مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ:

محدث عصره شيخ الإسلام تقي الدين بن صلاح الدين تــــ 642 ه | الجزء الثاني

أعيان الشام

محدّث عصره شيخ الإسلام

تقي الدين بن صلاح الدين

557 - 642 هجري /1181- 1244 ميلادي

(الجزء الثاني)

الباحثة نبيلة القوصي

إخوتي قراء ( زاوية معالم وأعيان):

نتابع معاً المسير في سيرة العالم المحدّث ابن الصلاح، الذي يحذرنا ممن يضمر الكيد للإسلام من خلال التشكيك المستمر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن يأس من التشكيك بتواتر القرآن واتهامه بالنقصان... ومما يؤسف عليه أن المسلمون، إما جهلاً أو غفلة أو تكاسلاً، قد باعد الشيطان بينهم وبين مربيهم ومعلمهم الأول، فمارسوا شبهات وطعون دون الرجوع لعلماء الدين والثقة... و من فضل الله عز وجل على هذه الأمة أن شرفها وأكرمها بوجود مجددين مهمتهم الذود عن حديث المصطفى والتمييز بين صحيحه و ضعيفة، ومقبولة و منحوله....

وإن الأحاديث قد وصلت إلينا بنقل رجال السند حتى بلغوا عند قائله الذي جاء بالمبين ليبين ما أنزل.....حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهدين الراشدين ، تمسكوا وعضوا عليها بالنواجذ...)).

ففِقه وفَهم هذا العلم أصبح من المستلزمات الضرورية لنشأة ونمو شبابنا في الوقت الحالي، فالجهل بأهمية تعظيم شخص النبي واحترام وتقدير ما بلّغ هو باب كبير لاتباع هوى النفس والشيطان، فيه من الخطورة ما يلزمنا بأن نفقه هذا الكلام حفظاً لشبابنا من التشكيك المستمر و ضعف الثقة بنبيهم ومنهجه، وذلك مراد الشيطان...

وعندما ترى الجهل والتخلف قد استشرى بين الأفراد والأسر تجد قول المولى يصدح: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)).

حيث يظلم الإنسان نفسه وهو يظن أنه مؤمن بينما هو لا يتبع ما أمر الله به ونهى عنه بل يتبع هواه وشيطانه، وأول الطريق في ذلك حفظ الجوارح، و قاعدتها: أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وتركك ما لا يعنيك، واجتناب اللعن والفاحش والبذيء من الكلام ... وبنيانها: (( من يطع الرسول فقد أطاع الله)).

بينما تجد المسلين اليوم قد زهدوا ما في القرآن والسنة، وانشغلوا للأسف بقصص وترهات، وبال قيل وال قال، فكثر الكذب وتفشى وظهر الفساد الذي حذر منه نبينا عليه الصلاة و السلام... وما ذاك إلا تخلف وجهل...

هذا و كان ولا يزال، وعلى مر العصور، فيمن قد جاء إلى الشام علماءُ أفذاذ عاشقون لله والرسول، قد رسخوا فن علم الحديث، بعد أن مارسوه منهجاً وسلوكاً ومواظبة، وكان في مقدمتهم ابن الصلاح الذي استفاد وأفاد وأضاف في هذا العلم... وكان إذا أطلق الناس لفظ الشيخ، ما أُريد بها إلا " ابن الصلاح"، فهنيئاً لمن اجتهد وجاهد نفسه في طلب العلم ... وقد قيل لابن حنبل: ( أيرحل الرجل في طلب العلو؟ فقال: بلى والله شديداً، لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر رضي الله عنه، فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه).

ويقول ابن الصلاح: ( وطلب العلو فيه سنة أيضاً، ولذلك استُحبت الرحلة فيه على ما سبق ذكره).

فالمتقون المعظمون لما أخبر وبلغ نبيهم، دينُهم غالٍ عليهم، يخافون خسارته ولو بكلمة، فيجتهدون بحرص خوفاً من الانزلاق لقوله تعالى: ((إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين))، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل ليلقي بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم))، فالقلب لا يستقيم حتى يستقيم اللسان.....

و معاصرو محدّث الديار الشامية، للقرن الماضي الشيخ بدر الدين الحسني ـ رحمه الله ـ يقولون: ما كان أحد يجرؤ أن يقول أمامه كلمة غيبة، فيقول له: اسكت يا بي، أظلمَ قلبك.

فالالتزام بوقف الغيبة في المجالس لهو بوابة الفرج للأمن والأمان المنشود بين العباد لقوله تعالى: ((الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)).

وابن الصلاح قام برحلات ورحلات ليتلقى الحديث الشريف و علومه، و ليروي ظمأه العقلي والروحي، الذي غرس بذوره في قلبه منذ الصغر والدُه التقي الورع، وسقاه من ماء التقى والورع فوصل إلى مرحلة من النضج والقوة العلمية الإيمانية....

فكان من شيوخه:

والده عبدالرحمن المشهور بلقب صلاح الدين، والفقيه عماد الدين أبو حامد ابن يونس، وعبيد الله السمين، ومحمد بن علي الموصلي، والطوسي، والسمعاني، وابن قدامة وغيرهم كثر...

أما تلاميذه:

فخر الدين عمر الكرخي، والخطيب شرف الدين الفراوي، والصدر محمد بن حسن الأموي... وغيرهم.

حدّث عنه:

الإمام شمس الدين بن نوح المقدسي، ولإمام كمال الدين سلار، والإمام كمال الدين إسحاق، والعلامة تاج الدين عبد الرحمن، وأخوه الخطيب شرف الدين، والمفتي جمال الدين محمد بن أحمد الشريشي، وناصر الدين بن عربشاه، وغيرهم ...

وظائفه:

درّس بالمدرسة الصلاحية ببيت المقدس... وعندما قدم الشام ، دمشق، درّس بالرواحية ثم بالأشرفية التي صار شيخها، ثم وُلّى تدريس الشامية الصغرى ،أفتى وجمع وألف وتخرج به الأصحاب وكان من كبار الأمة.

وإن المتأمل في سيرته الرائعة يجد معنى قوله تعالى: ((..إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))، فتحقيقاً لوعد الله كان عمل علماء الحديث الشريف مستمراً عبر الأجيال، وقد حُفظ في الصدور وعني به تلاوة وتعبداً وتفسيراً.

أقوال العلماء الكبار فيه:

قال الذهبي: " كان وافر الجلالة حسن الهيبة موقرا عند السلطان والأمراء وتفقه به الأئمة"

وقال ابن خلكان: "كان من العلم والدين على قدم حسن، ولم يزل أمره جاري باعلى سداد وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال والنفع".

وقال السخاوي: " كان إماماً بارعاً حجة متبحرا العلوم الدينية بصيراً بالمذهب ووجوهه خبيرا بأصوله عارفاً بالمذاهب جيد المادة في اللغة العربية حافظاً للحديث ومتفنناً، مع الدين والعبادة والورع والتقوى، انتفع به خلق".

" إمام ورع، وافر العقل، حسن السمت، متبحر في الأصول والفروع، بالغ في الطلب حتى صار يضرب به المثل، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة" ذكره المحدث عمر بن الحاجب في معجمه.

وقال شمس الدين بن خلكان: " بلغني أنه كرر على جميع المهذب قبل أن يطر شاربه، وكان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، وكانت فتاويه مسددة..".

صفاته وأخلاقه على لسان معاصريه:

كان ذا جلالة عجيبة، ووقار وهَيبة، وفصاحة، وعلم نافع، وكان متين الديانة، صحيح النحلة حسن البزة، وافر الحرمة، معظماً عند السلطان، وكان مع تبحره في الفقه مجوداً لما ينقله قوي المادة من اللغة العربية...

مؤلفاته:

لم تشغله أعباء مناصبه عن الفُتيا والتأليف، فصنف في علوم الحديث والرجال والفقه بالإضافة إلى شروحه، له مؤلفات كثيرة في علوم مختلفة استفاد منها العلماء بعده، فكانت من أهم المراجع والمصادر التي يعتمد عليها في عصره والعصور التي تليها، وأشهر تلك المؤلفات كتاب" مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث"...تتابع العلماء له شرحاً وتلخيصاً ونظماً، فلخصه الإمام النووي وسماه " الإرشاد إلى علوم الإسناد"، ثم لخصه السيوطي في كتابه "التدريب" وابن جماعة، ونظم القاضي شهاب الدين الخولي شعراً في أرجوزته " أقصى الأمل والسول في علوم أحاديث الرسول"، وقام جماعة من كبار حفاظ الحديث فوضعوا شروحاً لتلك المقدمة، ومن مؤلفاته :

ـ شرح الوسيط في الفقه الشافعي ـ صلة الناسك في صفة المناسك ـ الفتاوى ـ فوائد الرحلة ، وهو كتاب ممتع جمع فيه فوائد في علوم متنوعة ـ المقدمة في علوم الحديث، وهو من أمتع المصنفات التي لقيت حظاً كبيراً من العلماء، وقد كتب الكثير شرحاً وتعليقاً على هذا الكتاب- طبقات فقهاء الشافعية ـ أدب المفتي والمستفتي ـ النكت على المهذب - فوائد الرحلة- شرح صحيح مسلم – الأمالي - شرح مشكل الوسيط لأبي حامد الغزالي"...

وفاته:

توفي الشيخ رحمه الله في سحر يوم الأربعاء 25 ربيع الآخر سنة 643هجري، وازدحم الخلق على سريره، وحُمل على الرؤوس، وكانت جنازته ذات هيبة ووقار، صُلي عليه بالأموي وازدحم الناس للصلاة عليه، ودفنوه بمقابر الصوفية خارج باب النصر في دمشق.

إن المتأمل المتبصر لما بين السطور من سيرته الرائعة يتلمس نسائم روحانية قوية تنادي علينا لتذكر من نسي وتناسى كيف يكون حب وتعظيم منهج النبي الكريم الذي لن نستطيع فهمه كما يحب الله ويرضى إلا إذا بدأنا بالتقوى والتسليم لما أُنزل على النبي دون جدل أو صخب يُذهب الفطنة والفهم، يذكرنا ذلك بالوصية رقم عشرون من وصايا الإمام الشافعي التي قال فيها: (وأوصي بتقوى الله عز وجل، ولزوم الستة والآثار عن رسول الله عليه وسلم وأصحابه، وترك البدع والأهواء واجتنابها.... ثم قال: قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا واتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون")، فإنها وصية الأولين والآخرين....

فاعتبر أيها الإنسان قبل أن تصبح محاطاً بالبكاء، ميتاً يساق لقبر يغمره التراب... لا تنتظر كالأعمى الذي انعدم بصره أو كمن تحجر قلبه، وقِف لحظة صدق مع الخالق واسأله حسن العبرة والاتباع في كل مقال وحال....

وقد سأل موسى ربه : كيف تعامل من عصاك؟

فقال: يا موسى: من عصاني أمهلته... فإن فعل ذنباً سترته...

فإن رجع إلي قبلته.... وإن عاد إلى الذنب انتظرته...

فإن تاب غفرت له وأحببته ولا خذلته... وإلى نفسه وكلته كي لا يكون لعبدي حجة .... وما أنا بظلام للعبيد.

فاللهم ارحم قلوباً قد أذلتها المعاصي ولجأت إلى باب التوبة والاستغفار، لتسأل الصفوح الغفور الردَّ الجميل إلى الطاعات وما يرضي المولى وحبيبه....اللهم أعنّا ولا تُعن علينا ... واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، لنكون يأذن الله خير خلف لخير سلف صالح.

جزاك الله عنا يا سيدي الشيخ "ابن الصلاح" خير جزاء، أرض الشام المباركة تدعو لك ونجوم سمائها تسأل المولى عز وجل أن تعظم أجر ما صنعت وتركت من علم مبارك ينتفع به، وتلاميذ صالحين نافعين حملوا من بعدك الأمانة ومهمة أدائها على أحسن وجه.

المصادر:

ـ الطبقات الكبرى/ للسبكي

ـ شذرات الذهب/ لابن العماد

ـ تاريخ



تشغيل