مميز
الكاتب: د. محمد حمود الأهدل
التاريخ: 27/03/2016

الذكرى الثالثة لرحيل المجاهد العلم الإمام البوطي

مقالات

الذكرى الثالثة لرحيل المجاهد العلم الإمام البوطي
بقلم الدكتور محمد حمود الأهدل
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد فقد مرت ثلاث سنوات على رحيل فقيدنا الإمام الشهيد وما زالت أنوار معرفته تشع وشمس معرفته مضيئة تستمد أجيالنا من شمس معرفته وأشعة أنواره فأحببت أن أشارك في هذه الذكرى من باب التذكير لنفسي ولأمثالي واضعاً بعض معالم مدرسة هذا الرجل لاسيما وأن الله قد أنعم علي منذ نعومة أظفاري أن تعرفت على مدرسة هذا العلم الشهيد وعشت معها من خلال مكتبته وله الحمد على هذه النعمة وغيرها، وما زلت إلى يومنا هذا وأنا أنهل من هذا العطاء
الرباني والفيض الرحماني الجامع بين خطاب العقل والروح والتحليل الواعي لمجريات هذه الأحداث وتصورات الفكر وبلورة العقل الذي مُنِحَهُ إمامنا الشهيد المجدد الذي إذا تحدث أو كتب موضوعاً من مواضيع العلم والمعرفة خاطب فيه العقل بالمنطق والموضوعية والتحليل وخاطب الروح بالتهذيب والتنقية والترقية وخاطب الوجدان بالذوق والمحبة وقرأ الواقع والأحداث من منطلق الواقعية لا العاطفة والخيالية.
الإمام البوطي مدرسة متجددة ذات معالم متوازنة وثابتة لم يخضع فيما يكتبه أو يقوله لضغوطات الواقع وميولات الحاكم ورغبات الجماعات وهجمة المعارض بل اعتمد على المنهجية المعرفية والشرعية المصحوبة بالمراقبة لله والخشية له والخوف منه وقد برزت مصداقيته في أكثر من حدث وأزمة ومشكلة مرت بها الأمة فكانت كتاباته ومواقفه موفقة وحقيقية، أدرك بمعرفته الواسعة والعميقة أين يضع العقلانية وأين يضع الوجدانية ولا يضع أحدهما مكان الآخر وأين يمزج بينهما .
عاش مع المنهجية العلمية والمعرفية الماضية بثوابتها وأسسها وخاطب المرحلة المعاصرة برؤية منهجية أصيلة بلا تحريف ولا تزيف ولا تميع ولا تذويب، لم يحكم غرائزه في متطلبات حياته وقراءة واقعه وتحليل متغيراته وعلاقاته .
بلور رؤيته المقاصدية بلغة الأصالة والمعاصرة في كتابه ضوابط المصلحة وبلور المنهجية المعرفية بلغة الثوابت ولغة المرحلة في كتابه كبرى اليقينيات الكونية واعاد صياغة المنهج الذوقي والسلوكي والتربوي بلغة متوازنة لا إفراط ولا تفريط في كتابه "الحكم العطائية شرح وتحليل".
برزت منهجيته الواعية في قراءة الأشخاص في كتابه "شخصيات استوقفتني" وكتابه "هذا والدي" وما كتبه عن مصطفى السباعي ومحمد البشير الإبراهيمي .
شخصية حررت الفكر والعقل والقلب واللسان والعلم والجوارح من سوى الرب فعاشت لله ومع الله لا تأسره بريق الشعارات بل يضعها تحت دائرة التمحيص والتحليل العلمي كما عمل في كتابه "الظلاميون والنورانيون" فقد محص كثيراً من المفاهيم والشعارات التي روج لها ونقدها نقداً منطقياً.
الإمام البوطي اتسمت مدرسته بالحوار العلمي المفتوح لكل ما استشكله العقل الإنساني من قضايا الفكر والثقافة والعقيدة والسياسة والشريعة والمنهج ولو كان الاستشكال في ثوابت الديانة فكتبه ومحاضراته ولقاءاته تفيض بطرح الأسئلة والأجوبة بأسلوب حواري راقي وقد أعطانا نماذج في كتاباته للحوار العلمي المفتوح حيث وضعنا أمام جملة من التساؤلات الصريحة في قضايا عده في كتابه "يغالطونك إذ يقولون" وكتابه "حوار حول مشكلات حضارية" وكتاب "الإسلام والعصر" محاوراته المباشرة، ولكتاباته حوارات رصينة وعميقة وواثق من نفسه.
وقد اتسم الإمام البوطي رحمه الله من خلال فكره ومواقفه بكونه وحدوي الخطاب والمنهج والنهج والسلوك والمواقف والرؤية فقد عمل على جمع الأمة ودعا إلى وحدة المواقف السياسية للأمة العربية في مواجهاتها للصهيونية العالمية والاحتلال الإسرائيلي ومواجهاتها لهيمنة العولمة والغزو الفكري والثقافي وغيره فهو يجمع ولا يفرق ويبني ولا يهدم ويصلح ولا يفسد ويضع الأمة أمام الحقائق لا الأوهام.
البوطي مدرسة رفضت التطرف والعنف في التدين كما رفضته في الفكر والسياسة والسلوك وعمل على كشف الأقنعة التي يختبئ ورائها الإرهاب وأبان مصدره وممونه ومنهجه وسلوكه والأنظمة التي تقف ورائه.
من يقرأ للإمام البوطي ويتابع أطروحاته الفكرية والعلمية وبحوثاته في اللقاءات والمؤتمرات وعلاقاته مع المفكرين والمثقفين والعلماء الذين لهم تصوراتهم وميولاتهم المختلفة ذات التوجهات المذهبية والحركية والفكرية يجد أنه عالمي الفكر والعلاقات والمعرفة لم ينحصر فكره ولم تتمحور مواقفه ولم يسخر نفسه وعلمه في صراع أو نزاع مذهبي او سياسي أو طائفي. التزاماً بالعالمية والوحدة الإسلامية والمصداقية .
الإمام البوطي رحمه الله في شخصياته قدرات علمية ارتقت به إلى أن تكون فلسفة المادية الجدلية قائمة بقواعدها بين يديه لا أساس لها بعد أن وجه لها ضربات حتى أسقطها ولم تعد باستطاعتها أن تثبت على قدم، وعندما ظهرت في الأمة جماعة سمت نفسها بالسلفية وانطلقت من هذه التسمية لتفريق المسلمين والتحريش فيما بينهم توجه بعقله وفكره إلى دراسة هذه الظاهرة ودراسة أثارها ونقدها النقد العلمي الذي لم يستطع أحد من أقطابها أن ينقد ما بناه من أسس علمية في نقده رحمه الله وهكذا توجه بنقده إلى أسس هذه الجماعة وأثارها ولم يتوجه إلى المسائل التي تبنتها في حياتها، رجل اتسمت مدرسته بتصحيح المفاهيم التي يساء فهمها واستخدمت استخداماً سيئاً وكان العبث بها كما استخدم الجهاد في غير محله.
إن الإمام البوطي رحمه الله إذا أعمل عقله وفكره في مسألة ما يضعها على طاولة البحث والتحليل والتحرير لأصولها وما يترتب عليها من مستجدات كما عمل في كتابه "قضايا فقهية معاصرة" فليس عشوائياً في طرحه وبحثه .
الإمام البوطي مدرسة لها معالمها الفكرية والعلمية والتربوية والفلسفية ذات أصالة ومعاصرة واعية ومرونة متوازنة ورؤية عميقة.
لقد أكرمني الله بالعيش معه ومع كل جديد من كتبه وأتابع إصداراته فقد كانت كتاباته الزاد لعقلي وروحي وفكري وأكرمني الله بلقائه في تريم الغناء وصافحته في قاعة المؤتمر في عام 2010م وقلت له لقد قرأت كتبك وآخر ما قرأت الظلاميون والنورانيون فقال لي: هذا أخر ما كتبته، وقصيت عليه رؤية رأيتها ومن ملامحها أني زرت والده معه إلى قبره فقال لي: ستزور دمشق بإذن الله وطلبت منه الإجازة في كتبه فقال لي: يا ولدي ما طبعتها إلا وأنا مجيز لقارئها.
إن الإمام البوطي بفكره الواسع ورؤيته المتسعة وحيوية كتاباته ستنهل منه الأجيال المتعاقبة لما ستجده من إجابات على تساؤلات ومعالجة لقضايا تهم الشباب وتعالج قضاياهم الفكرية والتربوية وغيرها، وستضل مدرسة البوطي متجددة في أبنائه وتلامذته وأبناء أمتنا العربية والإسلامية.
لقد عاش منذ نعومة أظفاره خادماً لدين الله ومنافحاً عن شريعته بلسانه وعقله وقلبه وقلمه وقدمه وسخر كل ما أنعم الله عليه في مرضاته إلى أن استشهد في بيت من بيوت الله مع كتاب الله وملقياً درسه لثلة من عباد الله عاشوا معه ينهلون من علمه في ساعة مباركة ما بين صلاة المغرب والعشاء في ليلة مباركة هي ليلة الجمعة فرحم الله الإمام البوطي ورحم أصوله وفروعه وجعل في فروعه الخير والبركة وأسأله سبحانه ألا ينزع السر من أهله ويلحق الفرع بأصله بفضله وجوده وكرمه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

تحميل



تشغيل