مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 19/02/2017

العلم الحديث ومعرفة الغيب /2/

مقالات

العلم الحديث ومعرفة الغيب /2/
الإمام الشهيد البوطي
ولكن أحسب أن هاهنا إشكالاً قد يطوف بأذهان كثير منا.
إذا صح أن نقول: إن مفاتيح الغيوب بيد الله عز وجل، وليس للأسباب التي نراها في عالم الطبيعة، أي فاعلية إطلاقاً، وإذا كان علينا أن ندرك ذلك، فإننا سنجد أنفسنا في وضع لا نستطيع فيه أن نتعامل مع الحياة، لأن الثقة بيننا وبين عالم الأسباب والمسببات تنقطع عندئذ.
لن آخذ نفسي عندئذ بعلاج، فلعل هذا الدواء تول فاعليته .. لن أنهض للتسبب بأي رزق، لأن هذا السبب لا قيمة له، إنما الفاعلية لله، بل لن أحمي نفسي من النيران المحرقة ولا من السموم المهلكة، إذ لعل الفاعلية التي أراها تغيب وتنفصل عنها.
وهكذا فإن الإنسان إذا استسلم لهذا التصور، فربما أداه إلى عدم الثقة بشيء من نواميس الكون .. ومن ثم فإن الإنسان لن يتحرك ابتغاء هدف!. وهي مشكلة كبرى، فما الجواب عنها؟
لعل خير من أجاب عن هذه المشكلة، حجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة).
صور هذا الإشكال، ثم قال: أجل، إن الغيوب التي نتوقعها ليست حتمية الوقوع، لأن مقاليدها ومفاتيحها بيد الله عز وجل، ولكن لله سنة في كونه، أي له قانون سار أقام عليه نظام الكون، ورتب بموجبه علاقة ما بين الأسباب والمسببات، وأعلن في كتابه المبين أن سنة الله لا يحلقها أي تبديل (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، ولا تجد لسنتنا تحويلاً).
وقد أكد البيان الإلهي هذا المعنى في أكثر من آية. فإذا رأينا أن الطعام يشبع، وأن الدواء يشفي، وأن النار تحرق، وأن دلائل الذكورة في الصبغيات مرتبطة فعلاً بالذكورة، وكذلك العكس، فينبغي أن نعلم أنها سنة ماضية في كون الله عز وجل. وقد قال الله تعالى: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} {الروم:30}
قانون!.. العالم ليس فوضى. ومن ثم فإننا نملك ما يسميه الإمام الغزالي: اليقين التدريبي، بأن ما استمر على نهجه في الماضي سيبقي مستمراً في الحاضر وفي المستقبل.
نعم .. ولكن هنا لفتة دقيقة جداً، يقول الله عز وجل (فلن تجد لسنة الله تبديلاً) أي لن تقوم سنة جديدة مستمرة، مقام السنة القديمة .. لن يقوم نظام جديد، مكان النظام الذي شاءه الله عز وجل في علاقة ما بين الأسباب والمسببات.
لكن الاختراق ممكن!.. والاختراق يختلف عن تحويل السنة إلى سنة أخرى .. كثيراً ما تقع اختراقات، أو خوارق، باسم المعجزات أو الكرامات، بقطع النظر عن ارتباطها بنبي جاءت المعجزة تأكيداً لصدقه، وقوع هذه الخوارق أنزل التوقع من مستوى العلم اليقيني إلى ما يسميه الإمام الغزالي: اليقين التدريبي.
فأنا كطبيب مثلاً رأيت في حياتي ظاهرة ارتباط دائم بين نوع من الصبغيات وبين ذكورة الجنين. إذن من حقي أن أجعل من هذه الظاهرة يقيناً، على أن أعلم أنه يقين تدريبي لا يقين علمي أكاديمي حتمي.
وجدت أن الدواء يشفي، أي يقترن استعماله بالشفاء، إذن من حقي أن أتعامل مع هذا الدواء على هذا الأساس .. ذلك لأنها من سنن الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
وجدت أسباب الهلاك، ووجدت أن الهلاك مقترن بها فعلاً، إذاً أتعامل معها على هذا الأساس.
بل إن الشريعة الإسلامية تأمرني بذلك. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (تداووا يا عباد الله، فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء إلا السأم)[1] أي الموت.
ولو أن إنساناً علم قانون هذه الأسباب التي أقامها الله في عباده، ولم يتعامل معها، فألقى نفسه مثلاً في مهلكة، كان منتحراً ولقي الله آثماً عاصياً.
ولو أن إنساناً شكا الظمأ، ورفض أن يسعى إلى الماء قائلاً لا أقيم لسببية الماء وزناً، فإن الله قادر على أن يرويني بدون أن أشرب .. فهو يسيء الأدب مع الله، كما قال العلماء. لأن الله أقام في كونه هذا سبباً لربي، كما أقام سبباً لشبعي. وإذا كان الأمر كذلك. فما ينبغي أن أتجاهل قانونه وسننه التي أقامها في عباده.
وهكذا، فإن المشكلة تتجلى بهذا الذي يقوله الإمام الغزالي: أخذاً من شريعة الله عز وجل.
نتعامل مع الحياة، طبقاً لنظام الأسباب والمسببات التي أقامها الله بيننا. إذا سمعت نشرة الأرصاد الجوية، أتعامل معها، وأعلم أن المختصين بشأنها لم ينطلقوا إلى قراراتهم الغيبية إلا من يقين تدريبي، وهو كما قلنا اليقين الذي لم يترسخ في الذهن والقناعة العقلية، إلا من كثرة التكرار المستمر، ومن التجارب المتلاحقة ذات النتائج الواحدة..
ولكن يجب أن أعلم أن احتمال الشذوذ قائم ... وهو ما يذكرني به دائماً قول الله تعالى (وعنده مفاتح الغيب..).
ولعلنا جميعاً نعلم أن في الأسواق كتاباً اسمه (غرائب العالم) جمعه أحد الباحثين الأجانب فيما أذكر، كلها غرائب يتجلى فيها الشذوذ الصارخ عن قانون الأسباب والمسببات، ولا شك أن الشاردين عن هذا المنهج الذي نتحدث عنه، (منهج التنسيق بين العلم وحقائق الإيمان بالله) ينظرون إلى هذا الغرائب في حيرة، وأقصى ما ينتهون إليه من قرار، أنه من شذوذات الطبيعة.
ولكنا نحن الذين أكرمنا الله بالإيمان الذي يناكب العلم، لا نعاني في الوقوف أمام هذه الغرائب من أي حيرة.
تفسير بلك أمامنا واضح بين.. وهو أن الله عز وجل، يرينا بين الحين والآخر من خلال هذه الخوارق، أو الغرائب، ما يذكرنا بأن مقاليد هذا الكون بيد الله، وبأن مفاتيح الغيوب عائدة إليه عز وجل.
إنه يقول لنا، من خلال تعريفه لنا بأنظمة هذه الحياة الدنيا: تعاملوا مع مرافق الحياة كلها، طبق السنة التي أقمت حياتكم الدنيا على أساسها، ولكن إياكم أن تسجنوا أنفسكم من هذه السنة في تصور مادي طبيعي أرعن!.. وإياكم أن تشغلكم مظاهر الاقترانات الكونية عمن بيده مقاليد ذلك كله.
أحسب، أن هذا الكلام الذي ذكرته، ينبه العالم إلى هذه الحقيقة الدقيقة التي ينبهنا إليها بيان الله عز وجل في هذه الآية. ومن ثم فلا بد _إن كان عالماً حقاً_ أن ينغص الرأس لبيان الله عز وجل.
وأحسب أن الإنسان الغيور على العقيدة الإسلامية لا بد أن ينغص الرأس، بدوره، للحقيقة العلمية التي تستوجب التفاعل والتعامل مع عالم الأسباب والمسببات، على أن لا ننسى أن الجذع الجامع والمغذي لتلك العلاقات السببية كلها، إنما هو جذع القدرة الإلهية، دون شريك ولا ميعن.
أجل.. إنه لمهم جداً أن لا نفصل بين هذا الجذع الواحد وأغصان الأسباب والمسببات الكثيرة، المنبثقة عنه، وأن نتذكر دائماً أن صلة ما بينهما تتمثل في (المفاتح) التي يقول لله تعالى عنها (وعنده مفاتح الغيب..)
ما النتيجة التربوية العلمية التي نعود بها من هذا الكلام؟
لعل النتيجة واضحة، في مجال الأحاديث والبحوث النظرية.
ولكني لا أحب. بصدد مثل هذا الموضوع، أن نكون نظريين، أحب أن نجند كل مسألة علمية من هذا القبيل، لما يناسبها من الوظائف السلوكية.. فما هي الفائدة السلوكية التي يمكن أن يجنبها المسلم من هذا الذي قلناه؟
الفائدة تتمثل في أن الإنسان إذا وعى هذه الحقيقة عاش مع ما ارتقى إليه الربانيون، من وحدة الشهود.. ولن يصل أحدنا إلى الإيمان الحقيقي بالله ووحدانيته، إلا بعد أن يصل إلة وحدة الشهود هذه.
بل لن يذوق المؤمن نشوة إيمانه بالله، ولذة اليقين بأنه وحده الفعال لكل شيء، إلا إذا ذابت الأكوان أمام بصره، وهو موقن بوجودها، ببصيرته، وأصبح لا يرى من خلالها إلا المكوِّن عز وجل.
وكم في الناس من يسأل: ما المسلم الذي يمكن أن يرقى به المسلم إلى سدة وحدة السهود هذه؟ ما السبيل إلى أن أكون مع الأكوان وأن أتعامل معها، وأن لا أرى من خلالها إلا الكوِّن؟
السبيل إلى ذلك أن يهضم عقلي هذه الحقيقة التي ذكرتها.. أن أعلم أن الغيوب المحجوبة والمتناثرة في الكون، مردها إلى مقاليد بيد الله عز وجل. فهو العليم بها، وهو المتصرف بها.
وتتم تغذية هذه الحقيقة، بالإكثار من ذكر الله عز وجل.
إن الإنسان إذا وعى هذه الحقيقة التي ذكرتها، ثم تعهدها بالكثير والكثير من ذكر الله تعالى، يعيش (وهو يتعامل مع الأكوان) مع المكون.
إن تناول الماء على ظمأ، وشعر بلذة الريّ تسري في كيانه، نسي الماء وتذكر الله الذي تفضل عليه بهذا الريّ!.. وعاش مع قبس وهاج من محبته عز وجل.
وإن تناول الدواء، وقد وصفه له الطبيب، ونظر فوجد أن الشفاء جاء على أعقابه، نسي الدواء، وعاش مع المداوي بل الشافي الحقيقي وهو الله.
كذلك عندما يتناول الطعام فيشعر بالشبع..
كذلك عندما يرى أخطاراً تطوف به، ثم إن أسباباً أياً كانت، أبعدت هذه الأخطار عن كيانه، يعيش في كل ذلك مع من بيده مقاليد الغيوب ومفاتيحها، ومع خالق الأسباب والمسببات كلها.
وإذا استمر بالإنسان هذه الحال: يتعامل مع الأكوان، ولا يرى إلا فاعلية المكون وسلطانه، فلسوف يستطيع عندئذ أن يجمع بين أمرين طالما صعب على كثير من الناس الجمع بينهما.
يكون في تعامله مع الناس فرشياً، كما يقولون، أي أرضياً دنيوياً ينسجم مع شؤون الدنيا وأحوالها، فهو ينقلب في أحوالها تاجراً.. زارعاً.. سياسياً.. قائداً. ويسبح في خضمها شأنه في ذلك كسائر الناس.. ولكن عقله، ومن ثم وجدانه، يظل منصرفاً خلال ذلك كله، إلى شهود الله عز وجل. فهو بكيانه الجسدي وتحركاته العضوية مستغرق في شؤون الدنيا وأعمالها.. ولكنه بيقظته العقلية، ومشاعره الوجدانية منصرف إلى الله، لا يتعامل إلا معه، ولا يتلقى إلا منه.
هذه هي النتيجة .. بل هذه هي نتيجة النتيجة.
النتيجة الأولى: تحقق العقيدة الإيمانية بالله عز وجل، ووحدانيته ذاتاً وصفاتٍ. وقد رأينا أن من شأن هذه العقيدة أن تجمع في تنسيق تام بين العلم الحقيقي، وجوهر الإيمان بالله عز وجل.
النتيجة الثانية: (وتأتي بعد ترسيخ هذه العقيدة إدراكاً وإذعاناً في العقل، وشعوراً ووجداناً عن طريق الإكثار من ذكر الله عز وجل) هي الرقي الذي يتم إلى مستوى وحدة الشهود، ولا أقول وحدة الوجود.
إن الإنسان الذي أخذ نفسه بهاتين الثمرتين أو النتيجتين ينظر إلى الأكوان كلها من حوله، وكأنها ألواح من الزجاج الصافي الدقيق. لا ريب أن هذه الألواح موجودة، ولكن هذا الإنسان مهما حدّق فيها، لا يرى منها إلا ما وراءها، أي لا يرى فيها إلا صفات المكون سبحانه وتعالى.
نحن نقرأ قول الله عز وجل: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} {البقرة:255} نقرأ قوله تعالى {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} {طه:111} وندرك معنى هذا الكلام علماً، ولكنا قلما نتفاعل به وجداناً. والمأمول إذا أدركنا النتيجة التي نطمح إليها من وراء هذا البحث أن يتناسق الوجدان مع الإدراك العلمي على طريق التمسك بهذه الحقيقة والتعامل معها.
المصدر : هذا ما قلته أما بعض الرؤساء والملوك
[1] رواية أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده بألفاظ متقاربة.

تحميل



تشغيل