مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 16/10/2016

كاسيات عاريات

مقالات

الكاسيات العاريات

الإمام الشهيد البوطي

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) رواه مسلم وأحمد، واللفظ لمسلم.

ينص هذا الحديث على أن صنفين من الناس حقَّ عليهما العذاب في نار جهنم يوم القيامة.

أما أحدهما فالحديث عنه مكرر معاد، وهو صنف معروف يشير بذاته إلى نفسه.. صنف من الظلمة يرمز إلى ظلمهم سياطهم التي في أيديهم، وعلمهم الذي يذهبون ويجيئون به إلى الناس. وليس لنا غرض في الحديث عنهم في هذا المقام.

وأما الصنف الآخر، فنساء من نوع عجيب!.. لم يرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه أخبر بهم وأوحي إليه بشأنهم. إن لبسن الثياب فليزيد ذلك كشفاً عن دقائق الفتنة في أجسامهن، فلسن عاريات لأنهن يتجملن بالثياب، ولسن كاسيات لأن كسوتهن أبلغ تعبير مثير عن العري الذي لا تتمتع به العاريات!..

تميل الواحدة منهن إلى الرجل بفنها لتميله إليها بأنوثتها وعريها!.. وقد أقمن من الشعر المتجمع فوق رؤوسهن سنماً مثل سنام البعير يتأملن به مزيداً من الفتنة أو التنبيه!.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن: (لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا!)

أما إعجاز الحديث، وكشفه عن هذه الخارقة الغيبية التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً من حدوثها، كما حدثت فعلاً، فليس مجال حديثنا فيه. وقد فرغ الباحثون جميعاً من البحث في عظمة هذا الحديث ومدى دلالته على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه إنما كان ينظر من شكاة النبوة إلى كل ما يحدث أو يتطور من الزمن.

وأما الحكمة من هذا الوعيد الشديد، فتلك هي مجال بحثنا المختصر في عرض هذا الحديث.

الحكمة من هذا الوعيد، أن التي تخرج من بيتها على هذا الحال، إنما تبذل جميع ما في وسعها لإقناع من يرونها من الرجال بأن (زوجة الشارع)[1] خير وأولى من زوجة البيت، وأنها أتم منها متعة وأفضل منها زوجة!

فلئن كانت (زوجة الشارع) هذه إنما تبرز مفاتنها، وتكشف عن معالم المتعة من جسدها لمجرد العرض والإثارة، فإنه السم بذاته تصبه نافعاً في حياة كل رجل متزوج مع زوجته أو شاب مع نفسه، وإنه لأخطر مظهر من مظاهر الكبت الذي يحذر منه المربون والنقاد الاجتماعيون.

ولئن كانت لا تردُّ يد لامس يبغي الاستمتاع بها، فإنها النار التي تذيب قوالب الأسرة وتتلف معالمها، ولا معنى بعدها للحديث عما يسمى بالشرف، أو التباهي بالنسب أو التفاخر بالكرامة والعرض.

فهما احتمالان، لا ثالث لهما، وأحلاهما بلاء هائج مرير!

ولما كانت شريعة الله عز وجل، تريد للإنسان حياة هانئة تتوفر لها فيها طمأنينة قلبه وسكينة نفسه وسعادة عيشه، في غير مداجاة ولا تصنع ولا نفاق، فقد كانت قائمة في هذا الأمر الخطير على القانون الإلهي القائل: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى ألا يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً) {الأحزاب}.

ومن أجل ذلك كانت المرأة أو الفتاة التي تعرض عن هذا القانون الإلهي العظيم، ثم تقتحم المجتمع لتحاربه بسلاح من الإثارة والفتنة والتعري، إنما تهيئ نفسها لاقتحام نار هادئة خالقها بأن (وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)!

فيا أيتها الأخت الرشيدة!

- إن كنت تؤمنين بوجود الخالق الذي يلزم عباده بهذا القانون، وبالنبي الذي أخبر عن هذا الصنف من النساء _بأنهن لا يدخن الجنة ولا يجدن ريحها_؛ فاحذري معاندة الخالق في القانون الذي ألزمك به، ولا ينزعن بك الجمال الموقوت والشهوة الرعناء إلى اقتحام مهلكة سرعان ما تندمين على اقتحامها، ولن يغنيك الندم إذ ذاك شيئاً.

سيذهب الجمال ويترك لك من آثاره شيئاً واحداً: غلاً ثقيلاً تقادين فيه إلى النار.

أعيذك أن تغضبي رب الأرباب وخالق الجنة والنار، في سبيل أن تشبعي شهوة زائلة أو تخضعي لذة فانية.

أعيذك أن تجعلي من جسدك الهائج العاري مزلقاً تنزلق منه أخلاق الرجال ويضيع فيه رشدهم، ويقعون منه في وادي الغواية والضلال، وإذا أنت بعد قليل تحملين على ظهرك بين يدي الله عز وجل أوزار جيل من الناس كانوا سعداء باتباع مرضاة الله، فانقلبوا بسببك أشقياء بما سلكوا من سبيل سخط الله.

أعيذك أن تحيلي أجمل نعمة من الله بها عليك، إلى سلاح تضعينه في يد أعداء دين الله تعالى كي يسلكوا به أقرب طريق إلى اقتناص خلق الإسلام في شباب المسلمين، وإذا بهم صرح هائل تهاوى وسور غليظ تحطم.

أعيذك أن تنخدعي لوسواس جنوني كاذب هو: أن الفتاة الجميلة لا تعثر على الزوج الذي تحلم به إلا على المسرح الذي تتعرى فيه !.

كذب والله من قال لك هذا الكلام.

وإذا شئت الدليل فانظري إلى الواقع الذي ترين، انظري؛ تجدين الفتاة المتحصنة بستر الإسلام وخلقه أسرع إلى الزواج من سرعة السيل إلى منحدره بمقدار ما تجدين الأخرى أقرب إلى الضياع أو الشقاء أو البوار.

هذا كله إذا كنت تؤمنين بالخالق الذي ألزمك بقانون الستر والاحتشام.

أما إذا كنت لا تؤمنين، فإني أنصحك نصيحة أخ لا يبغي لك إلا الخير الذي يبغيه لنفسه: عليك أن تسرعي فتعيدي النظر إلى ما تعتقدين ببحث موضوعي متحرر نزيه، فإن خادعاُ ما قد خدعك عن الحق ولبس عليك في أمره وشأنه.

أسرعي لتنتبهي إلى الحق الذي خدعوك عنه، قبل أن يسرع ما ينبهك إليه بعد فوات الأوان، وزوال الفائدة من التنبه والاعتقاد والإيمان.

المصدر : أبحاث في القمة {من أسرار المنهج الرباني}

[1] (زوجة الشارع) تعبير أطلقناه على تلك المرأة التي إذا خرجت إلى الشارع تعرَّت وازَّينت وتمرَّغت على طول شارعها، كما تتمرغ الزوجة في أحضان زوجها، فإذا عادت إلى البيت طوت زينتها وأهملت زخرفها وجلست فيه شعثاء لأنها في البيت.. وما في حدا غريب.