مميز
الكاتب: الإمام السيد محمد علوي المالكي
التاريخ: 14/09/2016

الأدلة على مشروعية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم

مقالات

الأدلة على مشروعية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم


الإمام السيد محمد علوي المالكي رحمه الله تعالى

قال السيد رحمه الله تعالى في كتابه أبواب الفرج: اعلم وفقني الله وإياك لطاعته وفهم خصوصيات نبيه صلى الله عليه وسلم والمسارعة إلى مرضاته، أن زيارة نبينا صلى الله عليه وسلم مشروعة مطلوبة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وبالقياس.

أما الكتاب فقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (النساء: 64) دلت الآية على حث الأمة على المجيء إليه صلى الله عليه وسلم والاستغفار لهم وهذا لا ينقطع بموته، ودلت الآية على أنهم سيجدون الله تواباً رحيماً –بلا شك ولا ريب- بمجيئهم إليه واستغفارهم واستغفار الرسول لهم، فأما استغفاره صلى الله عليه وسلم فهو حاصل لجميع المؤمنين بنص قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (محمد: 19) وصح في صحيح مسلم أن بعض الصحابة فهموا من الآية ذلك المعنى الذي دلت عليه هذه الآية، فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم واستغفار رسول الله لهم فقد تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله تعالى ورحمته، وليس في الآية ما يعين تأخر استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم عن استغفارهم، بل هي محتملة والمعنى يؤيد أنه لا فرق بين تقدمه وتأخره، فإن القصد إدخالهم لمجيئهم واستغفارهم تحت من يشمله استغفار النبي صلى الله عليه وسلم له، هذا وإن جعلنا (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) عطفاً على (جَاءُوكَ) فلا يحتاج لذلك، كما أنا إذا قلنا إن استغفاره صلى الله عليه وسلم لأمته لا يتقيد بحال حياته كما دلت عليه الأحاديث الآتية، فلا يضره عطفه على (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ)، إذ أمكن استغفاره لأمته بعد موته، وقد علم كمال شفقته ورحمته عليهم.

فمعلوم أنه لا يترك ذلك لمن جاء مستغفراً في حياته وبعد وفاته، والآية الكريمة وإن وردت في قوم معينين في حالة الحياة فتعم بعموم العلة كل من وجد فيه ذلك الوصف في حال الحياة وبعد الممات، ولذلك فهم العلماء من الآية العموم في الجائين، واستحبوا لمن أتى إلى قبره صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآية ويستغفر الله تعالى واستحبوها للزائر ورأوها من آدابه التي يسن له فعلها وذكرها المصنفون في المناسك من أهل المذاهب الأربعة. اهـ ويستفاد من وقوع (جَاءُوكَ) في حيز الشرط الدال على العموم أن الآية الكريمة طالبة للمجيء إليه من بعد ومن قرب بسفر وبغير سفر.

وقوله تعالى (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِوَ كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (النساء: 100)، ولا شك عند من له أدنى مسكة من ذوق العلم أن من خرج لزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق عليه أنه خرج مهاجراً إلى الله ورسوله لما يأتي أن زيارته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كزيارته في حياته، وزيارته في حياته داخلة في الآية الكريمة قطعاً، فكذا بعد وفاته بنص الأحاديث الشريفة الآتية.

وأما السنة فكثير من العلماء يذكرون مسألة الزيارة في كتب المناسك على أنها من المستحبات، ويؤيد هذا أحاديث كثيرة نذكر جملة منها:

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من زار قبري وجبت له شفاعتي" رواه الدار قطني والبيهقي.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جاءني زائراً لا يعلم له حاجة إلا زيارتي، كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة" رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وقال الحافظ العراقي: صححه إبن سكن (المعني ج:1 ص:265).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حج فزار قبري في موتي كان كمن زارني في حياتي" رواه الطبراني في الصغير والأوسط.

وقد تكلم العلماء في أحاديث الزيارة ونقدوا أسانيدها وفصلوا ذلك تفصيلاً ليس هذا محل ذكره، ويكفي أن نقول في حاصل ذلك:

إن أحاديث الزيارة لها طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً كما نقله المناوي عن الحافظ الذهبي في فيض القدير (ج:6 ص:140) خصوصاً أن بعض العلماء صححها أو نقل تصحيحها كابن خزيمة وعبد الحق والتقي السبكي وابن السكن والعراقي والقاضي عياض في الشفا والملا علي قاري شارحه والخفاجي (كذا في نسيم الرياض ج:3 ص:8111) وكلهم من حفاظ الحديث وأئمته المعتمدين، ويكفي أن الأئمة الأربعة وغيرهم من فحول العلماء وأركان الدين قالوا بمشروعية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم كما نقل أصحابهم في كتب فقههم المعتمدة وهذا كاف منهم في تصحيح أحاديث الزيارة وقبولها. لأن الحديث الضعيف يتأيد بالعمل والفتوى كما هو معروف من قواعد الأصوليين والمحدثين.

وأما القياس، فقد جاء أيضاً من السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور، فقبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منها أولى وأحرى وأحق وأعلى، بل لا نسبة بينه وبين غيره.

وأيضاً فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم زار أهل البقيع وشهداء أحد، فقبره الشريف أولى لما له من الحق ووجوب التعظيم، وليست زيارته صلى الله عليه وسلم إلا لتعظيمه والتبرك به، ولينالنا عظيم الرحمة والبركة بصلاتنا وسلامنا عليه صلى الله عليه وسلم عند قبره الشريف بحضرة الملائكة الحافين به صلى الله عليه وسلم.

وأما إجماع المسلمين فقد نقل جماعة من الأئمة حملة الشرع الشريف الذين عليهم المدار والمعول في نقل الخلاف والإجماع الإجماع عليها، وإنما الخلاف بينهم في أنها واجبة أو مندوبة، وأكثر العلماء من السلف والخلف على ندبها دون وجوبها، وعلى كل من القولين فهي مع مقدماتها من نحو السفر إليها ولو بقصدها فقط دون أن يضم قصد اعتكاف أو صلاة بمسجده صلى الله عليه وسلم من أهم القربات وأنجح المساعي، ومن ثم قال الحنفية: إنها تقرب من درجة الواجبات، وقال بعض أئمة المالكية: إنها واجبة، قال غيره منهم: يعني من السنن الواجبة، ويدل لذلك أحاديث صحيحة صريحة لا يشك فيها إلا من انطمس نور بصيرته، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "من زار قبري وجبت له شفاعتي" رواه ادار القطني، وفي رواية "حلت له شفاعتي" صححه جماعة من أئمة الحديث[1].

مشروعية شد الرحال للزيارة

قال السيد رحمه الله تعالى في كتابه (شفاء الفؤاد بزيارة خير العباد): لا ينكر أحد من أهل السنة والجماعة مشروعية زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقيت مسألة شد الرحال لأجل الزيارة خاصة، وهذه المسألة في الحقيقة لا تستحق من المخالف كل هذه الهجمات النكراء والحملات الشديدة الشعواء وكأن القضية فيها إنكار الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، أو إنكار النبوة وجحد الكرامات سبحان الله هذا بهتان عظيم فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ولا أدري ما هو الذي يترتب على القول بشد الرحل لزيارة قبر نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من المفاسد والشرور وعظائم الأمور؟ وما صلتها بالشرك والكفر والإخراج عن دائرة الإيمان؟ فقد كنا نسمع من المخالف قبل سنوات عديدة القول: بان شد الرحل لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم شرك، ثم هان الأمر وخف الخطب وصار شد الرحال بدعة ثم خف أكثر وصارت العبارة أهون وألين وأرق وأشفق فصاروا يقولون إن شد الرحال ليس بمشروع فالحمد لله الذي فتح البصائر قليلاً قليلاً لإدراك الحقائق وملاحظة المذاهب[2].

شد الرحال لزيارة النبي e ومسجده

الزيارة تستدعي سفراً تستلزم رحيلاً، إذا إنها عبارة عن انتقال من الزائر للمزور، وذلك الانتقال يقضي سفراً ويتطلب مجيئاً، ولا يتصور انتقال بدون سفر ولا يتحقق مجيء بغيره، كما لا يمكن أن تكون هجرة بدون انتقال ولا تتأتى رحلة بدون ارتحال.

وهي خير ما يتقرب به المحبون ويسعى المخلصون الصادقون لأنها من أعظم ما يتقرب به الإنسان إلى الله ورسوله فكل ما يترتب عليها قربة، وجميع ما تستدعيه مستلزماتها قربة كذلك يهدي الله لنوره من يشاء، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

وقد احتج الإمام النووي أيضاً والبيهقي على مشروعية السفر للزيارة النبوية بحديث: "ما من أحد يسلم على إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام" رواه أبو داود بإسناد صحيح.

قال الشيخ محمد الفقي المصري: ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الأمة يسوقها شوقها ويدفعها حبها لزيارة رسولها ومصدر سعادتها في الحياتين، إذا ما علمت أنه صلى الله عليه وسلم يشهدها إذا تشرفت بزيارته ويراها إذا وقفت بين يديه تحملت في سبيل ذلك كل ما يعترضها من عقبات ويصادفها من صعوبات وتلاقيه من مشاق في السفر، ووعثاء الانتقال طلباً للحظوة به صلى الله عليه وسلم والتماساً للرضا وبلوغ المنى وقضاء الحوائج وغفران الذنوب، وفضلاً عن هذا وذلك فإن في رد السلام على أمته بلا واسطة شرفاً أي شرف ونعمة كبرى، يسعى في تحصيلها المسلمون ويتبارى المحبون، ويهرع للفوز بها الزائرون وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

وتحقيق معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "رد الله عليَّ روحي" أنه لا يسلم عليه أحد من قاصديه إلا في حال كون روحه الطاهرة مردودة إليه، وهي لا تفارقه أبداً لأن أرواح الأنبياء لا تفارقهم بعد موتهم فهي مردودة إليهم ولا تخرج عن أجسادهم التي لا تبلى، ويستحيل أن يتطرق إليها البلى لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، أما عدم مفارقة الروح للجسد فثابت ولكن على غير الصورة التي يعهدها الناس ويألفونها في هذه الحياة لمن هم دونهم وأقل شاناً منهم بدرجات لا تحصى من الصديقين والشهداء، ففي نص التنزيل عن حياة الشهداء قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران: 169) وإذا ثبت حياة الشهداء بذلك فثبوت حياة الأنبياء والمرسلين من باب أولى وذلك مسلم به منطقاً وعقلاً وإن شوهدت أجسادهم في قبورهم خالية منها عارية عنها، مثلهم في ذلك مثل النائم يغط في نومه وهو يشاهد عجائب في الملكوت، ويكتسب أسراراً ينتفع بها ويحدثك عنها بعد يقظته من نومه، وكذلك نرى إثنين في فراش واحد فبينما نجد أحدهما يقضى وقت نومه في نعمة ولذة وسرور نجد الآخر يقضى ذلك الوقت في ألوان من القلق والضيق وشدة الفع والألم، ويتمنى أن لو فاق هذه المضايقات. يخبران بذلك ويحدث كل منهما بما كان فيه متى استيقظا من نومهما وانتبها من منامهما.

ومعلوم أنه لا يخلو وقت من الأوقات ولا تمر لحظة من اللحظات إلا وكثير من أمته صلى الله عليه وسلم يصلون ويسلمون عليه في صلواتهم وغيرها، ويصله علم ذلك بواسطة الملك الذي يبلغه صلاة أمته وسلامها عليه صلى الله عليه وسلم فيدعو لمن يصلي عليه ويرد السلام على من يسلم عليه منهم (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق:37).

حديث: لا تشد الرحال.. ومفهومه الخطأ عند الوهابية

قال السيد رحمه الله في كتابه (الزيارة النبوية بين الشرعية والبدعية): يخطئ كثير من الناس في فهم حديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" فيستدلون به على تحريم شد الرحال لزيارة النبي صلى الله ويعتبرون أن السفر بذلك سفر معصية، وهذا الاستدلال مردود، لأنه مبني على فهم باطل.

قال شيخ الإسلام الفيروزابادى: أما حديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" فلا دلالة فيه على النهي عن الزيارة بل هو حجة في ذلك، ومن جعله دليلاً على حرمة الزيارة فقد أعظم الجراءة على الله ورسوله، وفيه برهان قاطع على غباوة قائله، وقصوره عن نيل درجة كيفية الاستنباط والاستدلال.

قال السيد رحمه الله: فالحديث كما ترى في باب، والاستدلال في باب آخر، وبيان ذلك هو أن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إل ثلاثة مساجد" جاء على الأسلوب المعروف عند اللغويين بأسلوب الاستثناء، وهذا يقتضي وجود مستثنى ومستثنى منه، فالمستثنى هو ما كان بعد إلا، والمستثنى منه هو ما كان قبلها، ولا بدمن الأمرين، إما وجوداً أو تقديراً، وهذا مقرر ومعروف في أبسط كتب النحو.

وإذا نظرنا إلى هذا الحديث وجدنا أنه قد جاء فيه التصريح بذكر المستثنى وهو قوله: (ثلاثة مساجد) وهو ما بعد (إلا) ولم يأت ذكر المستثنى منه وهو ما قبل (إلا) فلا بد إذاً من تقديره.

فإن فرضنا أن المستثنى منه (قبر) كان اللفظ المنسوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاثة مساجد. وهذا السياق ظاهر في عدم الانتظام وغير لائق بالبلاغة النبوية، فالمستثنى غير داخل ضمن المستثنى منه، والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، ولا يطمئن قلب عالم يتحرج من نسبة كلام للمصطفى صلى الله عليه وسلم لم يقله إلى نسبة هذه اللفظة (قبر) وهي لا تتفق مع الأصل في الاستثناء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تصلح أن تكون هي المستثنى منه.

فلنفرض أنها لفظ (مكان) فيكون السياق المنسوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الفرض: لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى ثلاثة مساجد، ومعنى هذا ألا نسافر إلى تجارة أو علم أو خير، وهذا ضرب من الهوس ظاهر البطلان.

تحميل



تشغيل