مميز
الكاتب: عبد الهادي تمورتاش
التاريخ: 08/08/2016

الإحياء والتجديد في الإسلام في نظر الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي

مشاركات الزوار

الإحياء والتجديد في الإسلام في نظر
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي
هذه مقابلة أجريتها مع الشهيد الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي عام 2005 في زيارة لي إلى دمشق، وقد ترجمت المقابلة إلى اللغة التركية ونشرتها في العدد العاشر من مجلة (بلگه آضام) التي تصدر في مدينة وان بتركيا، والآن أخرجها من أرشيفي كي ترى النور في العالم العربي لأول مرة.
عبد الهادي تمورتاش
نص المقابلة
السؤال: أولاً أشكركم على قبولكم إجراء هذه المقابلة معكم. أسئلتي كلها تدورحول موضوع الإحياء والتجديد عند المسلمين، وأريد أن أسأل أولا: هل هناك حاجة إلى الإحياء والتجديد في العالم الإسلامي، وما هي الطرق الصحيحة لتحقيق تجديد سليم في نظركم؟
جواب الإمام الشهيد: قطعا تجديدُ الدين شيء مطلوب وشيء بشّر به رسولُ الله، وأمر به عندما قال: إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها، لكن ما المعنى المراد بالتجديد؟ المعنى المراد بالتجديد، هو أن يكون في المسلمين من يدعون الناس إلى أن يجددوا بيعتَهم مع الله، وأن يجددوا توبتهم إليه، وأن يزيلوا ما يمكن أن يتراكم عليه من الشبهات والشكوك في أذهانهم، ومما يمكن أن يضع الحجاب بينه وبين العقيدة الإسلامية، وأن يبحثوا الأحكام الشرعية الجديدة التي تأتي به الأعراف والمصالح. هذا هو التجديد الذي بشر به رسول الله، والذي أمر به، يعني فهو كتجديد بناء تراكم عليه الغبار كيف نجدده ؟ بأن نزيل هذه الأتربة وهذا الغبار، وأن نعيده إلى الألف، والوضع الذي كان عليه، فالتجديد بهذا المعنى طبعاً هو مطلوب، ومنذ بعثة الرسول (ص) إلى اليوم هذا التجديد بهذا الشكل كان مستمراً .
السؤال: هل هناك حاجة إلى تفسير جديد أو تأويل معاصر لإحياء الفكر الديني وتطويره؟
جواب الإمام الشهيد: كل نص من النصوص الدينية الموجودة في القرآن وفي السنة لا يجوز تفسيره ما دام قد جاء باللغة العربية إلا طبقاً لقواعد العربية. فالنص مهما تقادم، مادام باللغة العربية لا يجوز في المنطق ولا في العقل ولا في العرف ولا في الدين أن يجدد تفسيره بعيداًعن ضوابط اللغة العربية، فالكلمة مادامت لها معنى في اللغة لا يجوز إذا تقادم عليه العهد أو مللنا من معناها أن نغرس لها معنى جديدا ضد اللغة العربية دون أن تقيم وزناً لقواعد اللغة العربية .
نعم فالنصوص عندما فسرت في صدر الإسلام فسرت على ضوء قواعد اللغة العربية، وهو ما يسمى بقواعد الدلالات. واليوم أيضاً لا نستطيع أن نفسر النص العربي إلا بموجب قواعد الدلالات، وهذا شئ مطبق في غير القرآن والسنة.الآن إذا رجعنا إلى كتاب إفلاطون عن الجمهورية، وهو أقدم من القرآن يعني من نزول القرآن، وأقدم من نزول السنة. هل هناك من يقول: ينبغي أن نقرأ كلام إفلاطون قرأة معاصرة؟ لا هذه خيانة أصلاً لا بد أن نقرأها بالطرق التي تعيدنا إلى ذهن أفلاطون نفسه .
السؤال: بالنسبة لما يقوله أمثال حسن حنفي ونصر حامد أبو زيد: هل يأتون بشى جديد في نظركم؟
جواب الإمام الشهيد: هولاء، نحن نعلم أنهم مكلفون ومندسون، ولهم مهام يتمثل في تمييع الشريعة الإسلامية، وتمييع العقيدة الإسلامية .
وقرأت محاضرة لآنطون لك هذا كان مستشاراً لكلنتون السابق ,يدعو فيها العالم العربي والإسلامي إلى اتباع أمثال حامد أبو زيد وحسن حنفي .ومحاضرة أنطوون لك موجودة عندي، فهؤلاء يتقاضون رواتب من سفارات معينة ومكلفون بهذا. طبعاً المهمة هي تبديل وتمييع الإسلام في معتقداته، وفي سلوكياته.
السؤال: كيف يمكين التأليف بين القيم الإسلامية الثابتة وبين الظواهر الاجتماعية المتجددة، وما الذي تقدمه لنا التجربة الإسلامية؟
جواب الإمام الشهيد: ينبغي أن يتجه السؤال هكذا: كيف يمكن إخضاع المظاهر المتجددة للقيم الثابتة هكذا ينبغي أن يكون السؤال. المظاهر المتجددة ليست منافساً للقيم. المظاهر المتجددة تقبل عندما تكون خاضعة للقيم الثابتة، وترفض عندما تكون مناقضة للقيم الثابتة. فهنالك مظاهر متجددة وأعراف متجددة ورغبات وتيارات متجددة كيف السبيل إلى التوفيق بينها وبين القيم الإسلامية الثابتة، ومن قال يجب أن نقبلها وأن نفسح لها المجال بين القيم .لا، السيادة للقيم إذا وجدنا هذه المظاهر المتجددة متفقة مع القيم الإسلامية .يا مرحباً .وإذا وجدناها متعارضة مع القيم الثابتة نلقيها وراءنا ظهرياً. هذا هو الجواب .
السؤال: انطلاقا من هذه الحقائق التي ذكرتم كيف حافظت الأمة الإسلامية على هويتها الفكرية وكيانها الاجتماعي؟
جواب الإمام الشهيد: حافظت الأمة الاسلامية المتمسكة بدينها على وجودها عن طريق هذا الذي أقوله لك .الأمة الإسلامية متمثلة في علمائها وقادتها المخلصين كانوا ينظرون إلى هذه العادات الوافدة والتيارات الجديدة والأعراف والمصالح الجديدة في ميزان الثوابت الإسلامية المعروفة، ما وجدوا منها متفقاً معها قبلوه، وما وجدوا منها غير متفق معها رفضوه. ذلك لأن الاتفاق دليل على أن هذه الأعراف الجديدة غير صالحة، وإن خيل إلينا أنها صالحة. ذلك لأن الإسلام لا شك أنه جاء يرعى مصالح العباد، ولا يمكن أن توجد مصلحة حقيقية للعباد إلا والإسلام يرحب بها، إما أنه يرحب بها بنصوصه الدالة على الأحكام الجزئية، وإما أنه يرحب بها بقواعده الكلية والأصوال العامة التي هي مفاتيح الأحكام، فإذا وجدنا أن هناك أعرافاً أو مستجدات لاتتفق لا مع النصوص الجزئية ولا مع القواعد الكلية ومنها القياس ،ومنها المصالح المرسلة ،ومنها الإستحسان فهذا يعني أن هذه الأعراف المتجددة لا فائدة فيها ولا خير فيها .هذه الأمة إلتزمت هذا المنهج، فاستمر وجودها. ذلك لأنها عرفت كيف تأخذ من الجديد الصالح المفيد، وكيف ترفض من الجديد الباطل الضار. وهكذا بقيت مستمرة إلى هذا العصر، وكان الإسلام عصب وجودها.
السؤال: هل يمكن أن توضحوا الحديث النبوي الذي أشرتم إليه ما نصه: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها" من خلال المراحل التاريخية التي مرت بها الأمة الإسلامية؟
جواب الإمام الشهيد: الدين ما هو؟ هو الخضوع لما جائت به الرسل والأنبياء وآخرهم محمد صلى الله عليه و سلم من المبادئ الإعتقادية و الشرائع السلوكية. هذه الدينونة مع الزمن لا بد أن يعتريها شوائب؛ ما هي هذه الشوائب؟ هي شكوك ورِيَب وشبهات من أعداء هذا الدين، يتسربون ويتسللون، فتتراكم هذه الشبهات هذه المشكلات وهذا الشكوك في أذهان ربما كثير من الناس، فتحتاج هذا المجتمعات التي تتعرض لهذا الأتربة لهذا الغبار تحتاج إلى علماء دعاة أتقياء يرحلون هذه الشبهات، ويحررون الأمة منها، وينظفون المجتمع من أتربتها ومن غبارها. هذا هو التجديد الذي عناه رسول الله (ص)، ويدخل فيه أيضاً الجديد من المصالح الحقيقية وحاجتها أو حاجة المجتمع إلى موقفها في الشريعة الإسلامية، هل تدخل في المصالح المرسلة أم هل تدخل الإستحسان أم هل تدخل في الذرائع، تدخل في ماذا؟ .فوجود أناس يقومون بهذه الخدمة هذا هو التجديد، وليس المراد بالتجديد التغيير، هذا شئ بدهي. النبي (ص) في الوقت الذي حبذ التجديد بمثل هذا الحديث حذّر من التبديل؛ إذ التجديد غير التبديل قال في الحديث الذي يرويه الإمام مالك في موطئه و الإمام أحمد في مسنده في آخر الحديث يقول :ألا ليذادن (أي يطردون) رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضالن فأقول ألا هلم ألا هلم، فيقال إنك لا تدري كم بدلوا من بعدك، فأقول فسحقاً فسحقاً فسحقاً. والباري عز وجل يصف الصالحين من عباده في القرآن ((وما بدلوا يبديلاً )) فالتجديد هو هذا، وهو غير التبديل، أنا أغيب عن داري سنة أو سنتين أعود فأجد الأتربة والغبار قد تراكمت فيه، فأرحل هذه الأتربة، وأجدد الطلاء وما إلى ذلك دون أن أغير في بنيان البيت شيئاً.
السؤال: إذا أحببنا أن نقيم حركات الإصلاح والتجديد التي ظهرت في القرن الثامن عشر واستمرت إلى اليوم في العالم الإسلامي ماذا تود أن تبين للقراء؟
جواب الإمام الشهيد: الحركات التجديدية المعلن عنها هي حركة جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده والذين ساروا على نهجه هذه في الصورة أعتيرت تجديدا، لكن في الحقيقة وواقع الأمر خطه بريطانية جند لها هؤلاء الأشخاص، جند لها جمال الدين الأفغاني، وهو معلوم في ماسونيته، وترجمته معروفة، وسار على نهجه فيها محمد عبده لا سيما في الشطر الثاني من حياته، وكان شيخ الأزهر مصطفى المراغي أيضا هو الرائد، وبريطانيا هي التي جائت به شيخا للأزهر نعم. وهذا شئ معروف. هذا أبرز مظهر من مظاهر الإصلاح والتجديد، ولذلك نحن نلاحظ أنه لم يكن تجديداً وإنما كان تغييراً، يعني محاولة للتغيير في العقائد وفي السلوك، دعوة إلى نبذ المعجزات وعدم الحديث عنها في السيرة النبوية، ولا تفسير ما ورد في القرآن على ظاهره بحجة أن العصر عصر العلم، وأن المعجزات تتعارض مع العلم، وفي الوقت ذاته دعوة إلى تغيير كثير من أحكام الاحوال الشخصية، فهذا لم يكن تجديدا وإنما كان سعيا إلى التغيير والتبديل. هذه أبرز ظاهرة لما يسمى التجديد والإصلاح، ثم جائت بعد ذلك حركات فردية مثل من كتب في القراءة المعاصرة مثل نصر حامد أبو زيد، مثل هؤلاء الناس، هؤلاء في الواقع لا يقام لكلامهم وزن؛ لأنهم ما استجاب لهم أحد، ثانياً هولاء مطرحون يعني جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لم يفتضح أمرهم إلا بعد رحيلهم، لكن هولاء من الآن مطروحون مفضوحون ومعروفون وهوياتهم معروفة.
أما فيما يتعلق بالتجديد الحقيقي فالواقع هنالك تجديد مستمر؛ مثلاً المجمع الفقهي الممثل بمنظمة المؤتمر الإسلامي، والذي ينعقد كل عام في جدة دائماً يتتبع المشكلات الجديدة والأعراف الجديدة، والمصالح الجديدة خلال لقائات العلماء في العالم العربي والإسلامي حيث يستبان من خلالها الأحكام؛ لذا ليس هناك الآن شئ جديد مما لم يكن منصوصا عليه في الكتب السابقة إلا وهو مغطى بأحكام لأنه ليس هناك مشكلة جديدة في العالم العربي لا يعرف لها حكم .
السؤال: أذكر أني قرأت كلاما للشيخ محمد عبده في مذكراته أنه قال بأنه دخل المنظمة الماسونية عساه يخدم الإسلام لكن عندما رأى عداوتها للإسلام ابتعد عنها.
جواب الإمام الشهيد: نحن أصلا لسنا نتحدث عن ماسونية محمد عبده، نتحدث عن ماسونية جمال الدين الأفغاني أستاذه جمال الدين الأفغاني لم يقل هذا الكلام ولم يخرج من ماسونيته، فابن أخته ألف كتاباً وفضح أسراره، أما محمد عبده فله رسالة أرسلها إلى جمال الدين الأفغاني موجودة بخط يده يخاطبه فيها كما يخاطب العبد ربه يقول: أنت تعلم ما في نفسي، ولا أعلم ما في نفسك أنت الذي صنعتنا بيديك إلى غير ما هنالك من كفريات يخاطب جمال الدين الأفغاني. لذلك لا يوثق بصاحب هذا الكلام، فهذ الرسالة كله كلام تفضحه، وهي موجودة عندي بخط يده إلى جمال الدين الأفغاني .
السؤال: ما الشخصية التي تأثرتم بها أكثر في تاريخ الإصلاح الإسلامي؟
جواب الإمام الشهيد: ليس هنالك في عصرنا هذا مجدد واحد والنبي (ص) عندما قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها لم يقصد رجلاً واحداً - كما يقول الشراح - و (من) هذه ليست مفسرة بشخص، (من) تقبل الجماعة، وتجد في كل عصر ثلة من العلماء متوزعين منتشرين في البلاد العربية والإسلامية يصدق عليهم أنهم مجددون أي أنهم حراس لهذا الدين يرحلون الأتربة والشبهات والشكوك والمشكلات في أزهان الناس. واليوم كذلك، الذين يجددون من أعضاء المجمع الفقهي في جدة مثلاً، ومن مجمع البحوث في القاهرة هولاء مجموعات ليست مجموعة واحدة؛ ولذلك لا أستطيع أن أقول لك أن هناك مجدداً ظهر على مسرح العالم العربي أو الإسلامي هو فلان حتى نقول أنه هل تأثرت به أم لا.
السؤال: لم أقصد التاريخ الحديث وإنما قصدت التاريخ الإسلامي.
جواب الإمام الشهيد: خلال التاريخ، قلت لك ليس هناك في كل عصر مجدد واحد، وإنما معنى كلام رسول الله هو أنه يوجد في كل عصر. وفي كل جيل، وفي كل قرن مجموعات كبيرة من العلماء تساهم في التجديد؛ فمثلاً الإمام الغزالي مجدد، والإمام الجويني مجدد، والأمام فخرالدين الرازي مجدد، والإمام النووي مجدد، والعز بن عبدالسلام مجدد، هؤلاء كلهم مجددون، ولا أستطيع أن أقول: إن هنالك واحداً تفرد عن الآخرين بمظهر ما يسمى التجديد، هنالك تيار للتجديد، وليس هنالك فرد مجدد، بل تيار من المجددين.
السؤال: ما هي الميزات التي يجب توافرها فيمن يتصدى لحل المشكلات العقدية والاجتماعية التي يعاني منها الأمة الإسلامية في نظركم؟
جواب الإمام الشهيد: مميزات هذا الشخص:
أولا: الإخلاص لدين الله عزوجل؛ لكي لا تتغلب عليه المنافع الدنيوية.
ثانياً: العلم الواسع والدقيق لكتاب الله وسنة رسوله عقيدة وسلوكاً.
ثالثاً: الحكمة المتناهية.
هذا الإنسان إذا وجد متميزاً بهذه الصفات ممكن أن يعد القدوة بالحكمة والعلم الواسع والراسخ بالدين الإسلامي والإخلاص لوجه الله عزوجل .
السؤال: هل تتبنون القاعدة الفقهية التي تقول: لا اجتهاد في مورد النص؟
جواب الإمام الشهيد: نعم طبعاً، كلمة النص تعني في هذا المجال الذي ثبت متواتراً، ودل على معناه يقيناً. النص الذي ثبت يقيناً، ولن يكون يقيناً إلا بالتواتر، والذي دل على معناه بيقين لا اجتهاد فيه؛ لأن أي اجتهاد فيه يمزق اليقين، فإذا قرأت قول الله عزوجل: ((الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة)) أقول إن هذا النص لا اجتهاد فيه، لماذا؟ لأنه ثابت بيقين بالتواتر، وهو قرآن، والقرآن وصل إلينا بالتواتر، ولأنه ذو دلالة قطعية يعني أنه يخضع للتأويل لأنه ثابت باليقين، أكيد لا مجال للاجتهاد فيه، لكن هناك نصوص بالمعنى اللغوي مثلاً، نقول في مصلحات الأدب العربي: هذا نص لامرء القيس، وهذا نص للقس بن ساعدة الإيادي. (نص) أي كلام مروي عنه، هذا (النص) فيه مجمل، فيه كلمات من نوع المجمل، وفيه كلمات من نوع المتشابه، وفيه كلمات من نوع الظاهر، وفيه كلمات من نوع قطعي الدلالة، لسنا نعني بالنص هنا في هذه القاعدة هذا المعنى، "لا اجتهاد في معرض النص" ليس المراد بالنص النص اللغوي، المراد بالنص: المحكم الذي يقابل الظاهر، ويقابل المجمل، إذا كان النص هكذا قطعي الثبوت، وقطعي اللالة فالاجتهاد يناقضه وهذا غير مقبول.
السؤال: هناك تركيز ملفت للنظر من قبل كثير من المفكرين المسلمين على مفهوم الديموقراطية ما رأيكم في هذا؟
جواب الإمام الشهيد: الديمقراطية إذا فسرناها بالشورى التي جاء بها الإسلام؛ الشورى السياسية، الشورى فيما يتعلق باختيار ريئس الدولة، الشورى باختيار أعضاء مجلس الشعب هذا شيء جيد في هذا الحالة المسمى واحد والأسماء هي المختلفة .
أما إذا قصدنا بالديمقراطية أن نجعل الحكم في دولة إسلامية لأكثرية الشعب فهذا طبعاً يتعارض مع الإسلام، الحاكم في ميزان الشريعة الإسلامية هو الله، والشورى مهمتها أن تتعاون للتعرف على حكم الله، هنالك غموض في بعض الأحكام لا يمكن أن نصل إلى حكم الله عز وجل في هذه المسائل الغامضة إلا بالتعاون، والتعاون لا يتم إلا بالشورى، فالشورى أداة لمعرفة حكم الله، هذا هو الشورى المشروع عندنا، فإذا قصدنا بالديموقراطية المنهج الغربي في السياسية، وفي الحكم بأن نطرح مسألة مشروع لمسألة في الأصول الشخصية، في القضايا إلاقتصادية نطرحها على مجلس الشعب؛ فإذا وجدنا أن الكثرة قد قبلتها نشرع قانوناً بذلك بقطع النظر عن موافقة هذا القانون للشريعة للإسلام أو عدم مواقفتها، فهذا مرفوض، إذن الديموقراطية بهذا المعنى الثاني بمعنى جعل الحكم نابعاً من أكثرية الشعب هذا مرفوض؛ لأن الحكم في الإسلام دائماً لله عز وجل.
السؤال: لماذا لا يقدم المسلمون نموذجا مثاليا للاقتصاد والسياسة وما إلى ذلك تسير الأمة عليه؟
جواب الإمام الشهيد: النموذج موجود، لكن موضوع على الرفوف. النموذج موجود، ولا يمكن لمسلم أن يقول: والله لا يوجد لا في كتاب الله تعالى و لا في سنة رسوله ولا فيما استخرجه علماء المسلمين من أحكام وتشريعات وحلول لمشاكل الأمة ،لا يوجد في ذلك كله ما يصلح حال المسلمين. من الذي يقول ذلك؟ النموذج موجود، لكن مع الأسف غير مطبق، فيمكن أن يكون السؤال بشكل آخر لماذا لا تكون الاحكام والمبادئ والشرائع الإسلامية التي تتكفل بحل مشاكل المسلمين موضع حد التنفيذ؟ هذا السؤال بهذا الشكل وارد. نقول: في هذه الحالة لأن قادة المسلمين أكثرهم موظفون لدى القوى الكبرى التي تفرض منهجا معينا على عالمنا العربي والاسلامي، ولأن كثرة كاثرة من الناس في مجتمعاتنا سواء كانوا قادة أو شعوبا غير مقتنعين - رغم أنهم مسلمون - غيرمقتنعين بالحلول الإسلامية الموجودة على الرفوف، هذا هو السبب.
عندما يقتنع المسلمون، لا أقول كلهم بل أكثرهم بأن الربا لا خبر فيه، ولايحمل للأمة إلا الضرر عندئذ سنجد أن هذا الحكم قد طبق، ومن ثم هذا البلاء قد تحذرت الأمة منه، وهذا الاخطبوط الاقتصادي زال. عندما تقتنع الأمة ممثلة في قاداتها وشعوبها بأن أحكام الحدود قانون العقوبات في الإسلام هو الذي ينبغي أن يطبق موجود، لكن المشكلة في العالم الإسلامي على الرغم أنهم مسلمون سيحاربون الإسلام، ومن ثم فهم لا يحتاجون من أعداء المسلمين الصهيونية العالمية وأمريكا وغيرها إلا أن يصفقوا لهم.
السؤال: ماذا تود أن تقوله لقرائك في تركيا؟
جواب الإمام الشهيد: أقول ينبغي أن نضع في اعتبارنا ضرورة نبذ الخلافات وأسبابه وجمع أشتات المسلمين الذين فرقتهم الآراء والأفكا، سواء كانت فكرية أوعقائدية، ينبغي نبذ هذه العوامل التي تبث أسباب الفرقة في جماعة المسلمين، وينبغي أن يجتمعوا على جذع الإسلام الواحد. الإسلام مثل الشجرة، جذعة واحد وأغصانه كثيرة، فلا ينبغي أن نتمسك بالغصن وندع الجذع، فتضيع وحدتنا بين الأعصان. الآن إذا كان التيار الإسلامي في تركيا توحد، ونبذ الخلافات التافهة التي لاقيمة لها سواء كانت سياسية أو فكرية أو مذهبية، إذا نبذها فلسوف يصبح هذا التيار قوياً، ولسوف يتمكن من أن يقضي على كل المشكلات والحواجز التي تحجز الأتراك على العودة إلى الإسلام بشكل تام .
السؤال: وأخيرا أود أن أسأل بأن تركيا تسعى للدخول في الوحدة الأوروبية فما رأيكم هل ستنجح في ذلك وماذا توصون؟
جواب الإمام الشهيد: أنا قبل أن أنصحها، أقول هذا الحلم لن يتحقق، ولن يتأتى لها. قبل هذا السؤال ينبغي أن تسألني هل هذا الحلم قابل للتحقيق؟ غير قابل للتحقيق لأن أوربا التي أزورها كثيراً وأختل بكثير من فيها على المستويات المختلفة يرى أن في دخول تركيا في الوحدة الأوربية على أي مستوى اقتصادي أو أياً كان خطراً على حضارتها الغربية لأنهم لا يتصورون أبداً أن تركيا في حقيقتها دولة علمانية، هم يعرفون أن تركيا في داخلها دولة إسلامية، وأن المشاعر الإسلامية في أفئدة الأتراك أقوى منها في كثير من البلاد العربية، وهم يتصورون أن العلمانية عبارة عن غطاء؛ فقط لذلك يرون أن دخول تركيا إلى بنيان الوحدة الأوربية ستكون جرثومة تنذر بالخطر الماحق للحضارة الأوربية، وهم يرون أنها إذا دخلت فمعنى ذلك أن هناك جهات أخرى أيضاً ستدخل، وبالتالي ستصبح المجتمع الأوربي مجتمعا إسلاميا ومسيحيا إلى آخر ما هنالك، لكن لو فرضنا أن معجزة وقعت، وفتحت الأبواب أمامها أنا لست ممن يرفض ذلك، دخولها - لا سيما إذا احتفظت بشخصيتها وهويتها الإسلامية - لا يضر، ليس الضرر أن يكون لها كرسي في هذا المجتمع، وإنما الضرر أن تذيب هويتها في هذا المجتمع .
عبد الهادي تمورتاش: شكراً لكم .
الإمام الشهيد البوطي: عفواً.
دمشق 2005

تحميل



تشغيل