مميز
الكاتب: مشاركة
التاريخ: 22/11/2015

(مقال نسب للإمام الشهيد .. وليس هو كاتبه)

مشاركات الزوار
(مقال نسب للإمام الشهيد .. وليس هو كاتبه)
حكم المسح على الجوارب
مشاركة زوار
إن الصلاة من أعظم أركان الإسلام، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فإذا فسدت فسد سائر عمله، وللصلاة شروط وأركان لا تصح من دونها.
لذلك فإن علينا أن نحرص على الإتيان بشروطها وأركانها تامة، ولا نتساهل فيها حتى تصح صلاتنا.
وإن من شروط صحة الصلاة الطهارة التي تكون بالوضوء، ومن أركان الوضوء غسل القدمين إلى الكعبين هذا هو الأصل.
وقد رخص الشرع لمن لبس الخفين أن يمسح عليهما، تيسيرا على الناس، ولكن للمسح على الخف شروط إذا لم تتحقق لم يجز المسح.
يقول الإمام النووي في بيان شروط المسح (المنهاج: 7 ):((وشرطه أن يُلبس بعد كمال طهر، ساترا محل فرضه، طاهرا، يمكن تتباع المشي فيه لتردد مسافر لحاجاته)).
فلو فقد شرط من الشروط السابقة لم يجز المسح عليه ولم تصح صلاة من مسح في هذه الحالة.
فلو لم يلبس الخف على طهارة، أو لم يكن المشي عليه ممكنا لكونه خفيفا أو رقيقا أو لا يمنع نفوذ الماء كما هو الحال في الجوارب التي يلبسها الناس الآن تحت الأحذية فلا يجوز أن يمسح عليها.
وقد نص فقهاؤنا على ذلك فيقول الإمام النووي:((ولا يجزئ منسوجا لا يمنع ماء في الأصح)). (المنهاج: 7(
والجوارب المنسوجة التي نلبسها الآن ليست خفًا، ولم تجتمع فيها شروط المسح، فهي خفيفة لا يمكن متابعة المشي عليها، ولذلك لا تلبس إلا تحت الأحذية، وهي لا تمنع نفوذ الماء، ومن هنا يتبين أن قياس مثل هذه الجوارب على الخف لا يصح.
ومع ذلك نرى أن ظاهرة المسح على الجوارب الرقيقة منتشرة بين الناس للأسف، إما لبعدهم عن الفقه وجهلهم وتساهلهم في أمور دينهم، وإما لتقليدهم من أخطأ في هذه المسألة وشذ عن جمهور فقهاء أهل السنة في ذلك.
وَرَدَ عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح على جوربيه ونعليه. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم. ورواه الترمذي وقال عَقِبَهُ: هذا حديث حسن صحيح.
لكن هذا الحديث ضعفه جمع كبير من الأئمة الحفاظ، وإذا كان كذلك فلا يمكن العمل والاحتجاج به هنا، وعلى فرض صحته فإنه محمول على أن المقصود بالجورب هو الجورب الثخين القوي الذي يمكن متابعة المشي عليه، أو الجورب المنعل الذي يجعل له نعل من أسفله فيمكن المشي عليه. وهذا بخلاف الجوارب المنسوجة التي يلبسها الناس الآن.
يقول الإمام النووي مبينا حال الحديث السابق:(( والجواب عن حديث المغيرة من أوجه:
أحدها: أنه ضعيف، ضعفه الحفاظ، وقد ضعفه البيهقي ونقل تضعيفه عن سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المدين، ويحيى بن معين، ومسلم بن الحجاج، وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث، وإن كان الترمذي قال: حديث حسن، فهؤلاء مقدمون عليه، بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة.
الثاني: أنه لو صح لحمل على الذي يمكن متابعة المشي عليه، جمعا بين الأدلة، وليس في اللفظ عموم يتعلق به.
الثالث: حكاه البيهقي - رحمه الله - عن الأستاذ أبي الوليد النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين، لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة، فكأنه قال: مسح على جوربيه المنعلين.
وروى البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ما يدل على ذلك)) . ( المجموع: 1/ 566(.
قلت: والإمام الترمذي نفسه فسر الجورب في الحديث بالجورب الثخين، أي الذي يمكن متابعة المشي عليه .
فيقول بعد أن أورد الحديث السابق في جامعه ( رقم 99 ):(( وهو قول كغير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين وإن لم يكن نعلين، إذا كانا ثخينين)).
فنرى أن الترمذي نقل اشتراط الثخانة في الجوربين بعد أن أورد الحديث السابق، وهذا الشرط غير متحقق في الجوارب المنسوجة الرقيقة التي يلبسها عموم الناس الآن، ولا يمكن متابعة المشي عليها ولا تمنع نفوذ الماء، ولهذا لا يصح قياسها على الخف أو الجورب الثخين المنعل الذي كان يلبس لوحده ويمكن المشي عليه.
ذكرنا كلام النووي أن ذلك لا يجوز، وإليك كلام بعض أئمة أهل السنة المعتمد في المذاهب الأربعة باختصار :
:: مذهب الأحناف ::
المفتى به في مذهب الأحناف أن من شروط الملبوس على القدمين حتى يصح المسح عليه أن يكون ثخينًا يمكن متابعة المشي عليه، وما لم يكن كذلك فلا يجوز أن يمسح عليه .
قال الإمام علاء الدين الحصكفي الحنفي في الدر المختار ( 1 / 269 ) شارحا قول المصنف ( أو جوربيه الثخينين، والمنعلين، والمجلدين): (( الثخينين بحيث يمشي فرسخًا ويثبت على الساق بنفسه)). -الفرسخ عند الأحناف يساوي 5565 مترا-
ويقول الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه ( الفقه الإسلامي وأدلته: (1 / 344) مبينا مذهب الأحناف:(( المفتى به عند الحنفية جواز المسح على الجوربين الثخينين بحيث يمشي عليهما فرسخا فأكثر، ويثبت على الساق بنفسه، ولا يرى ما تحته((.
وعلى ذلك فإن المسح على الجوارب الرقيقة كما يفعله الكثير اليوم لا يصح.
:: مذهب المالكية ::
يرى المالكية أن الملبوس الذي يجوز المسح عليه هو الخف أو الجورب بشرط أن يكون مجلدًا يمكن متابعة المشي عليه، فيحب أن يكون الممسوح جلدًا وإلا لم يجز المسح عند المالكية.
يقول الإمام أبو الضياء خليل المالكي في مختصره (ص 26):(( رخص لرجل وامرأة وإن مستحاضة بِحَضَرٍ أو سفر مسح جورب جلد ظاهره وباطنه)).
فإذا لم يكن مجلدًا لم يجز المسح عند المالكية، ولذا فإنهم لا يجوزون المسح على هذه الجوارب الرقيقة المنسوجة من صوف ونحوه.
مذهب الشافعية ::
يرى فقهاء الشافعية كغيرهم من الفقهاء أن هناك شروطًا معتبرة في الملبوس حتى يصح المسح عليه، وقد بينوا أن من هذه الشروط المعتبرة في الخفين وما شابههما:
1) أن يلبسهما بعد تمام الطهارة.
2) أن يكون الملبوس طاهرًا .
3) أن يكون ساترًا لمحل الغسل، أي يغطي القدمين إلى الكعبين .
4) أن يكون الـملبوس قويًا - ثخينًا- يمكن متابعة المشي عليه، من دون حاجة إلى حذاء وما شابه.
5) أن يمنع نفوذ الماء، أي لو صب عليه الماء لم ينفذ إلى القدم.
والملاحظ أن الشرطين الأخيرين لا يتوفران في الجوارب التي يعتاد الناس لبسها الآن، فهي ليست قوية ثخينة، ولا يمكن متابعة المشي عليها، فيحتاج لابسها إلى الحذاء أو النعل. كما أنها لا تمنع نفوذ الماء إلى القدم، ولهذا فلا يجوز عندهم المسح على مثل هذه الملبوسات.
قال الإمام النووي في المجموع (1/564 ):(( الصحيح من مذهبنا أن الجورب إن كان صفيقًا يمكن متابعة المشي عليه جاز المسح عليه، وإلا فلا )).
ويقول أيضًا في المجموع (1/567):(( أما ما لا يمكن متابعة المشي عليه لرقته فلا يجوز المسح عليه بلا خلاف)).
ويقول الإمام ابن حجر الهيتمي في المنهاج القويم (ص78) في شروط المسح على الخفين:(( وأن يكون مانعًا من نفوذ الماء لو صب عليه، فالعبرة بماء الغسل، فلا يجزئ نحو منسوج لا صفاقة له)).
وهذه الشروط لا تنطبق على الجوارب المنسوجة الرقيقة التي يلبسها عموم الناس تحت الأحذية، فلا يجوز المسح عليها عندهم .
:: مذهب الحنابلة ::
المعتمد في مذهب الحنابلة جواز المسح على الخف وما في معناه بشروط غير متوفرة في الجوارب المنسوجة المعتاد لبسها الآن .
وقد نص أئمة الحنابلة في كتبهم الفقهية على جواز المسح على الجورب، إلا أنهم يقصدون به الجورب القوي الذي يمكن متابعة المشي عليه.
يقول إمام الحنابلة موفق الدين ابن قدامة المقدسي مفصلاً ذلك في كتابه الكافي:(1/76) أثناء ذكره لشروط المسح على الخفين:(( الشرط الثاني: أن يمكن متابعة المشي فيه، فإن كان يسقط من القدم لسعته أو ثقله، لم يجز المسح عليه، لأن الذي تدعو الحاجة إليه هو الذي يمكن متابعة المشي فيه، وسواء في ذلك الجلود واللبود والخرق والجوارب)).
ويقول الإمام شمس الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي في الشرح الكبير (1/281):(( والجورب في معنى الخف، لأنه ملبوس ساتر لمحل الفرض، يمكن متابعة المشي فيه، أشبه الخف. وقولهم: لا يمكن متابعة المشي فيهما. قلنا: إنما يجوز المسح عليهما إذا ثبت بنفسه، وأمكن متابعة المشي فيه، وإلا فلا. فأما الرقيق فليس بساتر)). ومثله في كشاف القناع للشيخ منصور البهوتي .
والبعض لم يفهم كلام الحنابلة، وجوز المسح على الجوارب الرقيقة التي لا يمكن متابعة المشي عليها مع أن فقهاء الحنابلة كما رأينا يشترطون ذلك، إلا أنهم لم يشترطوا أن يكون الجورب منعلاً أو مجلدًا.
والبعض يعزو خطأَ جواز المسح على الجوارب الرقيقة إلى الإمام ابن تيمية، والصحيح أن ابن تيمية لم يخرج عن مذهب الحنابلة في هذه المسألة، ولم يجز المسح إلا على الجوارب الثخينة التي يمشى فيها، بخلاف الجوارب المنسوجة الآن .
فيقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (21/214) بعد أن سئل عن المسح على الجورب:(( نعم، يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء كانت مجلدة أو لم تكن)) .
ويقول الإمام ابن القطان الفاسي في كتابه الإقناع في مسائل الإجماع: المسألة رقم (351): ((وأجمع الجميع أن الجوربين إذا لم يكونا كثيفين لم يجز المسح عليهما)) .
وبذلك يتبين أن شرط الثخانة والمشي على الخفين والجوربين من الشروط التي أجمع عليها جمهور فقهاء أهل السنة والجماعة، والمخالف لذلك لا تصح صلاته عند جمهور الفقهاء .
المصدر: http://ejabat.google.com/ejabat/thread?tid=32de44cd2aaf9a56