مميز
الكاتب: الشيخ محمد جنيد الديرشوي
التاريخ: 28/02/2017

الإمام البوطي ... عالم محقق وعاشق رباني

مقالات

الإمام البوطي ... عالم محقق وعاشق رباني


الشيخ محمد جنيد الديرشوي


الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:


فلا شك في أن أستاذنا الجليل العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله تعالى يعد واحداً من أعلام هذا العصر البارزين، بما له من الحضور المتميز في العديد من جوانب المعرفة الإنسانية ومن تأثير عميق في كثير من مجالاتها، ولا سيما في مجالات الفكر والفلسفة والدين.


فهو يمتاز بأنه عالم من طراز فريد، ليس شأنه كشأن كثير من العلماء التقليدين الذين يعكفون على التزود من موائد الأقدمين، دون أن يضيفوا إلى تراثهم شيئاً جديداً من عند أنفسهم، ولكنه يسلك مسلك المجتهدين والمجددين، الذين يأبون إلا أن يكون لهم دور في إثراء المعرفة الإنسانية، بما يقدمونه لطلابها وعشاقها من خمائر عقولهم الفذة وأفكارهم المبدعة والنتاج الفريد لخبراتهم النادرة.


وإن من البدهي –كلما عرض ذكر واحد من هؤلاء أو تطرق الحديث إلى ذكر طرف من أخبارهم أو بيان شيء من مزاياهم_ أن يتساءل كثير من الناس عن العوامل والأسباب التي تكمن وراء عبقريتهم ونبوغهم.


  • وبما أنني قد سعدت بالتتلمذ على فضيلة أستاذنا الدكتور السعيد حفظه الله خلال دراستي الجامعية الأولى والعالية منذ أن انتسبت لكلية الشريعة الغراء بجامعة دمشق، كما سعدت بملازمة مجالس دروسه في مساجد مدينة دمشق المحروسة منذ خمس عشرة سنة تقريباً، فإنني أريد أن تكون هذه السطور التي أخطها إجابة مختصرة عن هذا السؤال المهم، وذلك من خلال ذكر بعض الأمور التي أرى أنها هي أهم العوامل والأسرار التي جعلت لأستاذنا هذا الذكر العالي وهذه المكانة الباسقة بين أقرانه من علماء عصرنا، فإني أحسب أن هذه الملازمة قد أتاحت لي الوقوف على بعض هذه العوامل، وكشف النقاب عن بعض الأسرار الكامنة وراء هذا الأمر.

ولعل بوسعنا أن نقسم هذه العوامل إلى قسمين: عوامل ظاهرة، وعوامل خفية.


ولنبدأ بذكر القسم الأول. وهي جملة عوامل أذكر منها:


  • تشعب اختصاصاته العلمية: ففي هذا العصر الذي أصبح التخصص الدقيق الضيق سمة عامة على أبنائه، فاتجه العلماء –حتى المبرّزون منهم- إلى التخصص في فرع من فروع المعرفة، واقتصروا على التعمق في دراسته، مع الاكتفاء بالمشاركة، أو بما هو دون مستوى المشاركة في بعض الجوانب المعرفية الأخرى، نجد أستاذنا يخالف هذه السنة المتبعة، ويخترق هذه القاعدة المعروفة والمألوفة، فهو لم يقنع باختصاص واحد فقط، وأبى إلا أن يسطر اسمه في رأس قائمة الراسخين والمبدعين في كثير من فروع العلم، فهو يعد -بحق- لسان متكلمي أهل السنة في هذا العصر، كما أنه من فقهائهم الأجلاء، وهو كذلك أصولي ثابت، وفيلسوف دقيق، وأديب متفنن، ومفكر فذ، مع كونه بارعاً في علوم الاجتماع والتربية والنفس والسلوك.
  • لقد مكنه تبحره في العلوم العقلية والنقلية من تشرب مقاصد الشريعة والفهم الدقيق لمراميها وغاياتها، مما أكسبه مقدرة فائقة على ربط القديم بالجديد، فساعده هذا على الحضور الدائم في كل المحافل العلمية والفكرية، التي تطرح فيها على بساط البحث والمناقشة أهم وأخطر القضايا التي تشغل الحيز الأكبر من التفكير الإنساني، والتي لها الدور الأبلغ في توجيه المجتمعات الإنسانية فكرياً وعلمياً.
  • علاوة على كون مجرد حضور الأستاذ برأيه في كل القضايا وتلقفه لكل جديد، وإدلائه برأيه – المستمد من الشريعة – فيه دليل على سبقه، إلا أن ما هو أهم من ذلك هو طبيعة هذا الحضور، فإنه حضور متميز وحكيم، فما عهد عنه أنه دخل حلبة من حلبات الفكر حيث تتصارع الحجج العقلية والبراهين المنطقية، قبل أن تملأ جعبته من هذه الحجج والبراهين بالسهم الأوفى والنصيب الأكبر. إذ هو يقتحم هذه الحلبات على بصيرة، ويدخلها بتؤدة وبشجاعة قد عقلها وضبطها بميزان العلم ومؤيداته، وذلك من خلال تفهم الموضوع المطروح على بساط البحث بجمع خيوط المسألة وبسط مادتها، ثم بتسليط المجاهر العقلية عليها ووزنها بميزان العلم حتى يسير أغوارها ويطلع على خفاياها وأسرارها، حتى إذا استوفاها دراسة وفهماً، وهضماً تماماً، نقدها نقداً علمياً بعيداً عن السير وراء العصبية أو الانسياق وراء عاطفة أو هوى، فيكشف غثها وينفي خبثها، ويجلو محاسنها ويظهر مفاتنها. وقد ارتضى لنفسه هذا المنهج وأبى أن يجيد عنه، فاتخذ من الإنصاف مطيته الوحيدة، واستقل متنه في طريق سيره لاكتشاف الحقيقة العلمية، ولو كانت هذه المسألة التي يبحثها متعارضة معارضة صارخة مع مسلماته الاعتقادية ويقينه العقلي. فهو يستنطق الفكرة المخالفة، ويزيد حججها قوة وجلاء بدعمها سحر بيانه، وعمق تفكيره، وهذا الأمر يبدو واضحاً في نقده لكل فكرة يخالفها، ولعله يظهر بأجلى صورة في كتابه (نقض أوهام المادية الجدلية) فهو بعد الدراسة المتأنية للمذهب الماركسي وفلسفته من مراجعه الأصيلة، عكف على تأليف هذا الكتاب، فخصص القسم الأول منه لشرح المذهب الماركسي وبسط أدلته وحججه، ولعل أقطاب هذا المذهب لو أنهم ظاهر بعضهم بعضاً على عرض مذهبهم وبسط حججه بمثل ما عرضه الأستاذ لما وسعهم ذلك. ثم إنه بعد هذا خاطب أتباع هذا المذهب بلغة الفلسفة التي يدعونها، وحاكمهم إلى قوانينها ومسلماتها، ولم يشأ أن يضرب الذكر صفحاً عما في مذهبهم من الحقائق التي يقبلها العلم، ولكنه اتبع قرار العلم، فقبل منه ما وافقه، ورفض من هذا المذهب ما شهد قاضي العقل والفلسفة وحاكم العلم بكونه وهماً، وعكف على نقضه وهدمه، وبيان تهافته، بمعاول استعارها من العلم والفلسفة معاً.
  • 4-     إنه يظل أبداً ملتزماً جانب الحيطة والحذر في كل ما يكتبه أو يقوله، ويأبى أن يخوض في أي مسألة إذا لم تتضح صورتها في نظره وتتبلور حقيقتها في مخيلته وذهنه، ولذا فإنه عندما تطرح أفكار مخالفة وتظهر أعمال معادية للدين معاداة سافرة، وفاجرة أحياناً ويبلغه صداها، فإنه يأبى أن يتكلم فيها، أو أن يفصح عن موقفه تجاهها إلا بعد أن يطلع على اليقين من خبرها، ثم –بعد ذلك- يدلي برأيه فيها. والأمثلة على هذا كثيرة، وإني أذكر من ذلك أن عملاً من هذه الأعمال الفاجرة ظهر في يوم من الأيام، لم يتعامل كاتبه مع العلم ولو في سطر واحد مما كتب، وكان قصارى ما فعله هو أنه عمد إلى كل ما يحمله من دناءة ننفسه، وفساد طبعه، وقذارة متأصلة فيه، وحقد لا مزيد عليه، فنفث كل ذلك سماً وأفرغه في رواية، وقد قام العالم الإسلامي يومها وفار فورة عارمة على أثرها وهذه الرواية هي تلك الرواية السخيفة التي تحرص الدول التي تكيد للإسلام أن تظل حاضرة في أذهان الناس، وأن لا ينسوها، وأن تبقي جديدة دائماً، فلا تفتأ تذكر بها بين الحين والأخر بمناسبة وبغير مناسبة.

وهو يهدف من خلال مشاركاته إلى بيان حكم الله تعالى في مختلف المسائل مع بيان حجة الله البالغة وإظهار محاسن شريعته، ورد الدعاوى التي يستهدف من ورائها الكيد لدين الله تعالى، فتراه دائماً كالحارس اليقظ، والجندي المتأهب لصد كل خطر أو أذى قد يراد أن يرمى دين الله عز وجل به.


فلقد أريد تمييع أحكام الشريعة باسم المصلحة في يوم من الأيام، فهب غلة الوقوف في وجه هذا الكيد والعمل على احباطه من خلال اختيار ضوابط المصلحة عنوناً لرسالة الدكتوراة التي تقدم بها لجامعة الأزهر، ثم لما هبَّ رياح الإلحاد على البلاد العربية ألف كتابه العظيم (كبرى اليقينيات الكونية) أثبت فيه حقائق العقيدة الإسلامية، وقررها بلغة العصر ووفق سننه في التفكير، ثم أخرج كتابه الشامخ (فقه السيرة النبوية) لإثبات النبوة ودلائلها، كما ألف كتابه (نقض أوهام المادية الجدلية) رداً على المذهب الماركسي وفلسفته حين راجت سوقها وتأثر الناس بها، ونقد الفلسفة الوجودية ونظرية داروين وما بني عليهما وجاء على أعقابهما من نظريات نقداً علمياً، كما بين تفوق الإسلام وحضارته على سائر الحضارات، ولا سيما الحضارة المادية الحديثة، وذلك من خلال البحث في عدة قضايا، من أهمها قضية الحضارة الإنسانية ومشكلاتها، وقضية المرأة، وموقف الإسلام منها. والذي تميز به في كتاباته أنه لم يقف موقف المدافع الضعيف، بل إنه هاجم الغربيين وبين تهافتهم وعوارهم في هذه المسائل.


وكلما ظهرت مشكلة أو وجه نقد إلى الإسلام أو كِيد به بأساليب وخطط ماكرة بادر إلى فضحها، وكشف المكر الذي تخفيه في طياتها، فهو قد انتقد النظام العالمي الجديد، وتنبأ بما يخبئه من مكر، ثم عندما ظهرت الدعوة إلى العولمة كذلك كان في مقدمة من نقدها، وبين ما يهدف إليه دعاتها من ورائها، وفي الفترة الأخيرة وقف وقفة العالم المجاهد الذي لا يخشى في الله لومة لائم، فبين صراحة موقفه من الغطرسة الأمريكية والإرهاب الذي تمارسه على المسلمين المستضعفين، وفضح ممارستها الوحشية وما تضمره من حقد صليبي تجاههم. ثم إن الشيء الذي يثير في نفس الإنسان شدة الإعجاب بالأستاذ وإكباره هو أنه لم يخدع في يوم من الأيام بأكاذيب الغرب ولا بشعاراته البراقة وكلماته الخداعة من مثل شعارات الحرية -والعدالة- وحق تقرير الشعوب لمصائرها، واحترام حقوق الإنسان ونحو ذلك، بل كان دائماً يحذر من ذلك، ويتنبأ بالنيات التي يخفونها وراء هذه الدعاوى، ويحذر من تصديقهم والثقة بهم والاطمئنان إليهم.  


وربما كان ذلك مثار انتقاد له حتى من جانب بعض من يعملون في حقل الدعوة الإسلامية، ولكن الأيام جاءت لتثبت أن رأيه كان هو الأصح، وأن موقفه كان هو الموقف الصائب.


ولقد أفتى بعضهم يومها بردة كاتبها، وطالب كثيرون بمحاكمته وقتله، وكنا ننتظر أن نسمع من أستاذنا رأيه في هذا الأمر، ونترقب ذلك بتلهف بالغ، ولكنه ظل مع ذلك لا ينبس ببنت شفة حتى إذا وقعت الرواية في يده وقرأها تكلم من بعد.


وإن هذه الحيطة إنما تصدر من البصيرة العلمية، ومن شعور العالم بعظم المسؤولية التي يتحملها حينما يلقي بكلمته ويدلي في المسائل برأيه، لأن عواقب وخيمة تترتب على وقوع العالم في الخطأ من جراء تسرعه وعدم تثبته فيما يفتي به أو يصدر عنه من أحكام، وكم من زلة لعالم كان لها أثر سلبي عظيم على هذه الأمة. وإن أعداء الأمة ليكيدون لها من هذا الباب، إذ يسعون إلى التلبيس على علمائها ويحاولون أن يستجروهم إلى الفتاوى والأحكام المرتجلة ليكثر منهم الوقوع في الأخطاء، وليفقدوا من ثم مصداقيتهم عند الناس، ولتنعدم الثقة بهم وبعلمهم حتى يؤول حال الأمة إلى ما يشبه حال القطيع الذي غاب عنه من كان يرعاه ويحميه، فينفرد به الذئب فيعيث فيه قتلاً وإفساداً.


هذه هي بعض العوامل الظاهرة التي أرى أن لها دوراً كبيراً في تألق الأستاذ وسبقه، وهي أمور من الأهمية بحيث لا يمكن أن يتحقق نجاح بدونها. ولكنني _مع ذلك_ أعتقد جازماً أها ليست هي الأسباب الذاتية لنبوغ الأستاذ وتميزه، ولا هي العوامل الحاسمة في ذلك، بل إنها هي ذاتها ثمرات تستمد وجودها من عوامل خفية أخرى هي الأهم، وهي التي تمثل الجذع الذي تتفرع عنه الأغصان والثمار. فإلى ذكر بعض هذه الأسرار.


  • إن الأستاذ –حفظه الله تعالى- لا يرى فيما أوتيه من العلوم والمعارف والعبقرية أي مزية له، بل يرى ويشعر أن ما أودعه الله عز وجل فيه من الفضائل، إنما هي أمانات عنده، وأن شانه معها ينبغي أن يكون كشأن الإنسان المؤمن الذي يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه، مع سائر الممتلكات والثروات التي يجمع يده عليها، فهي في الحقيقة مواد ابتلاء وأدوات اختيار، وهي إما أن تكون شاهدة لمن هي عنده أو شاهدة عليه.
  • زهده في احترام الناس وتقديرهم له: وإن آية كون باطنه موافقاً لظاهره في هذا هو أنه أشد الناس زاهداً في احترام الناس وتقديرهم له، فهو لا يبالي بشيء من ذلك بل إنه ينفر من ذلك أشد النفور، فإنه يرفض بشدة أن يقوم له أحد، حتى ولو كان تلميذاً من تلاميذه، فضلاً عن قبول ما فوق ذلك من مظاهر الاحترام والتبجيل، فلقد رأيتني معه وحدي ذات يوم، فرجوته أن يأذن لي في تقبيل يده – وأنا أعلم أنه لا يحب ذلك، ولكنني ظننت في نفسي أن شعوره بما له من مكانة في قلبي، وكوني واحداً ممن تتلمذوا عليه لسنين طويلة سيكون شفيعاً لي عنده، ولقد جرّأني على هذا الطلب أن كثيراً ممن يقتدى بهم من أئمة العلم الماضين كان يطلب منهم تلامذتهم مثل هذا الطلب رغبة منهم في أداء شيء من حق أساتذتهم، وإظهاراً للإقرار بفضلهم، وقد كان الأساتذة يأذنون لهم – ولكن الأستاذ حفظ الله اعتذر برفق، ولم يشأ أن يستجيب لي وأن يلبي طلبي. مع أنك تراه هو يبجل من يظن بهم الصلاح، ويحرص أن يكون في غاية التأدب معهم، وأن يظهر لهم غاية التقدير والاحترام، وقد رأيته من قريب أصرّ على أن يقبّل يد رجل ممن عرفوا بالصلاح والتقوى لدى استقباله، ثم إنه قبل يد ذلك الرجل الصالح حين ودعه كذلك، وإذا سئل عن تقبيل أيدي أهل العلم والفضل والصلاح شيء مشروع وهو أمر حسن. ولكن الأمر إذا كان متعلقاً به هو ورغب إنسان يظن به الصلاح أن يقبل يده أنكر ذلك أشد الإنكار وقال: إنما هذا الأمر حسن إذا كان من تقبل يده رجلاً صالحاً، ولا أزعم أنني كذلك.
  • ولا غرو أن يكون العالم الرباني كذلك، فإنه يعلم أن مداخل الشيطان على الإنسان كثيرة، وأنه يأتي أهل الطاعة من أبواب الصلاح كما يأتي الفسقة من أبواب المعاصي، وإذا لان العالم في أمر ولو كان هذا الأمر هو السماح للناس بتقبيل يده، فإنه لا يؤمن عليه أن تطمئن نفسه إلى ذلك، وأن تأنس به نتيجة الإلف ثم أن تطلبه بعد ذلك، وأن تنكر على ن لا يستجيب، وبهذا يكون قد أحبط عمله، وأصبح ممن غرر بهم الشيطان.
  • إن إخلاصه لله سبحانه وتعالى وتضحيته بحظوظ نفسه في سبيل إظهار الحقيقة العلمية قد جعل مرآة قلبه صافية، ونورت بصيرته، فاهتدى إلى اختراق ظواهر المسائل ونفذ إلى أعماقها. فوقع على معرفة دقائقها وأسرارها فصار يلح عليها في دروسه ومحاضراته وكتاباته، وأنا أذكر الآن بعضاً منها.

        وكما يجب على من استودع الله عز وجل عنده بعض المال ألا يسكر به، وألا يقول بلسان حاله أو بلسان قاله: (إنما أوتيته على علم عندي) {القصص:28/78}  بل أن يتأدب مع جناب المنعم المتفضل، وأن ينسب إلى فضله كل ما يتقلب فيه من ألوان النعيم وصنوفه، فكذلك ينبغي للعالم أن يعلم أن المعارف والعلوم والعبقرية والنبوغ إنما هي منح إلهية جعلها الله عز وجل وديعة في صدره وعقله وجعله مؤتمناً عليها، وإن أهم شيء ينبغي أن يتنبه إليه، وأن يعيه تماماً، وأن يعيشه بجميع مشاعره، هو اليقين بأنه هو لا يملك شيئاً من هذه الفضائل والمزايا، وأنه لا فضل له في تمتعه بشيء منها، وإنما كل ذلك بمحض كرم الله تعالى وتفضله وإحسانه.  


وإن أبهى مظاهر هذا الشعور هو ما نراه في سلوك الأستاذ العملي وفي منطقه أيضاً. يحس بذلك ويشاهده كل من لازم درسه وراقب أحواله، ولو لفترة قصيرة، فإنني أزعم أن الأستاذ ما رؤي ولا سمع –ولو لمرة واحدة- أنه ذهب بنفسه أو أشاد بعلمه تصريحاً ولا حتى تلميحاً، ولا يستطيع أي إنسان أن يشم منه رائحة شيء من هذا القبيل، بل إن الذي يلاحظه كل أحد من أحواله هو نقيض ذلك تماماً، فكثيراً ما يسمع وهو يقول في درسه: والله إننيّ إذ أتوجه إلى هذا المكان لألقي فيه هذا الجرس أشعر أنه بأن جسمي كله مثقل بما يغمرني الله عز وجل من فضله إذ سخرني لخدمة دينه، وشرفني فجعلني موظفاً عنده، ودلالاً على بضاعته، وداعياً إلى سبيله من غير حول مني ولا قوة، وإني أحمده جل وعلا إذ لم يوجهني إلى أمر آخر لا يرضيه.


ثم إنه إذا أبدى له أحد الناس إعجابه بفكره وبشرحه وبيانه وجودة أدائه للمعاني وحسن إلقائه لها، سرعان ما يبادر إلى نفي نسبة أي شيء من ذلك عن نفسه، وينكر أن يكون له أي فضل في ذلك، ولقد رأيتني عنده ذات يوم ولم يكن في المجلس أحد غيره وغيري، وكنت يومها تحت تأثير آخر درس حضرته له إذ كنت أشعر بأنني قد تفاعلت مع المعاني التي ذكرها فيه بقلبي وعقلي تفاعلاً متميزاً، فأحببت أن أعبر عن حالتي هذه ومشاعري، فقلت: إنني وجدتني متفاعلاً جداً مع آخر درس ألقاه الأستاذ، وقد أجاد فيه وأبدع. ولا أذكر هل أنهيت أداء هذا المعنى أولاً، حتى رأيته بادر فقطع عليّ الكلام قائلاً: إن في الناس الذين يحضرون دروس جامع الإيمان أولياء وصالحين، وأنا على يقين بأن ما يفتحه الله تعالى عليّ إنما هو ببركة دعائهم وبتجليات الله عليهم، وهذا ما أشعر به دائماً، وإن كثيراً ما أجدني في الدرس أتكلم بمعان لم تخطر ببالي قبل جلوسي لإلقائه، ولكنها تأتيني أثناءه، فأعلم أن ذلك ليس بكسب مني، ولكنه فتح من عند الله عز وجل ببركة من في المجلس، وهذا الكلام كثيراً ما يكرره في دروسه، ويحرص أن يغرسه في أفئدة مستمعيه وأذهانهم، وإنه لمصطبغ بهذا الشعور ومتفاعل معه بظاهره وباطنه على حد سواء، وكلامه هذا هو تعبير صادق عن مشاعره وأحاسيسه، وليس هو كلاماً يتجمّل به أو تظاهراً بالتواضع حتى يبث في رُوع الناس تعظيمه، ولا هو ممن يمارسون فن تعظيم أنفسهم لدى الناس من خلال تصنع التواضع أمامهم.


5- إنه يؤكد على أن قيام الدولة الإسلامية وعودة الخلافة الراشدة لا تكون بالتمرد ولا بالثورة والعنف، وإن أية محاولة لاستيلاد مجتمع إسلامي أو نظام إسلامي بالقوة والإجبار لا يمكن أن يأتي بطائل، بل إن الساعي في سبيل ذلك سيحصد نقيض ما ابتغاه ولن يرجع إلا بالخيبة من مسعاه، ذلك لأنه بعمله هذا، كأنه يحاول أن يغير حقائق الأشياء من خلال تغيير ألوانها، وأن يغير باطن الإنسان من خلال نزع الثوب الذي يرتديه على جسمه واستبداله بثوب آخر، وهيهات هيهات أن تتغير حقائق الأشياء وبواطنها بتغيير ألوانها وظواهرها، ولكن التغيير الحقيقي إنما يكون بتغيير حقائق الأشياء وبواطنها بتغيير ألوانها وظواهرها، ولكن التغيير الحقيق إنما يكون بتغيير الباطن، وإذا تغيير الباطن انعكست تجلياته على الظاهر، وتحققت الغاية دون عناء ولا اقتحام للمغامرات ولا ركوب لمتن المخاطر، وإن هذه الحقيقة مستوحاة من صريح بيان الله عز وجل وذلك في قوله: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..) {الرعد:13/11} ومعنى هذا أن المسلمين إذا أرادوا أن يحققوا حلمهم السعيد بعودة الخلافة الراشدة فما عليهم إلا أن يقيموا دولتها في نفوسهم، وذلك بأن يتجهوا إلى أدمغتهم فيملؤوها يقيناً وإيماناً بحقائق العقيدة الإسلامية، ثم أن يقبلوا بعد ذلك إلى قلوبهم ليسقوا بذرة الإيمان فيها بماء من محبة الله جل وعلا ومحبة نبيه عليه الصلاة والسلام، حتى تتنامى هذه البذرة وتشتد، وتغدو شجرة باسقة تضرب بجذورها في أعماق القلب، وتتفرع منه إلى كل ذرة من ذرات الجسد، وأن تصطبغ بها المشاعر، وبفيض هذا الحب تقوى العزيمة، وترتفع الهمة، وتسمو الروح وتعلو النفس، فيطير هذا المسلم بجناحي محبة الله تعالى ومحنة نبيه عليه الصلاة والسلام ليختصر المسافات، ويحقق المعجزات.


إن قيام المجتمع الإسلامي وإقامة دولة الإسلام إنما هو تكريم من الله عز وجل لقلوب امتلأت بمحبته والخشية منه والإخلاص له، وهيهات هيهات أن يتجلى البارئ جل وعلا بهذا التكريم على تلك القلوب التي فرغت من مشاعر الحب لله والخشية منه والتعظيم له، والإخلاص لوجهه الكريم بل ظل الإيمان لدى أصحابها حبيس الأدمغة والعقول، ولم يستطع أن يخترق الحجب الكثيفة والقضبان الصلبة ليجد له طريقاً إلى القلب.


6- التأكيد على الفرق بين الحب والاتباع: يلح الأستاذ كثيراً على أن هناك فراقاً كبيراً بين مفهومي الاتباع والحب، ويؤكد على الاختلاف الكبير بين حقيقتيهما، فيرى أن الاتباع شيء، وأن الحب شيء آخر، لأن الاتباع الظاهر قد يتأتى من الدّعي والمنافق شيء، ولكن الاتباع الحق لا يمكن أن ينبثق إلا ن الحب الصادق، إذ الحب هو الذي يدفع المحب على التأسي بمحبوبه في كل شيء، وينفث فيه روح المغامرة والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل رضاه، والحب هو الذي يجول الشعور بالتعب إلى شعور الراحة، والعذاب إلى لذة وعذوبة، وبغيره لا يمكن للإنسان أن يصبر على الاتباع. لأن الاتباع الحقيقي يتطلب من الإنسان من الجهد والمعاناة التي قد تفوق ما يتطلبه نقل جبل من مكانه، فإنه مخالفة النفس والشيطان لهي من أشق الأمور، وإن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بالصبر، ولا يتولد هذا الصبر إلا من الحب وإن الاتباع بغير حب –وإن وجد- فإنه صورة اتباع، ولا يمكن أن يتحقق الاتباع الحقيقي وأن يوجد سره وروحه وأن يؤتي ثماره إلا بالحب.


7- ثم إن الأستاذ –حفظه الله تعالى- من خلال فهم هذه المسألة الدقيقة وقع على سر دقيق من أسرار الأعمال، هو التفريق بين العمل الظاهر والعمل الباطن، فهو يدعو إليهما معاً، ولكنه لا يرى نفعاً في العمل الظاهر إلا إذا كان مشفوعاً بالعمل الباطن، ولقد رأيته مرة في عيادة صاحب له مريض قد أجريت له عملية، فقال له صاحبه: إنني أشفق على وقتكم الثمين، ويعز عليّ أن يهدر منه شيء بسبب زيارتكم لي، ذلك أن وقتكم ملك للأمة بأسرها. فأجابه الأستاذ قائلاً: إن هناك نوعين كمن العمل عملاً ظاهراً وعملاً باطناً، وإن أحدهما لا يغني عن الأخر، فهذه المحاضرات والدروس التي ألقيها، وهذه الكتب التي أؤلفها هي ن قبيل الأعمال الظاهرة، أما عيادة المريض فهي من الأعمال الباطنة، والعمل الباطن هو سر نجاح العم الظاهر، وهو الذي يبث فيه البركة والنفع، وإنني أحياناً أكون منغمساً في القراءة والكتابة ونحو ذلك من هذه الأعمال الظاهرة فأنتبه فجأة إلى أنني فجأة إلى أنني محتاج حاجة ماسة إلى ممارسة عمل باطن، فأضع الكتاب والقلم والأوراق من يدي وأهرع إلى زيارة بعض الصالحين، لأنني إن لم أفعل ذلك فإن القسوة تتسرب إلى قلبي، وينجم عن ذلك ضعف في فكري وإن كتابتي أيضاً تصبح قاسية وجافة غير ذات جدوى.


8- التأكيد على قيمة الإنسان وضرورة احترامه: وإذا قد ذكرنا الصالحين وضرورة زيارتهم والتبرك بمجالستهم من حين إلى آخر، فإن هذا يقودنا إلى مسألة قريبة منها، وثيقة الصلة بها، يؤكد عليها الأستاذ، ويمكن أن تتخذ أساساً لإقامة المجتمع الإسلامي، وضمانة لبقاء وحدته وتماسكه، وهذه المسألة هي التأكيد على قيمة الإنسان وضرورة احترامه، وذلك أن الأمة لا يمكن لها أن تتحد إلا إذا سرى فيما بين أبنائها مشاعر الحب والوداد والتقدير تجاه بعضهم بعضاً، وإن هذه المشاعر لا تنبثق إلا من الاحترام المتبادل بين الأفراد، ولا يتحقق ذلك إلا بأن يظن بعضهم ببعض خيراً، وقد شرع الله سبحانه وتعالى –بحكمته الباهرة وبلطفه- سبيلاً معبدة إلى ذلك بأن جعل بين عباده أناساً اجتباهم إليه، وجعل بينه وبينهم خصوصية، وهؤلاء هم الأولياء وقد شاء عز وجل –لحكمة عالية- أن يحجب هذه الخصوصية عنا بظواهر البشرية فلم يجعلهم معروفين لدينا بأعيانهم ولا جعلهم معصومين، بل جعلهم عرضة للوقوع في الأخطاء والمخالفات، ومع ذلك فإن أخطاءهم لا تتسب إلى إنزالهم من علياء كرامتهم عنده سبحانه. وملخص هذه الحكمة، والعلة الغائية لها –إن صح التعبير- هو أن يظن كل إنسان بصاحبه خيراً، وأن ينظر كل إنسان إلى الآخر فيرى أن من الممكن أن يكون هذا واحداً من هؤلاء الأولياء، وإذا ظن به هذا الظن وجد نفسه منساقة إلى إكرامه والاحتفال به والتطامن له. وتجنب إيذاءه، والإساءة إليه لئلا يقع تحت طائلة التهديد الذي ورد في الحديث القدسي في حق من آذى ولياً من أولياء الله سبحانه والحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم نقلاً عن ربه: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب...).[1]        


ولا شك أن هذا التهديد الرهيب يجعل كل مؤمن يحتاط لدينه أشد الاحتياط ويؤثر السلامة، فيحترم لذلك ألف إنسان من أجل ألا تبدر مه إساءة أو إيذاء لولي من الأولياء، ذلك أننا ما دمنا لا نعرفهم بأعيانهم فإن أي واحد من هؤلاء الألف قد يكون واحداً من هؤلاء الأولياء، إذن. فليحترم الجميع وليردد الجميع تلك الكلمة النورانية التي تقول: (من رأيت فالخضر اعتقده) وليسلك كل واحد هذا السبيل وليرد بلسان حاله على المنكرين قائلاً ما قاله الشاعر:


إن صح قولكما فلست بخاسر *** أو صح قولي فالخسار عليكما


فإن الإحسان –ولو إلى المسيء- مطلوب، وهو لا يأتي إلا بخير، بل إنه يحمل المسيء حملاً إلى الإقلاع عن السوء، ويدفعه دفعاً في طريق الخبر وسبل الصلاح، وأما احترام المحسن الصالح فهو واجب. وعلى كل حال فالعملية رابحة وربحها مضمون، وقد قال تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) {فصلت: 41/34} وإذا انقلب العدو إلى ولي حميم وصديق صدوق، فإن أبناء المجتمع كلهم يصبحون على قلب واحد، يجب كل واحد منهم الخير لإخوانه، ويضحي بمصالحه من أجلهم، ويؤثرهم على نفسه ولو كان به خصاصة.


9- ودعماً لهذه القضية المهمة فإن الأستاذ يزيد الإنسان تحمساً واندفاعاً إلى ممارسة كل فعل إيجابي تجاه الأخرين، والكف عن كل فعل قد ينجم عنه إيذاءً لهم، وذلك من خلال قول بين الحين والآخر: (لا أعلم عملاً أرضى له عز وجل من جبر الخواطر، ولا عملاً أسخط لله عز وجل من كسر الخواطر) وهذا يجعل كل إنسان يسعى للبحث عن المنكسرة قلوبهم حتى يواسيهم ويجبر خواطرهم، ويبتغي رضوان الله سبحانه وتعالى من خلال الإحسان إلى عباده الضعفاء والمساكين، فإذا ارتقت الحال بأبناء الأمة إلى هذا المستوى الباسق، فأنا زعيم بأن الأمة ستتحد، وأن اتحادها سيثمر قوة أعظم قوة، وسيكسبها منعة وعزاً، وستتحصن الأمة كلها في حصن هذه الوحدة التي أساس وجودها وضمانة بقائها واستمرارها هو الحب الذي تولد من حسن الظن، وعندها هيهات هيهات أن تشكو الأمة –سواء بمجموعها أو من خلال آحاد أفرادها- من سطوة جبار متغطرس، أو عدو غاشم يسلب أرضها، أو يقتل أبناءها، أو يذيقهم ألوان العذاب ومرارة التشريد.


10- طريق الإصلاح يبدأ من القلب: _ولذا فإني أقول: لا يستغرب إنسان إذا رأى الأستاذ –حفظه الله تعالى عن كتابه (شرح الحكم) ((ولست أعلم في الصالحات التي وفقني الله لإنجازها أصلح من هذا الكتاب الذي سيرني الله في طريق إنجازه إن خلصت النية وصفا القلب)) إن كلامه هذا هو التعبير الصادق عن قناعة حقيقية تترسخ لدى العالم العامل، تتولد من كثرة الاطلاع وطول المعاناة وتراكم الخبرات، وكثرة مراقبة الله تعالى وهي أن طريق الإصلاح يبدأ من القلب، وتصبح هذه القناعة عندهم حقيقة يعيشها في قلبه وعقله وكل جوارحه. وكتاب (شرح الحكم) هو كتاب تركية للنفس إصلاح للقلب، يعنى ببناء الشخصية الإسلامية من خلال إعمار القلب. ولقد وعى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة وتجاوبوا معها، فعلموا أن التفاعل مع الدين وحقائقه وأحكامه لا بد أن يكون بالعقل أولاً وبالقلب ثانياً. أما العقل فما أيسر أن يمتلئ يقيناً بحقائق العقيدة الإسلامية، ولذا فإنهم حسموا هذه المسألة سريعاً، ولم يقفوا عندها طويلاً، إذ سرعان ما ترسخت حقائق الدين في عقولهم الصافية التي لم تتلوث بمغالطات الفلاسفة وتعقيدات المدنيات الجانحة، فلما تشبعوا بهذا اليقين التفتوا إلى قلوبهم فأقبلوا عليها بكلياتهم، فغذوا بذرة الإيمان فيها بماء الحب فجعل لهم هذا الحب وجوداً لم يكن لهم من قبل ولا كان لهم ولا لأحد من غيرهم أن يبلغوه، وإن هذا الحب الصادق هو الذي يصنع المعجزات ويبث في نفس هذا الإنسان الضعيف من الشعور بالقوة والكرامة والثبات والشموخ فيما لا تجده في الجبل الأشم، ولا البحر الزاخر، ولا الفلك الدائر، ذلك أن هذه القلوب عندما تتعلق بمعين الحب الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، فإنها تستمد قوتها من قوة بارئها وكبرياءها وعزتها من كبريائه وعزته، وإلا فأي شيء جعل نفوس الصحابة رضوان الله تعالى عليهم تنتقل هذه النقلة العجيبة والمعجزة من حب لخوض المفاسد واقتحام القتال والنفخ في نيران الحروب المجنونة اتي تستعر لأتفه الأسباب، ثم لا تضع أوزارها ولا يخبو أوارها إلا بعد أن تحرق في ضرامها كل شيء، وما الذي جعل قلوب مضرب المثل في العداوة بالأمس القريب مثال المحبة والتضحية والتفاني من أجل الآخرين: (لو انفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) [الأنفال: 8/63] حقاً إنها المحبة الحقيقية التي ليس لها إلا معين واحد يتدفق من علياء الألوهية.


أجل إن الصحابة رضي الله عنهم هم خير من فهم هذه الحقيقة حق الفهم، فنشطوا لتزكية أنفسهم، وتصفية قلوبهم من الشوائب، ووقفوا أمام مرآة ذواتهم طويلاً، فوقفوا على حقيقة كونهم عبيداً لخالقهم سبحانه بشهادة كل ذرة من ذرات كيانهم، ومن خلال معرفة أنفسهم عرفوا سيدهم الأوحد فأكثروا من ذكره وبلغوا الغاية في محبته وراقبوا نياتهم فأخلصوا العمل له، وهذا هو سر تقدمهم. وهذه المعاني، وهي معرفة الإنسان هويته عبداً لله سبحانه، ومعرفة ربه وصفاته والقيام بواجب العبودية لأداء حق الربوبية، والإكثار من ذكره، وإخلاص النية له، هذه المعاني هي التي يؤكد عليها الأستاذ، ويكررها باستمرار في دروسه وكتاباته، إلى درجة أنه انعقد اقتران شرطي بين ذكره هذه المعاني وذكر الأستاذ، لأن دوام تذكيره بها جعل أذهان من يعرفونه ومخيلاتهم تنتقل إلى ذكره كلما ذكرت هذه المعاني.


والآن، وبعد هذه الطريقة السريعة، والإطالة الممتعة على بعض جوانب فكر أستاذنا النير وبصيرته المشرقة وروحه السامية، أحسب أننا نستطيع أن نخلص إلى الحكم التالي، وهو أنه حفظه الله تعالى واحد من علماء الآخرة الذين وفقهم الله عز وجل لأمر عظيم، هو أنه استطاع أن يمزج بين الفكر والقلب، وبين العقل والعاطفة فوفق للعلم الذي جمع فيه بين سداد الفكر وسموه، ونصاعة البيان وإشراقه، ثم وهب لكل ذلك روحاً من حرارة قلبه ولوعة فؤاده، وهذا هو سر تألقه وسبقه، وإلا، فإن العالم مهما كان نابغة عبقرياً فإنه لا يفيد، ولا يؤثر في الناس، إلا إذا كان ذا قلب محب. وإن الشاعر الذي ينظم قصيدة مهما كان بليغاً، ومهما كان خياله خصباً، ومهما جمعت قصيدته من الصور والتشبيهات الرائعة فإنه لا يستطيع أن يهز المشاعر، ولا أن يحرك ساكن القلوب، إلا إذا منع قصيدته أضعاف ذلك من صدق عاطفته وحرارة قلبه.


   ولا يكاد يخيل إليه أن صاحب هذا القلب عاش مع غير المحبين، وسمع من غير العاشقين الوالهين. ولا عجب في أن يجمع إنسان واحد بين التشبع بقواعد العقل وموازين العلم وبين حرارة الوجدان ولوعة الفؤاد، بل إن هذا المزيج المتوازن هو سر النجاح ومكمن العظمة، وهو الذي يجعل لمثل من هو على هذه الشاكلة من التأثير في الأمم والأفراد ما يعد تأثير السحر في أعين الناظرين إليهم ومخلتهم قطرة من بحر تأثيرهم.


إن أمثال هؤلاء العظماء الذين يصلحون لقيادة قوافل الإنسانية الظمأى إلى الارتواء من عين الحياة ومعين السعادة، ولقد احتفظت ذاكرة التاريخ بأسماء عدد من هؤلاء فكان اسم كل واحد منهم كأنه طغراء نقشتها يد القدرة الإلهية على صفحات الخلود والمجد، كاسم الغزالي ومولانا جلال الدين الرومي وابن عطاء الله السكندري وبديع الزمان النورسي وغيرهم، وأحسب أن أستاذنا حفظه الله تعالى هو واحد من هؤلاء الخالدين وأن اسمه سيظل يتألق مع هذه النجوم المتلألئة في سماء الإنسانية، وأن له مكاناً باسقاً في ركب العاشقين الربانيين الذين عرفوا معين الحقيقة ومنبع السعادة فنهلوا منه ولم يخدعوا عنه بلمعان سراب الشهرة، ووهم بريق المناصب والأموال والأغراض المتسفّلة، (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) {الطلاق: 64:11}.


 


[1] الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق –باب التواضع، رقم /6137/.

تحميل