مميز
الكاتب: الشيخ محمد ياسر القضماني
التاريخ: 05/09/2010

الحبيب عبد القادر السقاف

تراجم وأعلام

بسم الله الرحمن الرحيم
قبسات من حياة خليفة الأسلاف
الحبيب عبد القادر السقاف
تمهيد:
الكتابة عن الأكابر، والنقاوة من الجواهر- وبخاصة بعد رحيلهم عن هذه الفانية - متعينٌ على المحبّين من المؤمنين، فكيف إذا كان هذا الرَّاحل إمامٌ عالم عامل من عيون البيت النبوي ، وصفوة المجد المحمدي؟!
وقد قرأت حوالي سبعمائة صفحة دبَّجتها يراعُ واحدٍ من العِترة الطاهرة، حضر عليه وعرفه دهراً عن قرب؛ وهو السيد أبو بكر المشهور - أمتع الله به - وسمعت عشرات المجالس المسجاة التي تكشف عن نفسه - رحمة الله عليه - وحاله وكلامه ودعوته، جعلَت في نفسي تعلقاً وأنساً به، كما حصل لكثيرين ممن دنوا منه، وخالطوه!
وليس غريباً عمن ارتضع العلم والحال، وعاش في كنف الأكابر أن يتخلق بأخلاقهم، ويسير على منوالهم، فكيف إذا كان منهم وفيهم وفي بحبوحة مجد بيتهم، وعزِّ سلطانهم ؟!
ولا أقلَّ أن أكشف عن ومضاتٍ من حياة هذا العالم الكبير علقت في الذاكرة، يمكن أن يتكون من خلالها إرثه المحمدي، وتلقيه للجناب النبوي!


العطاء الكبير دون تكلُّف:
أعجبتني كلمةٌ قالها أحد الأكابر: إن رأيت رجلاً يقول إنه من أهل البيت وكان بخيلاً فلا تصدقه!!
وعندنا قصص لا تحصى عن كرم وجود أهل البيت الطاهر حيث كانوا، دون تكلف، ودون منٍّ أو أذى!
القصة الأولى:
ومما سمعت من عطاء وكرم الحبيب عبد القادر - رحمة الله عليه - أن رجلاً زاره في منزله وكان في مباسطة فأظهر للحبيب إعجابه بسيارة صُفَّت على باب الحبيب!
فقال الرجل: يا حبيب السيارة الفلانية لكم، إنّها جميلة !؟
فنادى الحبيب دون تريث ولداً في الدار: هات يا فلان مفتاح السيارة الفلانية!
وعلى الفور ناول الحبيب الرجلَ المفتاحَ وقال له: هذه لك !!
ولا يُستغرب ذلك من وارثٍ عن الحبيب المصطفى r الذي أعطى في مجلس واحد ثلاثمئة ناقة لرجلٍ واحد !
القصة الثانية:
ومن ذلك: أن رجلاً وضع بين يديه كيساً فيه مليون ريال سعودي، في منزله العامر في (جدة) على أن يضعه حيث شاء !
فقال الحبيب: لا حاجة لنا فيه !
فقال الرجل: خرجت مني ، اصرفوها يا حبيب !
يقول الحبيب علي الجفري – أمتع الله به - مشيت مع الحبيب عبد القادر في السيارة نتنقل من بيت إلى بيت، ومن أسرة إلى أسرة، يعرف أعيانهم وأماكن سكناهم دون تردد، فلما نفد الكيس بعد الظهر بمدّة نفضه؛ وقال: اللهم اشهد! لم يُبْقِ له أو لأهل بيته ريالاً واحداً!!
ثم سمعت القصة من سيدي الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ – أمتع الله به المسلمين- في جامع التوبة في دمشق عندما ترجم للحبيب عبد القادر ترجمة مفعمة بأخباره وأحواله تأثر لسماعها المسجد الذي غصّ بالناس، وكانت ليلة مشهودة!!

السعي في مصالح الناس:
قلوب الأولياء مفعمة بالرحمة، وقد حدّثوا بغرائب عن سعيه في مصالح المسلمين، ومنها ما قاله سيدي الحبيب عمر أنه لما زار الحبيبُ عبد القادر دولةَ الإمارات عرض على الشيخ زايد –رحمه الله- جملةً غير قليلةٍ من الأسماء أن تمنح لهم السبل التي تجعلهم يستقرون في الدولة ويأمنون فيها، فوافق الشيخ زايد عليها كلها؛ و قال: ما وقّعت على عدد مثل هذا قبل الآن لخاطركم الكبير!
ولما عرض عليه الشيخ زايد أن يقضي حاجة له أو لبعض أهله قال الحبيب: لا، لا حاجة لي إلا اقتضاء حاجة هؤلاء!!
وقد سعى –كما قال سيدي الحبيب عمر- مرّة في جدة في تأمين (إقامات) لبعض من كان يشتدّ عليه ويسفّه رأيه، واعتقاده، وما ترك موضوعهم إلا على أحسن حال، وأهنأ بال؛ فانقلبوا من مبغضين إلى محبين متعلّقين يحضرون مجلسه؛ وهكذا يعمل الإحسان في النفوس!
الشفقة و الأخذ بالخواطر:
مراعاة خواطر من تخالط من فرائض أهل الوراثة المحمدية، ولذا ترى الواحد من هؤلاء لا يكاد يهدأ من مكان إلى مكان فهذا مريض يعاد، وهذا عنده فرح عرس، وهذا يعزى، وهذا عنده عقيقه، وهذا عنده كرب يحتاج لتنفيس، وهذا مدين يسعى في قضاء دينه، وهذا يأتيه بطفل ليُحنَّك، وهذا وهذا.. ولا يقدر على القيام بها دون إظهار شيء من التبرّّم والضيق إلا أهل الإرث المحمدي، وبخاصة من هؤلاء؛ أهل البيت الطاهرّ .
وقد حَمَلَه وُدّه وأخذه بخاطرِ أحد المحبين مرة إلى حال غريب!
ودّعه محبٌّ، وأغلق على الحبيب باب السيارة دون أن ينتبه أنه أغلق على طرف كفّ الحبيب، فتحامل الحبيب على نفسه، ولم يظهر شكوى؛ حتى إذا ما مضى خطوات والتف الطريق أوقف قائد السيارة، وقال له افتح الباب فذُهِل الرجل، وقال: يا حبيب لِمَ لَمْ تسارع لإخباري – وقد تأثرت أصابعه - ؟!
فقال الحبيب: سيتأثر الرجل جداً وقد يترك مجالستنا، حياءً من مقابلتي!
بالله عليكم كيف ترون هذه الأخلاق المحمدية ؟!
كيف ترون هذه الشمائل السّنِية المرضية؟!
على هذا فطر الأكابر؛ محاسن أخلاق حتى آخر لحظة في حياتهم.
وبعد:
فالكلام عن الكبار كبير، ولا يكاد ينقضي، ولم أشأ أن أكتب ترجمة تقليدية فهي موجودة في مظانها، وتكفي ترجمة السيد العلامة أبي بكر المشهور –حفظه الله تعالى ونفعنا به- التي سماها: (جني القطاف من مناقب وأحوال الإمام العلامة خليفة الأسلاف عبد القادر بن أحمد بن عبد الرحمن السقاف) وتقع في (678) صفحة طبعة –دار المهاجر- كريم.
ولكن أردت أن أكتب من القصص التي قال في مثلها الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله: (إن قصص الصالحين أحب إلي من كثير من الفقه؛ وما ذلك إلا لأنها ترجمة حيّة لشعائر الشريعة و محاسنها).
وما ذكرته هنا من القصص إنما هو بأسلوبي مجتهداً فيه كما سمعت، ويحسن أن نختم هذه الومضات في الشمائل الكريمات بأبيات قيلت فيه -رحمة الله عليه ورضوانه- وهي من قول السيد إبراهيم بن عقيل بن يحيى:
جمع الإلهُ محاسنَ الأوصاف في الغوث عبد القادر السقاف
أحيا به المولى علومَ كتابه و به استقامت سيرة الأسلاف
و لقد تربع في ربيع مقامهم فهو الخليفة دون أي خلاف
ولادته ووفاته ودفنه:
ولد الحبيب عبد القادر بن أحمد -العلامة الكبير، والداعية الوارث- في مدينة سيؤن في جمادى الآخرة سنة 1331هـ.
وتوفي في جدة فجر السبت 19 ربيع الآخر الموافق 3 نيسان إبريل.
وقد صُلي عليه في منزله جماعاتٍ جماعاتٍ، ثم صُلي عليه في الحرم المكي بعد صلاة العشاء ومن ثم دفن في المعلاة، وقد كان يوماً مشهوداً تأثر فيه الناس لموته .
فاخلفه الله فينا بخير خلف وإنا لله وإنا إليه راجعون.


بسم الله الرحمن الرحيم
قبسات من حياة خليفة الأسلاف
الحبيب عبد القادر السقاف
تمهيد:
الكتابة عن الأكابر، والنقاوة من الجواهر- وبخاصة بعد رحيلهم عن هذه الفانية - متعينٌ على المحبّين من المؤمنين، فكيف إذا كان هذا الرَّاحل إمامٌ عالم عامل من عيون البيت النبوي ، وصفوة المجد المحمدي؟!
وقد قرأت حوالي سبعمائة صفحة دبَّجتها يراعُ واحدٍ من العِترة الطاهرة، حضر عليه وعرفه دهراً عن قرب؛ وهو السيد أبو بكر المشهور - أمتع الله به - وسمعت عشرات المجالس المسجاة التي تكشف عن نفسه - رحمة الله عليه - وحاله وكلامه ودعوته، جعلَت في نفسي تعلقاً وأنساً به، كما حصل لكثيرين ممن دنوا منه، وخالطوه!
وليس غريباً عمن ارتضع العلم والحال، وعاش في كنف الأكابر أن يتخلق بأخلاقهم، ويسير على منوالهم، فكيف إذا كان منهم وفيهم وفي بحبوحة مجد بيتهم، وعزِّ سلطانهم ؟!
ولا أقلَّ أن أكشف عن ومضاتٍ من حياة هذا العالم الكبير علقت في الذاكرة، يمكن أن يتكون من خلالها إرثه المحمدي، وتلقيه للجناب النبوي!


العطاء الكبير دون تكلُّف:
أعجبتني كلمةٌ قالها أحد الأكابر: إن رأيت رجلاً يقول إنه من أهل البيت وكان بخيلاً فلا تصدقه!!
وعندنا قصص لا تحصى عن كرم وجود أهل البيت الطاهر حيث كانوا، دون تكلف، ودون منٍّ أو أذى!
القصة الأولى:
ومما سمعت من عطاء وكرم الحبيب عبد القادر - رحمة الله عليه - أن رجلاً زاره في منزله وكان في مباسطة فأظهر للحبيب إعجابه بسيارة صُفَّت على باب الحبيب!
فقال الرجل: يا حبيب السيارة الفلانية لكم، إنّها جميلة !؟
فنادى الحبيب دون تريث ولداً في الدار: هات يا فلان مفتاح السيارة الفلانية!
وعلى الفور ناول الحبيب الرجلَ المفتاحَ وقال له: هذه لك !!
ولا يُستغرب ذلك من وارثٍ عن الحبيب المصطفى r الذي أعطى في مجلس واحد ثلاثمئة ناقة لرجلٍ واحد !
القصة الثانية:
ومن ذلك: أن رجلاً وضع بين يديه كيساً فيه مليون ريال سعودي، في منزله العامر في (جدة) على أن يضعه حيث شاء !
فقال الحبيب: لا حاجة لنا فيه !
فقال الرجل: خرجت مني ، اصرفوها يا حبيب !
يقول الحبيب علي الجفري – أمتع الله به - مشيت مع الحبيب عبد القادر في السيارة نتنقل من بيت إلى بيت، ومن أسرة إلى أسرة، يعرف أعيانهم وأماكن سكناهم دون تردد، فلما نفد الكيس بعد الظهر بمدّة نفضه؛ وقال: اللهم اشهد! لم يُبْقِ له أو لأهل بيته ريالاً واحداً!!
ثم سمعت القصة من سيدي الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ – أمتع الله به المسلمين- في جامع التوبة في دمشق عندما ترجم للحبيب عبد القادر ترجمة مفعمة بأخباره وأحواله تأثر لسماعها المسجد الذي غصّ بالناس، وكانت ليلة مشهودة!!

السعي في مصالح الناس:
قلوب الأولياء مفعمة بالرحمة، وقد حدّثوا بغرائب عن سعيه في مصالح المسلمين، ومنها ما قاله سيدي الحبيب عمر أنه لما زار الحبيبُ عبد القادر دولةَ الإمارات عرض على الشيخ زايد –رحمه الله- جملةً غير قليلةٍ من الأسماء أن تمنح لهم السبل التي تجعلهم يستقرون في الدولة ويأمنون فيها، فوافق الشيخ زايد عليها كلها؛ و قال: ما وقّعت على عدد مثل هذا قبل الآن لخاطركم الكبير!
ولما عرض عليه الشيخ زايد أن يقضي حاجة له أو لبعض أهله قال الحبيب: لا، لا حاجة لي إلا اقتضاء حاجة هؤلاء!!
وقد سعى –كما قال سيدي الحبيب عمر- مرّة في جدة في تأمين (إقامات) لبعض من كان يشتدّ عليه ويسفّه رأيه، واعتقاده، وما ترك موضوعهم إلا على أحسن حال، وأهنأ بال؛ فانقلبوا من مبغضين إلى محبين متعلّقين يحضرون مجلسه؛ وهكذا يعمل الإحسان في النفوس!
الشفقة و الأخذ بالخواطر:
مراعاة خواطر من تخالط من فرائض أهل الوراثة المحمدية، ولذا ترى الواحد من هؤلاء لا يكاد يهدأ من مكان إلى مكان فهذا مريض يعاد، وهذا عنده فرح عرس، وهذا يعزى، وهذا عنده عقيقه، وهذا عنده كرب يحتاج لتنفيس، وهذا مدين يسعى في قضاء دينه، وهذا يأتيه بطفل ليُحنَّك، وهذا وهذا.. ولا يقدر على القيام بها دون إظهار شيء من التبرّّم والضيق إلا أهل الإرث المحمدي، وبخاصة من هؤلاء؛ أهل البيت الطاهرّ .
وقد حَمَلَه وُدّه وأخذه بخاطرِ أحد المحبين مرة إلى حال غريب!
ودّعه محبٌّ، وأغلق على الحبيب باب السيارة دون أن ينتبه أنه أغلق على طرف كفّ الحبيب، فتحامل الحبيب على نفسه، ولم يظهر شكوى؛ حتى إذا ما مضى خطوات والتف الطريق أوقف قائد السيارة، وقال له افتح الباب فذُهِل الرجل، وقال: يا حبيب لِمَ لَمْ تسارع لإخباري – وقد تأثرت أصابعه - ؟!
فقال الحبيب: سيتأثر الرجل جداً وقد يترك مجالستنا، حياءً من مقابلتي!
بالله عليكم كيف ترون هذه الأخلاق المحمدية ؟!
كيف ترون هذه الشمائل السّنِية المرضية؟!
على هذا فطر الأكابر؛ محاسن أخلاق حتى آخر لحظة في حياتهم.
وبعد:
فالكلام عن الكبار كبير، ولا يكاد ينقضي، ولم أشأ أن أكتب ترجمة تقليدية فهي موجودة في مظانها، وتكفي ترجمة السيد العلامة أبي بكر المشهور –حفظه الله تعالى ونفعنا به- التي سماها: (جني القطاف من مناقب وأحوال الإمام العلامة خليفة الأسلاف عبد القادر بن أحمد بن عبد الرحمن السقاف) وتقع في (678) صفحة طبعة –دار المهاجر- كريم.
ولكن أردت أن أكتب من القصص التي قال في مثلها الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله: (إن قصص الصالحين أحب إلي من كثير من الفقه؛ وما ذلك إلا لأنها ترجمة حيّة لشعائر الشريعة و محاسنها).
وما ذكرته هنا من القصص إنما هو بأسلوبي مجتهداً فيه كما سمعت، ويحسن أن نختم هذه الومضات في الشمائل الكريمات بأبيات قيلت فيه -رحمة الله عليه ورضوانه- وهي من قول السيد إبراهيم بن عقيل بن يحيى:
جمع الإلهُ محاسنَ الأوصاف في الغوث عبد القادر السقاف
أحيا به المولى علومَ كتابه و به استقامت سيرة الأسلاف
و لقد تربع في ربيع مقامهم فهو الخليفة دون أي خلاف
ولادته ووفاته ودفنه:
ولد الحبيب عبد القادر بن أحمد -العلامة الكبير، والداعية الوارث- في مدينة سيؤن في جمادى الآخرة سنة 1331هـ.
وتوفي في جدة فجر السبت 19 ربيع الآخر الموافق 3 نيسان إبريل.
وقد صُلي عليه في منزله جماعاتٍ جماعاتٍ، ثم صُلي عليه في الحرم المكي بعد صلاة العشاء ومن ثم دفن في المعلاة، وقد كان يوماً مشهوداً تأثر فيه الناس لموته .
فاخلفه الله فينا بخير خلف وإنا لله وإنا إليه راجعون.

تحميل