مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ:

البيوت الشامية - الجزء الرابع

معالم الشام

البيوت الشامية

نسائمها تجمع بين الشاميين...

الجزء الرابع

بقلم الباحثة نبيلة حسن القوصي

"وأرى دمشق كأنها طائر حط ليستريح، جسده وسط السور وجناحاه ممتدان إلى ميدان الحصى، وحي المهاجرين، أو كأنها عروس أتعبتها حفلة الزفاف فنامت: رأسها على ركبتي قاسيون وقدماها في قرية القدم وقلبها حيال قلب البلد الذي يهفو إليه كل مسلم، وهو الجامع الأموي.. والقرى في الغوطة متوارية من الحياء وسط الأشجار، تتستر بها حتى لا ترى تخشى أن تلمحها عيون الرجال ... فدمشق هي الحياة الحب والحب حياتي".

الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله ـ

ويقول البدري "رحمه الله" في كتابه (نزهة الأنام في محاسن الشام):

(أي والله...

وما قـلـت أيــه بــعــدهــا لـمــحــدث مـن الــنــاس إلا قــال قـلـبـي آهــــــا

أستغفر الله هي مسقط رأسي ومجمع أهلي وناسي وملعب خلاني وإخواني

سقا الله شــامـا كان فيها اجـتـمـاعـنـا بأحـبـابـنـا الـناءيـن مـغـدوقـا ســكـبـا

مـنـازل أحـبـابـي ومـربـع جــيـرتـي وأوطان إخوانـي ومن كان لـي تـربا

لعمري لئـن شـط الـمزار أصـبـحـت منازلـهـم شـرقــا ومـنـازلـنـا غـربــا

فـإنـي عـلـى بـعـد الـديــار وقـربـهـا أسـر لـهــم حـبـا وأبـدي لـهــم حـبـا

عسى ما مضى من شـملـنا أن نـعيده ونصـبـح فـي أفـق ونمـسـي به شهبا

فأجبتك أيها السائل إذ هيجتَ عندي من الدموع بحور الاشتياق، وواسيتك أيها العاشق إذ أتيتك بخبر المعشوق، ولعل الخبر يكون وصله في التلاق، وقد فصّلته لك في هذه الأوراق).

فلتمشِ أيها السائح فوق أرض دمشق مشيةَ خاشعٍ متواضع لله، شاكراً له أن اجتباك فأقامك فيها، تسعى لإعمارها بما يحب ويرضى، فنصيحة النبي الكريم للصحابة في قوله: ((عليكم بالشام فإنها خيرة بلاده من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده))، لَدليل على أهمية أرض الشام، ومن المؤكد أنه يُسكنها خيرة القائمين بما يحب الله ورسوله.

ويا أسفي! إذ ضيع أهل الشام عنوانهم في الحب والصدق وفعل الخير.. أين هم الشاميون الذين نالوا شرف مديح نبيهم لهم؟ وأين هم مِن مساجدهم التي تركوها مهجورة تبكي الإعراض عنها لفراقٍ مبعثُه الأهواء والأحقاد ؟

(انظر إلى هؤلاء اليوم وأستحضر حالهم بشفقة، وأحاول أن اعتصر ذهني لأتخيل مشاعرهم وقد فرج الله سبحانه وتعالى عن البلاد والعباد فعادو إلى بلدهم - بعد أن تنكروا له – ليحتضنهم من جديد...

ترى.. ما جوابهم لأبناء وطنهم الذين واجهوا الموت وشظف العيش نيابة عنهم؟

ترى ما جوابهم للشهداء الذين تركوهم وحيدين يبذلون دماءهم واكتفوا بتتبع أخبارهم من خلال الشاشات؟

ترى هل سيستسيغ أحدهم فاكهة الشام التي سقيت بدماء الشهداء بعد اليوم، أم ستغصُّ بها حلوقهم؟)

بقلم منتصر عبد الدايم/ إلى من يريدون قطف ثمار لم يزرعوها

أستغفر الله من ذنوب نعلمها وذنوب لا نعلمها... فقد كان الحب مصدر وسر حياة أهل الشام! سلوا عنا الإنسانية، فنحن من كنا نعلّم الناس القيم والمُثل من منهج خير البرية... ..

ولنمضِ معاً أيها الأخوة الكرام في رحلة رائعة، ندع فيها الروح والفؤاد يتلمس أروع النسمات.. ولنسأل المولى عن نية غفلنا عنها في كيفية إعمار الشام، ودع عنك رمي مسؤولياتك على عاتق غيرك...

لنطرق معاً باب المعرفة والمتعة متجهين لزيارة بيت "دمشقي شامي"، تغمرنا نسمات حب التعلم والمعرفة، ولساننا يلهج بالدعاء لمن نحب أو لا نحب... فأن تحب لغيرك ما تحب لنفسك هو "عنوان أهل الشام"، توارثوه من سلفهم الصالح المرسخ لمنهج النبوة المحمدي فوق هذه الأرض المباركة.

ولنبدأ من أول تفاصيل هذا البيت، من ممر ندخل منه للبيت الدمشقي.. والذي يسمى "الخوخة"، ولا عجب إذ ترى الشامي المسلم يدخل برجله اليمنى مردداً قوله: "باسم الله" ثم "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، ففي ذلك وصلٌ واتصال واتباع لسيد البرية.

ثم امشِ.. تصل إلى فسحة مفتوحة إلى السماء، تدفعك لذكر الله بقولك: "سبحان الله"، حيث تجد الأشجار والنباتات والزهور والورود الشامية، كقطعة من الغوطة، تنتظرك مستقبلة إياك لتردد "الحمد لله"، فبالحمد والشكر تزيد النعم، واحذر أن تنشغل بالتمتع عن شكره تعالى فتنسى مُنعم هذه النعم القادر...

ثم تابع تجد ما يسمى "الليوان" وغرف الضيافة والاستقبال، وقد جعل الشاميون من موائد ضيافتهم مجلس ذكر لله ومدارسة لحديث رسول الله، أما موائد الغيبة والنميمة والسخرية التي نراها اليوم، فهي باب موصول بالشيطان يبعدك عن مقاصد الشريعة في إعمار الأرض والإنسان بالخير...

ثم امضِ تجد منشر الغسيل، ويسمى" المشرفة"، فقد شاع في دمشق استخدام الشرفات المطلة على الحارات من الأعلى بنوافذ واسعة....

أما عن وسيلة التدفئة في البيت الشامي، فقد كانت موقداً نحاسياً أو حديدياً يُملأ فحماً ويوقد خارج البيت إلى أن يتطاير منه الغاز ليؤتى به إلى الغرفة للتدفئة...

كما تجد الروائح العطرة الزكية التي تفوح من شجر الياسمين والتوت والليمون والبرتقال، تدعو من أدبر عن عبادة التأمل والتفكر أن يُقبل على المولى بالإنابة والترديد: ما أحلى الرجوع إليه!

ويلاحَظ اهتمام أهل دمشق بالزخرفة والزينة، يسبقها زينة في القلب بنية طيبة وابتسامةٌ يؤجرون عليها.. فقد أفرزت هذه البيوت قيماً أخلاقية حضارية مُستقاة من السنة المطهرة الشريفة، فهي مصدر جمال بني الإنسان.

فكن طيب النفس في نيتك مع الخلق مهما كان خلافك معهم.. واجعل من الدعاء بسريرة صافية لك ولهم عنواناً لحياتك، فلا يليق بأرض الشام التي أنت من أهلها إلا الصفاء والنقاء، وكن ممن قال فيهم المصطفى: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))

قد ظلت هذه البيوت وحاراتها تعيش بسكينة واطمئنان، إلى أن تحول مع الأيام هذا الجوهر الثمين من العنوان إلى أمر ثانوي لا يُؤبه له، ويصبح الأساس هو حب الذات والانتصار للنفس وهواها بأشكال وتدابير شتى، وليستبدل الشاميون قيمهم الأخلاقية المحمدية بجلسات لإضاعة الوقت، حيث جعلوا من التلفاز مصدر شرعهم فعطلوا العقل والهمة ونسوا كتاب الله وأن أول ما نزل من كلام الله تعالى: (( اقرأ باسم ربك الذي خلق))، وبدأ الخلط بين قيم ومبادئ أصيلة اشتُهر بها أهل الشام، وبين أعراف وتقاليد بالية مبعثها هوى النفس، لا يردعها أو يخفف من حدة شرها إلا مراجعة مستمرة مع الخالق...

وانشغل الشاميون بالمسلسلات وثقافة الانتقام ومكائد الكنّة والحماة، ونسوا قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً....))

هذا وإن من الألطاف الإلهية أن جعل الله عز وجل ألطافه تتزايد في شهرٍ مبارك ميزه المولى بروحانية رائعة لا يشعر بها إلا من قصد نسائمها الايمانية بالعمل الصالح والقول النافع، ألاو هو شهر رمضان، فقد قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه))

فاحذر أيها الشامي من مكيدة المسلسلات التي تُحاك في هذا الشهر الفضيل، واجتهد بأن تكون حيث يريدك نبيك وربك جل جلاله... فدمشق والشام تتفرد عن بقية مدن العالم بعادات وتقاليد ترغب في طلب الرضى من المولى بصنوف وأنواع من الوسائل الراقية، فمصدرها حب الخير لكل الناس.. لأن أحبهم إلى الله أنفعهم إلى عياله ...

هذه المسلسلات تريد أن تُقصينا عن التعرض لنسمات روحانية إيمانية قادمة إلينا من فوق سبع سماوات، ترشدنا لما يرضي الله ورسوله، وتسلب منا مشاعر وأحاسيس محفزة نحن بحاجتها لرسم أحداث حياتنا ولتشوش علينا فنعيش مشغولي البال...

ألا واسألوا أسلافنا الذين عايشوا أحداث دمشق في مطلع القرن العشرين، كيف أولَوا المناسبات الدينية اهتماماً كبيراً، فهم يستقبلون العام الهجري بالتضرع والدعاء، ويُعدّون أكلة بياض - رز بالحليب مثلاً- في أول شهر محرم، وفي أشهر رجب وشعبان ورمضان تكثر الطاعات لله تعالى......

لتتمة القراءة من خلال الملف أدناه

تحميل



تشغيل