مميز
الكاتب: منتصر عبد الدايم
التاريخ: 18/04/2016

إلى من يريدون قطف ثمار لم يزرعوها

مقالات

إلى من يريدون قطف ثمار لم يزرعوها
منتصر عبد الدايم
لقد كان الوجهة الأولى لعلماء الشام ومشايخها في المشكلات والملمات التي تعترضهم، بل كان مرجعيتهم في كل صغيرة وكبيرة ... إلى أن بدأت الفتنة .. فاتُهم بين عشية وضحاها بأنه شيخ سلطة، لا يصح أن يُسمع منه قول، ولا يجوز أن يقبل منه صرف ولا عدل.
لقد ثبت البطل ولم يكترث لقبح خبرهم ولا لسوء مخبرهم ..
ثبات في الموقف، قوة في الكلمة، رباطة في الجأش ... لا يخاف في الله لومة لائم، ومضى يشق طريقه للشهادة بخطى ثابتة كالطّود الشامخ، وظلّ يزمجر على منبر الأموي كل جمعة يصدع بكلمة الحق، ويحذِّر الناس من مغبّة الخطط والمكائد التي يكيدها أعداء الله لإسقاط الشام المباركة .. في الوقت الذي كان سواه من الرماديين يتخيرون لخطبهم الكلمات التوافقية التي ترضي الطرفين، وأحسنهم حالاً من كان يتحرّى رضا الله في كلمته لكنه يخشى مع ذلك سخط ألسنة عباده عليه، فيلجأ للتورية والكناية آناً، ويتحامل على القادة وولاة الأمر آناً آخر، ويجبن عن الصدع بكلمة الحق في وجه الرعاع في كل آن .. كل ذلك مراعاة لدهماء الناس.
أما هو .. فقد كان جوابه لكل من ألمح إليه بالتفرد في الموقف أو الغربة بين الجماعة أو الشذوذ عن التبعية:
خلت الديار فسدتُ غير مسوَّد .... ومن البلاء تفرّدي بالسؤدد
والصمت والعزلة منهج سليم ومندوب إليه في الفتن .. لكنه سلوك مستهجن وأسلوب مشين عندما يتخذه المتسلقون سلماً .. أولئك الذين كانوا ينتظرون رجحان إحدى الكفتين ليصفقوا لأربابها، أو ليعلن المفتقر لصدق المبدأ الولاء والتبعية للمنتصر أخيراً .. ولم يكن يدرك الساذج ذو الفهم القاصر أن انتصار الفئة الباغية يعني سقوط الوطن، وسقوط الوطن يعني سقوط أحلامه وأوهامه الوردية، المتمحورة حول عبادة ذاته وبروزها في ساحة عقدة النقص التي يتخذ السبل الدنيئة لتعويضها.
حتى إذا رجحت كفة ولاة الأمر، أو بدا له خطأ تقديرات من استبشر - خائباً - بسقوط الشام مع سقوط النظام -كما حصل في تونس ومصر وليبيا- سريعاً، ظهر واحدهم متحدثاً عن بطولات كاذبة، وصولات وجولات وهمية فارغة .. عن وهم يبحث اليوم عن ثمراته ومغانمه.. وما هو في الحقيقة - كما شهدنا منهم أيام الشدة - إلا خوار الجبناء وإرجاف النفاق.
وشتان بين صمت أرباب القلوب الحية، الذين اتخذوا من المنهج النبوي مبدأ لهم .. وبين صمت أرباب القلوب الميتة، الذين لا مبدأ لهم ..
والمنصف من نسب الفضل لأهله .. وأهل الوفاء تضج بهم الشام اليوم .. وهم الأكثرية الذين لا يلقون درساً أو خطبة إلا ويذكر فيها البطل .. بعلمه ومواقفه، إلا ويذكر بالمقام الذي أقامه الله به، طوداً شامخاً حمى الله عز وجل به الشام من السقوط، وعصم به من دماء أهله ما الله عز وجل به أعلم.
وإن شئت أن تبحث عن الوصولي الذي لا يعرف للوفاء طعماً ولا لأهل الفضل قدراً، فهو الذي تراه اليوم يتشدق في دروسه وخطبه أو في جلساته الخاصة أمام المسؤولين متحدثاً عن سر صمود الشام وأهلها، ويبالغ في تقزيم نفسه عندما ينسب الفضل لذاته أو لفئته وجماعته، تصريحاً أو تلميحاً .. وهو ذاته الخوار المرجف الذي طعن الإمام الشهيد في ظهره عندما كان يصدع بكلمة الحق من على منبر الأموي وفي دروسه والحلقات الخاصة التي كان يبثها في الفضائيات، وذلك بالنيل منه في جلساته الخاصة، أو توجيه اللوم والعتب الشديد على مواقفه .. بل كان يجبن حتى عن الذود عنه يوم كان السفهاء يخوضون في عرضه.
غياب البطل - جسداً فقط - عن الساحة، جعل أمثال هذه الرؤوس الفارغة تظهر وكأنها يانعة .. لكن فكر البطل وعلمه سيبقى خالداً إلى يوم القيامة يفضح المتسلقين، ويكشف للأنام أن ما حوته هذه الرؤوس إنما هو فراغ وهواء .. وكل ما ينتج عنها اليوم إنما هو هدير صدى طبل فارغ ..
أما الخائن الذي باع وطنه، أو الذي سارع لمغادرة سورية حاملاً معه ثروته وما خف وزنه وغلا ثمنه، منتجعاً مزيداً من الرزق والراحة والأمن والأمان، يبذل ماله سخياً للغريب غاضاً طرفه عن الأرامل والأيتام اللذين خلفهم في وطنه؛ لأن قلبه الصغير لا يتحمل المآسي والآلام التي وصفها الله عز وجل بقوله: (ولَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ). خارت قواه عندما سمع هدير الطائرات وقصف المدافع تدافع عن شرفه وكرامته، فآثر حياة الذل والمهانة في كنف المتآمر على حياة العزة والكرامة بين أهله وأبناء وطنه.
أنظر إلى هؤلاء اليوم واستحضر حالهم بشفقة، وأحاول أن اعتصر ذهني لأتخيل مشاعرهم وقد فرّج الله سبحانه وتعالى عن البلاد والعباد، فعادوا إلى بلدهم – بعد أن تنكروا له - ليحتضنهم من جديد.
ترى .. ما جوابهم لأبناء وطنهم الذين واجهوا الموت وشظف العيش نيابة عنهم؟
ترى ما جوابهم للشهداء الذين تركوهم وحيدين يبذلون دماءهم، واكتفوا بتتبع أخبارهم من خلال الشاشات؟
ترى هل سيستسيغ أحدهم فاكهة الشام التي سقيت بدماء الشهداء بعد اليوم، أم ستغص بها حلوقهم؟
ترى هل سيتمكنون من الجلوس في سهول الزبداني وجبال اللاذقية الخضراء وعلى ينابيعها العذبة، ويزدردون ماءها العذب بهناء، وهم يعاينون أهل هذه المناطق الذين تركوهم نهبة للمرتزقة الذين أذاقوهم الويل، في الوقت الذي كان واحدهم يصفق للمرتزقة ولإنجازاتهم؟ أم أنه سيجلس حبيس بيته خجلاً من مواجهتهم؟
إن من يتمتع ببقية كرامة، وعاد إلى وطنه الذي أمضى فيه طفولته وريعان شبابه، وطنه الذي تنكر له عندما احتاجه، وتركه نهبة للخونة والمتآمرين، فارتمى في أحضان الغرباء ليستغلوا شبابه .. إن أول عمل ينبغي أن يقوم به أن يتوجه إلى القبور التي تضم أجساد الشهداء الطاهرة فيعتذر لهم، وأولهم قبر شيخ الشهداء وشهيد الشيوخ الإمام البوطي، ثم يتوجه إلى الثكالى فيقر لهن بأنه الأناني المخطئ الذي آثر حياته على حياة ابنها، ويتوجه لزوجاتهم ويخبرهن بأنه واحد من الذين لم يتمتع بشجاعة أزواجهن، ويأتي إلى أطفالهم فيعتذر إليهم ويقبل أيديهم ويمسح على رؤوسهم، ويعترف لهم بأنه لولا خذلانه لآبائهم لما كانوا اليوم أيتاماً يحتاجون إلى نظرة حانية وقلب شفوق، ينظر في احتياجاتهم. كل ذلك إن قبلوه أو قبلوا اعتذاره .. (ليقضي الله أمراً كان مفعولاً)
وأجزم إن كانت لديه بقية مشاعر إنسانية بأنه عندما يواجه بؤس نظرات الثكالى، ودموع الأرامل والأيتام. سينعي نفسه .. ويتمنى لو لم ير المآسي التي كان سبباً وطرفاً فيها عندما شجع أو حرّض أو ساهم مع البغاة ولو بشطر كلمة. ولآثر البقاء في غربته يجتر قول الشاعر:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فأنت الطاعم الكاسي
على أن يأتي إلى وطنه ليقطف ثمار صمود وبطولات لم يكن له أي يد في زراعتها.

تحميل



تشغيل