مميز
الكاتب: أ.يحيى المصري
التاريخ: 24/08/2010

أحكام الطلاق

بحوث ودراسات

الطلاق السني .. تنزيل من حكيم حميد

بقلم يحيى المصري

لقد ربط الإسلام بين الزوجين برباط وثيق وميثاق غليظ، وأحاط تشريع الزواج بمجموعة من الأحكام تسبقه وتقارنه وتعقبه .فتشريع الزواج فيه مصالح للعباد: شخصية، ومتعدية، واجتماعية وكونية (أي تعود ثمرة التشريع على البشرية عامة).

ويشمل هذا كله أن نقول: فيه مصالح دينية ودنيوية. وكان من حكمة الله عز وجل أن شرع الطلاق، فتشريعه إكمال وإتمام لتحقيق هذه المصالح. لأن الطلاق – الذي هو أبغض الحلال إلى الله - إنما يكون بعد استنفاد سبل الإصلاح المعروفة. هذا التشريع فيه مصلحة، وتحقيق لمقاصد الزواج، فقد لا يجد بعض الأزواج سبيلاً لاستمرار العلاقة، وقد تختلف الأخلاق والطباع، وتحل الكراهية محل المودة والمحبة؛ عندها يكون الطلاق نعمة وخلاصاً من هذا الشقاء، وتكميلاً لمقاصد الزواج، ولأن استمرار الحياة الزوجية في هذه الحال يخاف منه عدم إقامة حدود الله عز وجل. هذا والشريعة وإن أجازت الطلاق فقد وضعت له ضوابط وقيوداً حرصاً على رابطة الزوجية المقدسة أن تنفصم لأدنى سبب.

• فمنها قيود في الوقت.

• ومنها قيود في العدد، أي عدد الطلقات.

ولقد قسمت الشريعة الطلاق إلى عدة تقسيمات:

فباعتبار الألفاظ ينقسم: إلى صريح وكنائي (صيغة الطلاق).

وباعتبار أثره، أي هل هو منجز حالّ أو مؤجل: قسّموه إلى بائن ورجعي.

وباعتبار موافقته السنة والشريعة ينقسم إلى: طلاق سني وطلاق بدعي (كيفية إيقاع الطلاق).

وسأقصر في حديثي على هذا الأخير، أي الطلاق السني والبدعي والحكمة المتبدّية لنا من هذا التشريع، إذ لا يمكن إيفاء الموضوع كاملاً حقه في مقال كهذا.

كيفية إيقاع الطلاق المشروع:

الطلاق السني هو ما كان في زمن معين، وكان بعدد معين، والبدعي ما لم يكن كذلك.

فعلى من أراد الطلاق – بعد استنفاد كل سبل الإصلاح والتوفيق – أن يعلم أن الطلاق الشرعي السني الإسلامي القويم: هو أن يطلق الزوج زوجته بعد استقرار رأيه على الطلاق طلقة واحدة رجعية، وأن يكون هذا الطلاق في وقت تكون فيه المرأة طاهرة، أي ليس عندها حيض ( الدورة الشهرية )، وأن لا يكون الزوج قد عاشرها بعد انتهاء الحيض الماضي.

وليتذكر الزوج وهو يطلق زوجته عند الحاجة قولَه سبحانه: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } [ البقرة : 229 ]، وقولَه سبحانه: { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ } [ الطلاق : 2 ]، وقولَه سبحانه: { وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } [ البقرة : 237 ].

ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، وهي ثلاث حيضات، أو ثلاثة أطهار – على الخلاف – فإذا انقضت عدتها بانت منه إن لم يرتجعها أثناء العدة، وعند ذلك يبقى له طلقتان، فإن أراد إيقاع طلقة ثانية فليكن، ولكن بنفس الشرطين السابقين:

أن تكون في طهر.

وأن لا يعاشرها في هذا الطهر.

ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، فإذا انقضت بقي له من الطلقات الثلاث واحدة. فإن أوقعها بنفس الطريقة فقد بانت منه بينونة كبرى، أي لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً آخر نكاحاً حقيقياً لا تواطؤ فيه ولا تحليل، وأن يدخل بها زوجها الثاني دخولاً حقيقياً.

طلاق على مراحل من أجل التروي وإبقاء الوفاق

هذا هو الطلاق السني المشروع، ولكن ألم تلحظ أن هذه العملية معقدة طويلة النفَس تستلزم صبراً وأناة وتبصراً. أجل فهذا التشريع هو قيد من عدة قيود وضعها الإسلام أمام وقوع الطلاق.

ذلك أن بيت الزوجية مقدس في الإسلام إلى حد لا يتصوره كثير من المسلمين بل غير المسلمين.

والآن فهل الأزواج الذين يطلقون زوجاتهم يلتزمون بهذه الكيفية في إيقاع طلقاتهم؟

أقول – وللأسف – إن كثيراً من المسلمين يُسيؤون استعمال الطلاق، فيجعلون منه محلاً للإضرار بالزوج ( وكل واحد من الزوجين زوج )، حتى جعل بعضهم من الطلاق دماراً يحيق بالمرأة، بل يسعى لأن لا تهنأ بعدَه بحياة ولا زواج.

فليعلم الرجل: أن الإسلام حرّم الطلاق الذي لايتم بهذه الكيفية، وهو ما يسميه الفقهاء ( الطلاق البدعي )، بمعنى أنه محرّمٌ أن يطلق الزوج زوجته وهي حائض ( في الدورة الشهرية )، ومحرم كذلك أن يطلقها في طهر لكنه جامعها فيه.

وهنا نصل إلى بيان بعض حِكَم هذا التحريم.

بداية أقول: إن الخالق الحكيم الخبير لم يشرع لنا تشريعاً إلا و يعلم مَن خَلَق، وماذا شرع لهذا المخلوق، فالحكمة حاصلة، لاعتقادنا الذي لا يشوبه شك بأن الله عز وجل لا يشرع إلا ما فيه حكمة، ولكن قد تتبدّى لنا هذه الحكمة واضحة جلية، وقد تغيب كلها أو بعضها، لكنها لا تغيب عن بصائرنا. هذا أمر أول.

والأمر الثاني: أن نقيس ما خفيت عنا حكمته على ما ظهرت لنا حكمته، أو على ما بَيّن اللهُ عز وجل لنا حكمته في كتابه الكريم، أو عن طريق بيان رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم.

فآيات القرآن الكريم فيها الكثير من التعليل وبيان الحِكَم، والسنة الشريفة كذلك.

ولكن هل هذا يعني أن نتوقف عن قَبول أي حُكم حتى ندرك الحكمة منه ونفهمها؟!

إننا لو فعلنا ذلك لكنّا – والعياذ بالله تعالى – في صف غير صف المؤمنين بالله عز وجل وحكمته، ولكنّا ممن تهوي بهم الجهالة في مزلق سحيق.

إذا وَقَرَ هذا راسخاً في أفئدتنا؛ فلنعلم أن تحريم الطلاق في الحيض له حِكَم وأسرار، لكننا إنما نذكر ما عَلِمناه، وما استوحيناه من مغزى تحريم الطلاق في الحيض، وما أوحت به آيات الوحي الإلهي، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم جملة.

فمن ذلك:

1 – أن حالة الحيض تجعل المرأة في حالة نفسية غير طبيعية ولا مستقرة، وبالتالي فلا تجوز مفارقتها وإيقاع الطلاق عليها في هذه الحالة، حتى تطهر وتعود إلى وضعها النفسي الطبيعي المستقر.

2 – إذا طلقها في حالة طهر لكنه جامعها فيه ، فهاهنا يحصل الارتياب فلا تدري هل هي من ذوات الحمل وبناء عليه فعدتها عدة الحامل، والتي تنتهي عدتها بالولادة ووضع الحمل؛ أو هي حائل ( غير حامل ) فتكون عدتها بالأقراء، أي ثلاث حيضات، أو ثلاثة أطهار على خلاف بين الاجتهاد الحنفي واجتهاد الجمهور.

3 – إيقاع الطلاق في حالة طهر عاشرها فيه، فيه احتمال أن يظهر الحمل بعد الطلاق، وبالتالي سيندم الرجل على هذا التسرع وسيحزن على فراق زوجته وولدها.

إذن فإيقاع الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، فيه استبراء للرحم من كل هذه الاحتمالات.

4 – إن إيقاع الطلاق في حالة الحيض يسبب ضرراً للمطلقة بإطالة فترة العدة عليها، لأن الحيضة التي هي فيها وصادفها الطلاق لا تحسب باتفاق المذاهب الأربعة.

أما في الاجتهاد المالكي، والشافعي، والحنبلي في إحدى الروايتين – وهم الذين يقولون العدة ثلاثة أطهار – فالأمر واضح لأنها في حالة حيض والشرط عندهم الطهر.

وأما في الاجتهاد الحنفي والرواية الأخرى عند الحنبلية – وهم الذين يقولون العدة ثلاث حِيَض – فلأن الشرط عنهم أن تكون الحيضة كاملة بعد وقوع الطلاق، فلا تحسب الحيضة التي طلق فيها لأنها ناقصة ولو لحظة.

5 – من حِكَم تحريم الطلاق حالة الحيض أن يتم التأكد من حاجة الزوج الحقيقية للطلاق، وأنه اتخذ قراره هذا بعد تروٍّ ودراسة وتقليب لمآل قراره على وجوهه كلها، وليس مردّ هذا الطلاق إلى غضب سريع، أو نزوة طارئة، أو قرار متعجل.

فالرجل عادة لا يميل إلى زوجته الميل الطبيعي المعتاد، وهي حائض بسبب حرمة معاشرتها المعاشرة الجنسية، فقد يدعوه ذلك إلى العجلة في تطليقها لأتفه الأسباب، ولأقل غضب، وعليه؛ فقد منعه الشرع من الطلاق إلا في وقت طهرها ، وقبل أن يعاشرها.

فإذا بقيت زوجة له مدة من الزمن، فإن ذلك أدعى لصفاء القلوب، وذهاب ما في النفس من غيظ وغضب.

6 – إن الطلاق إنما أبيح للحاجة الحقيقية لا الموهومة، وعزمه على التطليق في حالة طهر لم يجامعها فيه؛ يُظهِر هذه الحاجة.

والسبب أن الطهر زمن كمال الرغبة في الجماع والمعاشرة، فإذا طلقها في هذا الزمن دل ذلك على أنه لم يقدم على الطلاق إلا لشدة الحاجة إليه.

وبالتالي فلن يلحقه ندم على طلاقها، وحتى إن شعر بالندم فيمكنه أن يتلافاه بإرجاعها إذا كان أساساً ملتزماً بطلاق السنة.

هذه بعض الحِكَم من تحريم الطلاق حالة الحيض. وكذلك حالة الطهر الذي حصلت فيه معاشرة، ونحمد الله تعالى على ما حكم وأحكم.

وأخيراً:

لو أن المسلين التزموا بآداب الإسلام في الطلاق، وعملوا بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم إذن لبقيت الأسرة المسلمة متينة العُرى، يرفرف عليها الهناء والسعادة.

تحميل



تشغيل