مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 12/02/2017

العلم الحديث ومعرفة الغيب /1/

مقالات

العلم الحديث ومعرفة الغيب /1/
الإمام الشهيد البوطي
كان هنالك، ولا يزال، جدل يمتد بين المنتصرين للعلم ومضمونه الحديث، وبين الغيارى على العقيدة الإسلامية أن لا تشوبها شائبة، وأن لا يتسرب إليها وهم باطل، كان ذلك ولايزال سمة جدل يثور بين هذين الطرفين، حول الكثير من المسائل التي كانت فيما مضى محجوبة عن حواس الإنسان بحجاب الغيب. ثم إن العلم الحديث كشف عنها الستر فيما يبدو، وأخضعها لحواس الإنسان.
كيف السبيل إلى التوفيق بين ما نعتقده ونجزم به، مما يدل عليه صريح كتاب الله، وبين هذا الواقع العلمي الذي يفرض نفسه والذي لا مناص من الإيمان به؟
أحسب يا سيدي أن في كتاب الله عز وجل آية أنهت هذا الجدل واللجاج، وعقدت صلحاً بين العلم الحقيقي، والعقيدة الصحيحة. بل أقول: إن هذه الآية أكدت صلحاً قائماً من الأزل بين العلم الحقيقي والعقيدة الإيمانية التي جاب بها الرسل والأنبياء.
هذه الآية هي قول الله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} {الأنعام:59}.
فكيف أنهت هذه الآية هذا الجدل؟
عندما نتأمل في المطلع الذي صدرت به هذه الآية، نجدنا أمام جملتين اثنتين، منهما يحصر مفاتيح الغيب في ذات الله عز وجل، الجملة الأولى أثبتت هذه الحقيقة عن طريق تقديم الخبر على المبتدأ، وتلك أداة من أدوات الحصر، كما هو معلوم، وهي {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} أي لا عند غيره.. أما الجملة الثانية، فقد شرحت وأكدت، ونصت على ما دلت عليه الجملة الأولى، وهي (لا يعلمها إلا هو).
والمهم هنا أن نتبين كيف أن الضمير في {لاَ يَعْلَمُهَا} يعود إلى المفاتيح لا إلى الغيب، فالآية تقول {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} ولا يعلم هذه المفاتيح أحد إلا الله عز وجل.
وفي هذا دلالة عميقة ينبغي تدبرها، ويجب الوقوف عندها، لندرك كيف أن العلم والإيمان يتعانقان منذ الأزل، ولا ينفك الواحد منهما عن الآخر.
ما الفرق بين الغيب ومفاتيحه؟
أما الغيب فهو كل ما يتوقعه الإنسان مما لم يحدث بعد، بناء على دلائل اعتمدها..
تَوَقُعُ الإنسان (مثلاً) هبوط درجة الحرارة بواسطة كتلة هوائية رآها كيف تسير، من الغيوب.
تَوَقُعُ هطول الأمطار في مكان ما، بناء على دلائل قطعية، من الغيوب.
تَوَقُعُ الطبيب أن يولد الجنين ذكراً، بناء على مؤشرات رآها في الصبغيات أو ما يسمونه (الكروموزمات) من الغيوب.
تَوَقُعُ الشفاء بعد تناول الدواء، من الغيوب. بل توقع الاحتراق، احتراق الهشيم بعد وضعه في النار، من الغيوب.
ذلك لأن هذه الأمور كلها لم تقع بعد. ولكنها متوقعة والشيء الذي يجعلنا نتوقعها، بصيرة علمية أدركناها، واعتمدناها .. والبصائر العلمية مبثوثة في كون الله عز وجل.
هذا هو الغيب، فما المراد من مفاتيح الغيب.
بقطع النظر عما ذكره علماء اللغة العربية من المعاني المتعددة، لكلمة مفاتح ومفاتيح ومفتاح والمِفتَح، فإنَّ مما لا ريب فيه ان المراد بمفاتح الغيب دَساتيره، أي الفاعلية الكامنة وراء هذه الأحداث المتوقعة..
الفاعلية الكامنة وراء تسيار الكتلة الهوائية من مكان إلى مكان .. نحن نرى هذه الكتلة الهوائية ولكن ترى ما الدستور وراء تحركها أو تبددها أو وقوفها في مكان ما؟ نحن بوسعنا أن نتبين مؤشرات الذكورة في الجنين، ولكن من أين جاءت فاعلية العلاقة بين مؤشرات الذكورة في الصبغيات وبين النتيجة التي نتوقعها .. نحن نتوقع، بل ربما نعلم، أن تناول الدواء يشفي، وأن تناول السم يهلك، ولكن ما مصدر الفاعلية الكامنة في العلاقة السارية بين هذا الدواء وأثره؟ .. ما مصدر العلاقة الخفية بين هذا السم وأثره؟
ذلك هو الذي يعنيه البيان الإلهي بكلمة (المفاتح) مفاتح الغيب، ومن هنا ندرك السبب في ان الله عز وجل سكت (إن جاز التعبير) عن الغيوب التي ضرب الأمثلة بها، وركز على حصر العلم بالمفاتح في ذاته سبحانه وتعالى.
فما المعنى الذي تنتهي إليه من هذا التفصيل، ومن حصر الله سبحانه وتعالى (مفاتح الغيب) أي دساتير وفاعليات الغيوب، في ذاته عز وجل؟ ..
إنه تنبه لكل من سجن نفسه في سجن الطبيعة أو المادة، رأى ظواهر المادة، فأعطاها هي الفاعلية أعطى الدواء فاعلية الشفاء، أعطى النار فاعلية الإحراق، أعطى هذه الصبغيات فاعلية الذكورة، وهكذا.. فالبيان الإلهي يرد على هؤلاء قائلاً:
لكم أن تشاهدوا هذه الغيوب، وأن تتوقعوها .. وما أيسر أن تتوقعوها إن سلكتم مسلك الدراية والعلم.
ولكن لا تنسوا أن هذه الغيوب التي تتوقعونها، ليست فاعليتها كامنة في ذاتها.
إن هذه المواد أو هذه الأحداث الطبيعية، فاعليتها آتية من عندي. ومن ثم فأنا أعلم كيف أصرِّفها!..
هذه الكتلة الهوائية، من حقكم أن تتصوروا أنها نظراً إلى كونها تتجه شمالاً، فإنها ستصل إذن بعد ميقات محدد إلى المنطقة الفلانية، وستعمل هناك عملها.
ولكن لا تنسوا أن حركة هذه الكتلة تعود، أو تخضع لسلطان مقاليده بيدي .. فأنا الذي أقرر تسييرها أو توقيفها أو تبديدها حيث هي.
ولعل أيسر مثال لهذا الذي يبصرنا به، يا سيدي، كتاب الله عز وجل، أن نفترض أننا نشاهد سفينة عملاقة تمخر عباب البحر، متجهة إلى شاطئ معيين .. إن بوسعنا أن نقول، بناء على ما نراه من هذا التوجه، إنها ستصل إلى شاطئها الذي هي مقبلة إليه، بعد ثلاث ساعات مثلاً.
ولكن الحصيف والواعي من الناس يعلم أن السفينة لا تتحرك بشكل آلي. بل ثمة ربّان بيده مقاليدها، وإليه قرار توجهها وتسيارها فهو الذي يوجهها كما يشاء .. ولعل خاطراً يعن له يدعوه إلى أن يوقفها في مكانها، أو أن ينهج بها سبلاً آخر.
هذا مثل نضربه لحياتنا الراهنة، وعلاقة ما بيننا نحن البشر.. فكيف عندما نتذكر أن الله جل جلاله هو فاطر السموات والأرض وهو خالق الأسباب والمسببات، ورابط ما بينهما بالعلاقة التي لا نتبين إلا نتائجها!..
هذا ما يعنيه بيان الله عز وجل. ولكن فما النتيجة التي ننهي إليها؟
النتيجة هي أن على الإنسان الذي آمن بالله عز وجل قيوماً واحداً للسموات والأرض، أن يعلم أن عالم الأسباب والمسببات مرتبط بمقاليد، وأن هذه المقاليد بيد الله تعالى.
على الإنسان العالم، ولا أقول المؤمن، عليه أن يعلم أن هذا الذي يراه عالم المادة مما يتصوره أسباباً، ليسوا إلا جنوداً لله سبحانه وتعالى، يسخرهم لما يشاء في الوقت الذي يشاء، وما ينبغي له، إن كان عالماً حقاً، أن يخدع بالمظاهر عن الأسرار، ولا بالصور عن المصور، ما ينبغي أن ينسى الحقيقة الخفية ويجنح إلى ما تبصره به ظواهر الأمور .. هذا ما ينبهنا إليه بيان الله عز وجل.
ولكن هل يؤيد العلم الحديث اليوم هذا الكلام الذي يؤكده بيان الله تعالى، بهذه العبارة الدقيقة الأخاذة؟ أطرح هذا السؤال وأنا موقن أننا لسنا بحاجة إلى ما يؤيد بيان الله تعالى من علم حديث أو قديم. بل العلم هو الذي يحتاج إلى أن يجد دلائل صدقه في بيان الله عز وجل.
غير أني أطرح مع ذلك هذا السؤال، لأحاور على أعقابه هؤلاء الإخوة الذين يعتدون بالعلم الحديث، ويبالغون في ذلك إلى درجة تذهلهم عن ضوابط وحدود العلم ذاته!..
أذكر أنني قرأت كلاماً لدافيد هيوم، وهو العالم الوضعي الذي يعتد به الغرب، يقول فيه: لو أني رأيت هشيماً احترق في النار لآلاف المرات، فلن أستطيع أن أدلي بقرار علمي قاطع، بأن هذا الهشيم سيحترق مرة أخرى، إلا بعد أن أجرب وألقي هذا الهشيم في النار، وأرى أنه قد احترق.
ومن المعلوم أن هيوم لا ينطلق إلى قراره هذا من رؤية دينية. وإنما ينطلق من الموازين العلمية التي هو موقن بها.
إنه يريد أن يقول: إن القوانين الطبيعية التي نراها أمامنا إنما استخرجنا قيمة الاستمرار فيها من التجارب الكثيرة الماضية، والتجارب الماضية لا تضمن دائماً الأحداث المستقبلية، كما قد نتوقعها .. لعل خارقة تقع .. لعل أمراً غير متوقع يحصل .. ومن ثم فإني أظن ظناً قوياً أن الهشيم سيحترق، ولكني لا أستطيع أن أرقى بظني أو بقناعتي هذه إلى درجة القرار العلمي. بمعناه الأكاديمي.
إذن فهذا الذي يقرره هيوم، إنما يقرره من دراية علمية، وها نحن نرى كيف أن كتاب الله عز وجل يحذرنا من أن نرتاب في أن هذه الأنظمة الطبيعية التي نراها، إنما ينظمها الله تعالى ويسيرها كما يشاء.
إن في كتاب الله تعالى مشهداً لحوار أخاذ بين سيدنا نوح وابنه، يبرز هذه الحقيقة التي أقولها، ويجلي تفاهة المنطق الوهمي الذي يسجن صاحبه في ظلام من الحيرة، ويبرز الموقف العلمي الذي يستنشق صاحبه عبير الإيمان بالله عز وجل..
عندما اهتاج الطوفان، وتحولت الأرض اليابسة إلى بحار ترتج وتفور بالأمواج المتلاطمة، كان لنوح ولد شارد عن صراط الله تعالى، يضعنا البيان الإلهي أمام هذا الحوار الذي جرى بينهما آنذاك.
نادى نوح ابنه، وكان في معزل، يا بني اركب معنا في السفينة التي أمرنا الله أن نجتمع فيها، ولا تكن مع الكافرين.
قال الابن: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء!..
ذلك هو منطق الإنسان الذي يسجن عقله داخل أقطار المادة أو الطبيعة كما يقولون، إنه يقول: إن هذا الماء المنهمر من السماء والمتفجر من الأرض، إن كل ذلك إلا طغيان طبيعة. وها أنا سألجأ من طغيان الطبيعة إلى حصن الطبيعة!.. سألوذ من طغيان الطبيعة بهذا الجبل الباسق الأشم.
لم يتصور هذا الجاهل أن ثمة فاعلية كامنة في هذه الظاهرة، اللهم إلا الطبيعة العمياء التي يراها.
فماذا كان منطق النبوة؟ ماذا كان جواب الأب الشفوق لابنه؟.. ذلك الأب الذي دعته شفقته عليه إلى أن يجذبه عن هذا التيه إلى صعيد الإيمان بالله عز وجل.
أجابه قائلاً: لا عاصم اليوم من أمر الله، إلا من رحم.
لا عاصم اليوم.. إن المسألة ليست مسألة طغيان طبيعة .. ليست المسألة أن طبيعة استشرى بها الطغيان، حتى تتصور أن بوسعك أن تلجأ منها إلى جبل أشم .. إنه أمر الله تعالى .. الماء الهاطل من السماء والمتفجر من الأرض، والأعاصير المختلفة، إن ذلك كله إلا جنود مجندة لله عز وجل. والجند إنما يأخذ تعاليمه من غرفة العمليات .. إنه يأخذ تعاليمه من قائده .. وهذا العالم كله جنود له .. وما يعلم جنود ربك إلا هو .. هؤلاء الجنود مرتبطون بمقاليد .. مرتبطون بمفاتيح والمفاتيح بيد الله سبحانه وتعالى.
ويأتي بيان الله على أعقاب هذا الحوار قائلاً:
{وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} {هود:43}.
هذا الكلام .. هذا المشهد الحواري، يعمق هذه الحقيقة التي يتحدث عنها بيان الله تعالى، بعبارة علمية وإيمانية واضحة.
ولكن أحسب أن هاهنا إشكالاً قد يطوف بأذهان كثير منا.
التتمة في الجزء الثاني
المصدر : هذا ما قلته أما بعض الرؤساء والملوك

تحميل



تشغيل