مميز
التاريخ:

حلب الشهباء

معالم الشام

"حلب الشهباء"
القسم الشمالي من أرض الشام المباركة
الباحثة نبيلة القوصي
غدت بلاد الشام في المركز الأول من مراكز الحضارة العربية الإسلامية للعالم بعد بزوغ فجر الإسلام بوقت قصير، وذلك في مرحلة تلت ترغيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في سكنى الشام، حيث وردت عنه أحاديث كثيرة في ذلك ومنها: ((اللهم بارك في شامنا)) وقوله: ((عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله من أرضه يسكنها خيرته من خلقه..))، وقال: (( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم))، وغيرها من الأحاديث النبوية في "فضائل الشام ".... فانجذب الناس من مختلف بقاع الأرض إلى الشام، يطمحون في أن يكونوا من خيرة الخلق المتمثلين بالخلق النبوي المحمدي، ليظهر على مر العصور علماء ربانيون وأولياء من كافة الأراضي الشامية، وبدأ العالم يلحظ أهمية الشام حضارياً ودينياً وعلمياً، ف"دمشق" هي أقدم عاصمة في العالم وتعني بالآشورية (الأرض العامرة أو الفيحاء)، و"حلب" أقدم مدن العالم تعني بالآرامية (المدينة البيضاء) التي سُميت بذلك لحجارتها الكلسية البيضاء هي وتقع فيها آثار مملكة "إيبلا" أقدم مملكة مأهولة في التاريخ، و"اللاذقية" أو "لاوديسيا" التي سميت على اسم والدة سلوقس نيكاتور حيث وجدت أوغاريت أقدم أبجدية مكتوبة في العالم ، هذه المدن الثلاث تعد أقدم المناطق المأهولة تاريخياً، وقد برزت كمراكز علمية دينية ثقافية عالمية هامة...
وها هو الشيخ أبو ياقوت البغدادي الحموي، الذي قام برحلات علمية دينية كثيرة، وترك كتابه الشهير" معجم البلدان" وتوفي عام 616هجري ودُفن في حلب، يتحدث عن تلك المدينة العظيمة قائلاً: ((حلب مدينة عربية موغلة القدم ذات موقع استراتيجي هام تقع شمال غربي بلاد الشام وسط منطقة زراعية، وتشكل صلة الوصل بين عدة دول تحيط ببلاد الشام,، وشغلت دوماً أهم الأدوار السياسية والحضارية والاقتصادية، تعاقبت فيها عدة حضارات وتميزت بنشاط سكانها وعبقرتيهم، فكانت حاضرة الشمال الشامي... وقال: حلب، بالتحريك: مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات طيبة الهواء صحيحة الأديم والماء، وإبراهيم عليه السلام بعد أن هاجر من "حران" إلى حلب" قام في مقام بأعلى القلعة وهو جامعها اليوم، وقيل أنه دعى لها: " اللهم طيب ثراها وهوائها ومائها وحببها لأبنائها"، فاستجاب الله دعاءه وصار كل من أقام فيها ولو لمدة يسيرة أحبها، وإذا فارقها يعز ذلك عليه، وربما إذا فارقها التفت إليها وبكى...
وعندما أُمر عليه السلام بالهجرة خرج منها بعد أن صلى في مقام معروف بالقلعة، ثم هاجر إلى بيت المقدس... إذن فاسمها جاء إما من اللبن أو من بياض تربتها، والله أعلم )).
وتعاقبت على حلب عدة حضارات كبيرة: حثية، آرامية، آشورية، فارسية، رومانية، بيزنطية، إسلامية... فازدهرت وتطورت ثم تألقت تجاريا أيضا تجلى ذلك في أسواقها وخاناتها التي أقيمت لإقامة التجار الأجانب الذين كانوا رسل حضارة إنسانية بامتياز، لتصبح فيما بعد تحمل لقب: "عاصمة الثقافة الإسلامية في الوطن العربي عام 2006".
فامض أيها السائح المتمتع المتأمل... وقف عند الجامع الكبير، أو الأموي، الذي بناه "الوليد بن عبد الملك"، والذي يعد من أقدم المساجد فيها، ويشبه في مخططه الجامع الأموي في دمشق... وقد تعرض على مر العصور للاحتراق ثم التجديد والترميم المستمر، ليحكي لك حكاية حلب العظيمة:
لقد تناوبت حضارات عظيمة هنا في حلب، ففي العهد السلجوقي: أضاف نور الدين المئذنة المميزة للجامع الكبير بعد ترميمه، وهناك البيمارستان النوري، وجامع الحلوية الذي بناه قبالة الجامع الكبير، ومسجد القلعة، والمدرسة المقدمية... أما في العهد الأيوبي، فقد عني الأيوبيين بالعمارة العسكرية أكثر للمدينة، فقاموا بتقوية الأسوار وتجديد القلعة، وبنوا مدرسة الفردوس، والمدرسة الظاهرية، ومدرسة ابن العديم والكاملية ومشهد الحسين ومشهد الشيخ محسن وغيرها .. ..
وفي العصر المملوكي جُدّدت الأبواب والسور والقلعة للأهمية العسكرية خوفاً من طمع الطامعين الحاسدين.. وبنوا المساجد كجامع الأطروش والطواشي وجامع فستق والتوبة وجامع البياضة وغيرهم أكثر وأكثر... إضافة إلى الحمامات والسبل والترب وقبور العظماء والأولياء الصالحين.
وها هو ابن جبير الأندلسي 539/614هجري، عالِم في الفقه والحديث، رحالة عصره، كان كلما خرج من مدينة ما في سياحة له، يقف وقفة تبصّر وتأمل لعظمة وروعة الإنسان إذا أجاب بصدق وأمانة عن سؤال استوقف الصادق الأمين في غار حراء: من أنا؟ ومن خلقني؟ ولماذا خُلقت؟ وكيف السبيل والعمل ؟ا
فماذا قال ابن جبير على أبواب "حلب الشهباء"؟...
((بلدة قدرها خطير، وذكرها في كل زمان يطير، خطابها من الملوك كثير، ومحلها من التقديس أثير، لها قلعة شهيرة الامتناع، ... يذكر أنها كانت ربوة يأوي إليها إبراهيم عليه السلام، وله بضع غنيمات يحلبهم هنالك ويتصدق بلبنها، فلذلك سُميت حلب، والله أعلم... وجامعها المكرم، وهومن أحسن الجوامع وأجملها،... حرسها الله تعالى)).
ونحن، في الختام، لا نملك إلا الدعاء للشام المباركة ولأهل الشام، أن يدركنا رب العباد بالتوفيق لأحسن الأقوال والأفعال التي يباهي بها سيد الأكوان، في أرض باركها المولى عز وجل من قبل أن نولد ونصبح من أهلها....
فحلب وجميع أرض الشام المباركة، تناشدنا للعود الحميد الذي يرجوه منا رسولنا صلوات الله عليه، وللتمسك بسنته الشريفة، مع مناشدة ربنا عز وجل: "أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، ففي ذلك فرج قريب لحلب والشام أجمع إن شاء الله... فلنستجب ونلبي النداء.....
ولنجعل من الصلاة والسلام على النبي خير علاج ودواء لما أصابنا من داء، فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً ...

تحميل



تشغيل