مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ:

البيمارستان القيمري

معالم الشام

البيمارستان القيمري

في "حي الصالحية"

الباحثة نبيلة القوصي

تحتضن دمشق معالمَ تاريخية قديمة قيمة، ما يجعل منها الوجهة المثالية للقيام برحلات سياحية ممتعة هادفة، تحت عنوان قوله تعالى: ((قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان ....))، فالسياحة تكون بالسير والسير بالنظر والتأمل فنحصل على عبرة وموعظة فقط عندما ننظر بعقل وقلب واع، حيث نرى تقلب الدنيا بأقوام ملكوها قبلنا وتصرفوا فيها ليمثلوا قول الشاعر: تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار.

وكلنا يعلم يقيناً أن متعة الاكتشاف والبحث تحتاج إلى تشويق وترغيب ... ونحن من خلال زاوية "معالم وأعيان" نحاول استخدام التشويق والترغيب للحصول على المعرفة التاريخية بأرضٍ شرّفنا الله عز وجل بسُكناها، كي نصل إلى مقصود تشريفنا بالإقامة فيها ...

هيا معاً نبحث ونكتشف في سِير مَن سكن هذه الأرض المباركة وترك من ورائه معالمَ ترشد الضالّ والضائع ملتمسين العبرة والعظة التي فُقدت فغفلنا عن مقصد مولانا عز وجل ...

هذه دعوة لرحلة في "حي الصالحية"، في الجهة الغربية من جبل قاسيون، فالصالحية من الصلاح وقاسيون من قسوة الحجارة، والمعالم الأثرية كثيرة ومتنوعة فيها كالمساجد والمدارس والقباب التي شيدها الخلفاء والسلاطين والأمراء.. ومن هذه العمائر (البيمارستانات) التي ظهرت في دمشق، وكان بيمارستان النوري أول بيمارستان وأول نموذج في دمشق، ثم جاء أمير من أمراء القيامرة وبنى بيمارستاناً يضاهي النوري، جعله في وسط الصالحية التي بدت في تلك الفترة وكأنها تنافس مدينة دمشق القديمة ..

البيمارستان القيمري:

البيمارستان: كلمة فارسية مركبة من كلمتين (بيمار) بمعنى مريض أو مصاب وعليل، وكلمة (ستان) بمعنى مكان أو دار، فهي إذاً دار المرضى، ثم اختُصرت فصارت (مارستان)، وتعني المستشفى، بناه سيف الدين القيمري عام 646 هجري، 1256 .. فمن هو الأمير سيف الدين القيمري؟

قال ابن العماد في شذرات الذهب: أن سيف الدين القيمري هو ابن أخت صاحب قيمر، وقَيمُر بفتح القاف وضم الميم، قلعة في الجبال بين الموصل وخِلاط، نُسب إليها جماعة من أعيان الأمراء بالموصل، وخِلاط بكسر أوله وضم آخره، بلدة عامرة مشهورة، وهي قصبة أرمينية الوسطى، وفيها بحيرة لا نظير لها.

وسيف الدين القيمري هو من أكراد العراق ثم الشام الذين كان لهم إسهامات سياسية وثقافية واقتصادية مشرفة في دمشق، واسمه: أبو الحسن علي بن يوسف بن أبي الفوارس بن موسك القيمري الكردي أكبر أمراء القيامرة، كان ذا مال كثير وثروة، أمير شجاع وبطل مجاهد وُصف ببسالته ضد الفرنجة واشترك في معركة دمياط الشهيرة 648 / 1250 وأسر فيها ملك الصليبين الفرنسي.

تروي المصادر أن هذا البيمارستان قد ضاهى البيمارستان النوري، ويدل بناء هذا المشفى الكبير في حي الصالحية على درجة التطور العمراني للمنطقة والاستقلالية التي وصلت إليها منذ تأسيس هذا الحي في أواسط القرن الخامس للهجرة والحادي عشر الميلادي، فقد أسهب المؤرخون في وصفه والإشادة بمحاسنه.

وقد شيد أمراء القيمرية منشآت كثيرة في دمشق وحلب، لا ننسى حي القيمرية في دمشق، الذي يعد من أعرق الأحياء الدمشقية ...

و ذكر المؤرخون أن لبناء البيمارستان القيمري قصة ذات عبرة ترويها الكتب وهي: أن الأمير سيف الدين تزوج من ابنة الأمير عز الدين على صداق كبير، وعندما توفيت من غير ولد أخذ صداقها ومصاغها، وصرفه جميعه في بناء البيمارستان وأوقافه ليكون صدقة جارية تخلُفها على الأرض، لقول المصطفى:

(( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) .

بُني هذا البيمارستان وسط حي الصالحية خاصاً بها، لأنها كانت أشبه بمدينة مستقلة عن دمشق القديمة، حيث أُريدَ أن يُنفع الناس به، (( الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم إلى عياله )).

و توفي الأمير سيف الدين في نابلس 54 6/ 1256 وهو يقاتل الصليبيين .. ثم نُقل ودُفن بتربته تجاه شمال البيمارستان القيمري الذي بناه.

نتجول معا الآن بين أرجاء هذا المعلَم سائلين المولى عز وجل السداد والتوفيق في عبرة وعظة أثناء رحلتنا هذه ولنقرأ فاتحة الكتاب على أرواح من سبقونا وأرواحنا سائلين المولى عز وجل أفضل الأعمال مع حسن الختام...

للبناء باب متقن البناء لا يزال محافظا غلى وضعه، ومخطط البناء متأثر جدا بمخطط بناء البيمارستان النوري الذي بناه نور الدين زنكي 548 هجري/ 1154ميلادي في دمشق القديمة .

والمخطط بشكل عام مربع الشكل له أربعة أووين مركزية، على كل منها مداخل إلى غرف أخرى..

ومدخل البيمارستان مبني بطريقة الأبلق، أي تناوب المداميك الملونة، وله قوس مزخرف، ويتوّج البوابة مقرنص فخم، مع ثلاثة أسطر من زخارف كتابية، وبين الكتابة زخارفُ نباتية متشابكة على درجة عالية من الإتقان، والتي تمثل بداية الانتقال من التقشف الأيوبي إلى طراز الفن المملوكي في الزخرفة، وهذه الزخرفة النباتية ..

ويوجد عدد من القاعات بحسب الاختصاصات لمعالجة أمراض متنوعة: قاعة لتجبير العظام، وأخرى للجراحة، وقاعة للأمراض النفسية، وقاعة للأمراض الباطنية وغيرها... مع مَرافقها من نوافذ في جميع الغرف مطلة على دمشق وحدائق الصالحية من حولها، والتي وُضعت لتعجيل الشفاء أثناء الاستطباب للمرضى، تدلنا على روعة الإنسان ونفعه لأخيه الإنسان إن صدق مع الله في سرّه ليصبح متمثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )).

فقد شُيد هذا البناء لهدف أساسي هو معالجة الفقراء وتخريج الأطباء، فانظروا كيف كان الذين من قبلنا ؟

و لسان حالنا يدعو لهم .... اللهم اجزهم عنا خيرا ....

في نهاية رحلتنا هذه لابد لنا من وقفة تأمل وتفكر نستلهم منها كيف يجب أن نغتنم العمر والحياة فوق أرضٍ ذُكرت بركتها على لسان أشرف الخلق، فنحن اليوم نسطر كتاب أعمالنا الذي سنقرأه يوم القيامة، لذلك أحسنوا تسطيره قبل فوات الأوان ...

(( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً )) .

المصادر والمراجع:

القلائد الجوهرية/ لابن طولون

شذرات الذهب في أخبار من ذهب / لابن العماد

البداية والنهاية/ لابن كثير

معجم البلدان/ ياقوت الحموي

العمارة الإسلامية/ للريحاوي



تشغيل