الأستاذ لما وسعهم ذلك. ثم إنه بعد هذا خاطب أتباع هذا المذهب بلغة الفلسفة التي يدعونها، وحاكمهم إلى قوانينها ومسلماتها، ولم يشأ أن يضرب الذكر صفحاً عما في مذهبهم من الحقائق التي يقبلها العلم، ولكنه اتبع قرار العلم، فقبل منه ما وافقه، ورفض من هذا المذهب ما شهد قاضي العقل والفلسفة وحاكم العلم بكونه وهماً، وعكف على نقضه وهدمه، وبيان تهافته، بمعاول استعارها من العلم والفلسفة معاً.
4- إنه يظل أبداً ملتزماً جانب الحيطة والحذر في كل ما يكتبه أو يقوله، ويأبى أن يخوض في أي مسألة إذا لم تتضح صورتها في نظره وتتبلور حقيقتها في مخيلته وذهنه، ولذا فإنه عندما تطرح أفكار مخالفة وتظهر أعمال معادية للدين معاداة سافرة، وفاجرة أحياناً ويبلغه صداها، فإنه يأبى أن يتكلم فيها، أو أن يفصح عن موقفه تجاهها إلا بعد أن يطلع على اليقين من خبرها، ثم –بعد ذلك- يدلي بر

تحميل



تشغيل