مميز
التاريخ: 18/07/2016

سبل حماية البيئة في الشريعة الإسلامية | الإمام الشهيد البوطي

بحوث ودراسات

سبل حماية البيئة في الشريعة الإسلامية
الإمام الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
لا أجدني بحاجةٍ إلى فتح ملف حديث علمي لمزيد تعريف بعلم البيئة وعوامل التلوث، أو لمزيد بيان يكشف عن العوامل المباشرة، أو غير المباشرة التي تبعث على التلوث البيئي، ومن ثم لا أجدني أفضِّل الاستبدال بالحديث عن أثر الأخلاق في حماية البيئة، أي حديث آخر يتناول غير هذا الجانب الأخلاقي، من هذا الموضوع الذي تلاحظون جميعاً مدى أهمية طرحه والحديث فيه.
ذلك لأن سائر المجتمعات العربية وغيرها، لم تعد تعاني اليوم من جهالة بأمر البيئة وحقيقتها ومقومات صلاحها وأسباب فسادها .. إن الكتب والبحوث والمقالات التي نُشِرَت ولا تزال حول هذا الموضوع، بجوانبه العلمية المتعددة، تكاد تشكل مكتبة مستقلة بذاتها، وإن الندوات والمؤتمرات التي كانت ولا تزال تُعقَد في شتى أطراف العالم، لشرح الجوانب العلمية المتعددة لمسألة البيئة، تعريفاً بطبيعتها وتاريخها، والتفاعل الحتمي الذي لا بُدَّ أن يسري بينها وبين حال المجتمع وواقعه، أورث الناس في مجموعهم دراية بل ثقافة أكثر من كافية في هذا الموضوع.
أجل .. فمن من الناس لا يدري أن أصحاب الرعونات النفسية والأطماع المستشرية، لمّا راحوا يتلاعبون بمعايير البيئة التي أقام الله لهم من عناصرها المتآلفة نسقاً دقيقاً، يحقق لهم الخير على أفضل وجه، سواء منها البيئة المناخية أو الاجتماعية أو الوراثية، تحول الكثير من عناصرها إلى أسباب فساد وهلاك، بعد أن كانت مصدر خير ورفاه؟..
من منّا لا يدري أن هذه الرعونات والأطماع المستشرية، لما ساقت أصحابها إلى التلاعب بأغذية الأنعام وعموم الثروة الحيوانية، رغبةً منهم في سرعة النمو وزيادة الوزن اهتاجت فيها الخلايا على غير نظام، وتحولت لحومها وألبانها وخيراتها في كثير من الأحيان إلى أخطر الأوبئة التي تتربص بالإنسان؟
ومن منّا لا يدري أن هذه الرعونات ذاتها، لما ساقت أصحابها إلى مثل ذلك في النباتات والثمار وكثير مما تنتجه الأرض، فتلاعبوا بقوانين نموّها ومواقيت ظهورها، تحولت هي الأخرى إلى عوامل للضرر بدلاً من النفع، وتسرّب الأمراض بدلاً من العافية والغذاء؟
من منّا لا يدري أن هؤلاء الذين كانوا ولا يزالون يبالغون في استخدام المبيدات في الحقول والبساتين، وجّهوا بذلك أضراراً بالغة إلى كل من الأناسي والحشرات معاً، بل كانت خسارة الإنسان بذلك أشدّ فداحةً وأكثر من الفائدة التي خباها في القضاء على الحشرات؟
والأسمدة الكيميائية التي تسري من ظاهر التربة إلى حيث تتسرب المياه إلى تجاويفها التي أعدّها الله لها من باطن الأرض، من منّا لا يدري أنها جعلت المياه الطاهرة الهاطلة من السماء لا تصل إلى تجاويفها تلك إلى وهي ملوثة بتلك الأسمدة، بعد أن كانت تترشح أثناء سريانها في مسامّ الأرض، فلا تستقر في جوفها إلا وهي نقيّة صافية؟
والوقود الذي يقاوم دخانه المتصاعد، إن من السيارات أو من أنابيب المعامل، نقاء الهواء الذي جعله الله الغذاء الأول لحياة الإنسان، ثم لا يزال يقاومه حتى يقضي عليه، ويتحوّل الهواء المنعش إلى سُمٍّ قاتل، من منّا يجهل بأن هذا الوقود لم يتحول إلى مصنع للدخان المسمم إلا عندما استشرت الأطماع وغدت مصالح الأمة فداءً لمصالح الجيوب؟
هل أضعكم أمام المزيد؟.. أمام المزيد من أمثلةٍ هي أدهى وأمرّ؟.. هل ألفت نظركم إلى من يستعبدهم الطمع، فيجرّون لأمتهم مشروع هلاك بطيء ويجعل من دفين الأرض قبراً لها قبل أن تموت؟
إذن، أفيمكن علاج هذا الوباء الذي تفتّحت علينا بل على العالم كله أبواب كثيرة، عن طريق الرجوع إلى مزيد من البحوث العلمية والمناقشات الأكاديمية التي تحدد عوامل التلوث وتكشف عن أفضل السبل لمعالجته والوقاية منه، وهل الذي يفيدُنا في ذلك أن نجعل من هذه البحوث العلمية وِرداً نكرره على الأسماع ونُعيد تسجيله على الأجهزة وفي الكُتُب كما يتوخّى منه البركة، أو يأمل في أن يتحقق من ذلك أي أثر سحري فعال؟
أعتقد جازماً أن ليس فينا من يذهب به الوهم إلى أن العلاج إنما يكمن في العزف الدائم على هذه الأنشودة المتكررة المحفوظة.. وأعتقد أنه إن كان ثمة حافز نفسي مقبول ومفيد، يدفع إلى تكرار بيان ما قد تم بيانه في مثل هذه الندوة فإنما هو من جنس الحافز الذي يهيب بأحدنا أن يلحق مُسرِعاً بمن يُهَروِل مقدِماً على حتفه، يناديه ويكرر النداء، يحذّره ويكرر على سمعه التحذير، متخيّلاً أنه ربما يستجيب للنداء الذي هو أشدُّ صراخاً وأبلغ تحذيراً.. مثل هذا الحافز ينبغي أن يكون موجوداً ولا نشكُّ في أن له سلطانه على النفس، بل ربما على الفكر أيضاً، بقطع النظر عن أثره وجدواه.
* * *
إذن، أين تكمن – والحالة هذه – عوامل الوقاية أو العلاج لهذا الوباء عندما يطلّ مقبلاً أو عندما يتوضّع ليُهلك؟
ليس من سبيل إلى ذلك إلا باللجوء إلى الأخلاق الإنسانية الفاضلة، تُستثار كوامنه، ويُنشّأ الجيل على غذائه. فهو وحده – بعد تكامل الدراية العلمية – العلاج الذي يقطع شَرَه الأطماع ويكبح جماح النزوات.
إنني أعلم أن في الناس اليوم من يستهين بالحديث عن هذا العلاج، ولكني على يقين بأن ليس فيهم من يستطيع أن يقدّم برهاناً واحداً على أنه مُحِقٌّ في هذا التعاون. بل إنني لعلى يقين بأنه ما مُنِيَت أمة بالتفكك والاضمحلال فالزوال، إلا يوم استخف أفرادها بالوازع الأخلاقي، وخرجت عن حصون وقايته. ولسنا هنا بصدد عرض الشواهد التربوية والنفسية التاريخية، القديمة والحديثة لتأكيد هذه الحقيقة التي لا يرتاب فيها إلا مُكابِر.
ولكن ما هو المناخ الذي يمكن أن تستنبت فيه الأخلاق الإنسانية الفاضلة؟ تقول حصيلة الدراسات التي قام بها أساطين علم الفلسفة والاجتماع والأخلاق، منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا: إن الأخلاق الإنسانية المثلى، لا تستيقظ في نفوس أصحابها متحررة عن العصبية للذات، متجردة عن سلطان النزوات والأهواء، إلا في مناخ العقيدة الدينية، إذ تهيمن على صاحبها يقيناً في الفكر وعاطفةً في النفس. فلا جرم أنني لا أتحدث عن الدين الذي يكون مجرد شعار على لسان، أو انتماءً تقليدياً إلى تراث.
إن بين الدين الذي له سلطانه على العقل والنفس، والأخلاق الإنسانية الفاضلة تلازماً مستمراً غير قابل للانفكاك. ولقد صدق المثل الانكليزي القائل: (لا أخلاق بدون دين، ولا دين بغير أخلاق).
إنني عندما أعرف الله ربّاً بيده ملكوت السموات والأرض، وعندما أعرف نفسي عبداً مملوكاً له، بيده نفعي وضرّي، وإليه مرجعي ومصيري، وبين يديه وقوفي للحساب والجزاء، ثم أُصغي إلى بيانه القائل: ((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) [سورة الروم: 41]، والقائل: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)) [سورة البقرة 204 - 205] عندئذٍ لا بدّ أن يتحقق لي من هذا البيان كابح نفسي يحجزني عن الاقتحام إلى التعامل مع أسباب الفساد في الأرض، أيّاً كانت، ويردعني عن الاندفاع إلى تجاهل مصالح الآخرين، في سبيل الإبقاء على خصوصياتي المفضّلة، والحماية لمصالحي وأهوائي الشخصية.
إن من لم يذُق بعد لذّة معرفة الله ولم ينضبط بتعاليمه ووصاياه، قد لا يُدرك أهميّة هذا الكلام، وقد لا يتبيّن ما يدلُّ على صدقه.. ولكن من ذاق نشوة معرفة الله من كؤوس خطابه وجميل وصاياه، يُدرِك أهميّة هذا العلاج وجدواه، ويُدرِك مدى فداحة الخطر الذي سيحدق بالأسرة الإنسانية لدى غياب هذا العلاج، ويُدرِك أن هذا العلاج هو الشرط الذي لا بدّ منه، في حياة الإنسان، كي يكون مخلصاً لأمته، ويجعل من مصالحها مقياساً لمصلحته، بدلاً مما عليه الحال اليوم! إذ تكون المصالح الشخصية هي المقياس لمصالح الأمة. كما هو شأن دول البغي، بل أكبر دول البغي اليوم.
يتجلّى هذا الفرق جيّداً في فرق ما بين أسرة نمت في مناخ التربية الإسلامية، وأُخرى نمت شاردة بعيدة عن هذا المناخ.. هنالك تتلاقى أنشطة الأسرة منسجمة على طريق الخدمة العامّة ورعاية مصالح الآخرين، وهنا تتصادم أنشطة أفرادها على طريق ضيقة من الاهتمام بالذات ومكايدة الآخرين.. إنه عامل واحد لا ثاني له، هو الأخلاق، إليه وحده يعود فرق ما بين الأسرتين.
وما يصدُق على حال الأسرة الصغيرة المؤلفة من زوجين وأولاد، هو ذاته الذي يصدُق على حال الأسرة الإنسانية الكبرى.
مَن مِنّا يجهل أن غياب الأخلاق الإنسانية هو الذي برر التضحية بمصالح الأسرة الإنسانية العامة في سبيل مصالح دولة واحدة كأمريكا؟ إنها لا تتورع عن أن تتخذ من كلمة (مصالحنا الأمريكية) قانوناً دوليّاً مقدّساً، يسوغ رَكْل مصالح المجتمعات الإنسانية كلها، بل القضاء على وجودها الحضاري والإنساني كلما اقتضى قانون تلك الكلمة ذلك!..
أي منطق وأي قانون، لولا غياب كوابح الأخلاق يبرّر أن يفوز 11 % من سكان العالم بثمار الحضارة الإنسانية ومنجزاتها، وأن يتحمّل 89 % من سكّانه عقابيلها وآفاتها؟.. أولئك ينعمون منها باللذائذ والمصالح والرغبات، وهؤلاء يتحمّلون منها الأوضار والتبعات والنفايات!..
تأمّلوا فيما قد صنعه غياب الأخلاق الإنسانية، إثر غياب الوازع الديني، السليم، من الواقع المأساوي الذي قضى به علينا ترف الحضارة الغربية بمقدار ما تنعم الدول الكبرى وفي مقدّمتها أمريكا بالمنشآت الصناعية المُستحدَثة، تتحمّل الدول والمجتمعات النامية تجرّع آفاتها وسموم نفاياتها.
نعم.. إن إنسان الحضارة الحديثة أتقن فن التصنيع وتحلى بمهارة الإبداع، مستعيناً بسلاح من العلم الذي يتمتع به، ولكنه لم يملك معشار ذلك كله من الأخلاق التي تعلمه أين يذهب بما ينوء بحملِهِ من مخلفات إبداعاته ونفاية اختراعاته، فكان كشَقِيّ بني آدم، ذاك الذي عرف كيف يقتل ظلماً وعدواناً أخاه، ولكنه لم يعلم ما عَلِمَهُ الغراب من الطريقة التي يجب أن يُخفي بها معالم جريمته ويواري جثة أخيه!..
إن الحل الجاهز لآثار ومخلفات تلك المنشآت الصناعية ونحوها، هو التخيّر بين مصيرين أحلاهما مُرّ: أحدهما أن يلقى بها في البحار فتفسد ويفسد كل ما فيها، والآخر أن يلقى بها في بقعة ما من بقاع العالم الثالث الذي تجتاحه الأوجاع والمجاعات، على أمل أن يتقبل أهله الفساد الذي يودي بحياتهم بعد حين، في مقابل أن ينالهم من الأعطيات ما يستجيب لضروراتهم ويحميهم من الهلاك العاجل الذي يتهددهم في كل حين!.. أما التلوث الغازي الذي يتعالى إلى طبقات الجو، فتستقبله نعمة الهواء النقي ليتقاسمه مشرقاً ومغرباً، وليسمم الغلاف الجوي في شركة عادلة تشمل سكان الكوكب الأرضي على السواء.
وهكذا، فإن سوء الأخلاق إذ تهتاج عوامله لدى كلا هذين الطرفين، يبعث الطرف الأول على أن لا يبالي بتصدير السموم لعباد الله، ويبعث الطرف الثاني على أن لا يبالي بقبولها وتلويث التربة والهواء بها وتعريض قومه وأمته للهلاك بسببها.
والطمع البهيمي هو العامل الأوحد لكلا الجريمتين.
* * *
وبعد، فما السبيل إلى إيقاظ الوازع الديني الذي هو المصدر الذي لا بديل عنه للأخلاق الفاضلة؟
أمّا المجتمعات الغربية فليس من أمل في إيقاظ الوازع الديني في نفوس قادتها وأقطابها، بعد أن حمّلتْ نفسها مهمة الكيد لهذا الوازع والسعي إلى القضاء عليه أينما وُجِد.
وأما المجتمعات العربية التي هي طليعة المجتمعات الإسلامية، فالأمل في ذلك معقود على الاهتمام الصادق والجاد بمناهج التربية الإسلامية ومقوماتها في كل من المؤسسات التربوية والتعليمية ومؤسسات الإعلام.
ولكن كيف يتأتّى الاهتمام بذلك ممن هم أفقر الناس إلى هذا الوازع؟ كيف يتأتّى لفاقد الشيء أن يعطيه؟ لقد كانت المشكلة ولا تزال أن الذين إليهم رعاية المؤسسات التربوية والتعليمية ومؤسسات الإعلام، هم أحوج الناس إلى أن يتمتعوا بالوازع الديني على مستوى حقيقي جادّ.
والمشكلة تحديداً تتمثل في الازدواج الذي يعاني منه مجتمعنا السوري، بل مجتمعاتنا العربية عامّةً. أعني بهذا الازدواج أن في المجتمع شريحة كُبرى تتفاعل مع القيم الإسلامية وتخضع قناعةً وسلوكاً لسلطان التربية الإسلامية، ولكن ليس لها من الأمر شيء. وفيه شريحةٌ أخرى حظُّها من الإسلام الانتماء الشكلي أو التقليدي، ثم إنها لا تقيم بعد ذلك أي وزن لقِيَمِهِ أو لسلطانه التربوي، ومن ثم فلا يسري إليها أي وازع منه، وهي الشريحة التي يتأتى منها القيام بكل شيء.
ولا تحلُّ العقدة ويزول الإشكال إلا بالقضاء على هذا الازدواج المتنافر. ولست الآن مع الأسف بصدد البحث في السبيل الأمثل للقضاء عليه.
* * *
ختاماً عليّ أن أقول: إنني لم أركّز في كلمتي هذه على أهمية الأخلاق وفي حل مشكلات البيئة أو تعقيدها، استهانةً مني بأهمية العلم وقيمته في هذا الصدد.. بل كنت ولا أزال موقناً أنه السلاح الذي لا بدّ منه. ولكن أرجو أن تكونوا على يقين بأن سل

تحميل



تشغيل