مميز
الكاتب: د. عبد الفتاح أبو غدة
التاريخ: 18/10/2015

قيمة الزمن عند العلماء

كتب مختارة

لهذا العنوان الصغير أطراف كثيرة وكبيرة من المعاني والمواضيع، تَتَجاذبان الكلام فيها، فللزمن قيمةٌ عند الفلاسفة غيرُ قيمته عند التجار، وغيرها عند السياسيين، وغيرها عند الشباب، وغيرها عند الشيوخ، وغيرها عند طابة العلم وأهل العلم.


وأخص بحديثي "قيمة الزمن" عند طلبة العلم أهل العلم فحسب، رجاء أن يكون ذلك حافزاً لِهمَمِ أصحاب العزائم من شبابنا طلاب العلم، في هذه الأيام التي فَتَرَت فيها هِمَمُ الطالبين، وتقاعست غاياتُ المجدِّين، وندر فيها وجود الطلبة المحترقين بالعلم، فمات النبوغ وساد الكسلُ والخمول، وبرز من جراء ذلك الضعف والتأخر في صفوف أهل العلم وآثارهم، فأقول: إنَّ نعم الله تعالى على عباده كثيرة لا تُحصى، ولا يمكن للبشر أن يُحصوها أو يدركوها على حقيقتها، وذلك لكثرتها، واستمرارها، ويُسرها، وتتابع إنعام الله بها، وتفاوُت مدارك الناس بها، وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).


ومن أصول النعم أيضاً: نعمة العلم، فهي نعمة كبرى يتوقَّفُ عليها رقيُّ الإنسانية وسعادتها الدنيوية والأخروية جميعاً، فالعلم نعمةٌ جُلَّى، كيفما كان، فتحصيله نعمة، والانتفاع به نعمة، والنفع به نعمة، وتخليد ونقله للأجيال المقبلة نعمة، ونشره في الناس نعمة، وهكذا.


وهناك أمثلة كثيرة لأصول النعم لا أطيل بذكرها مراعاةً لقيمة الزمن.


من أجلِّ أصول النعم: ومن أصول النعم أيضاً، بل من أجل أصولها وأغلاها: نعمة "الزمن"، الذي جَمَعْتُ هذه الصفحات للحديث عن قيمته، في جنب طلبة العلم وأهلِ العم خاصة.


فالزمن هو عُمرُ الحياة وميدان وجود الإنسان، وساحة ظِلِّهِ وبقائِهِ ونفعه وانتفاعه.


وقد أشار القرآن الكريم إلى عظم هذا الأصل في أصول النعم، وأَلمعَ إلى علو مقداره على غيره، فجاءت آيات كثيرة ترشد إلى قيمة الزمن، ورفيع قدره وكبير أثره.


نَدَمُ ابن مسعود على اليوم يَمُرُّ من عُمره: قال الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما ندمت على شيء ندمي على اليوم غربت شمسُه، نَقَصَ فيه أجلي، ولم يَزِد فيه عملي.


الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما: وقال الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما.


يا ابن آدم إنما أنت أيَّام! وقال الحسن البصري رضي الله عنه: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك. وقال أيضاً: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشدَّ منكم حرصاً على درهمكم ودنانيركم.


أكثر الناس يضيعون الوقت بما لا ينفع: وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً! إن طال الليل فبحديثٍ لا ينفع، أو بقراءة كتابٍ فيه غَزَل وسَمَر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق _وكان ابن الجوزي يعيش في بغداد_ فشبَّهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي يجري بهم، وما عندهم خبر!! ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود، فهم في تعبئة الزاد والتهيؤ للرحيل، فالله الله في مواسم العمر، والبدارَ البدارَ قبل الفوات، ونافِسوا الزمان.


تعوَّذ ابن الجوزي من صحبة البطَّالين: وأعوذ بالله من صحبة البطالين! لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد: خدمة! ويطيلون الجلوس، ويُجرون في أحاديث الناس وما لا يعني، ويتخلله غيبة. وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور، وتشوَّق إليه، واستوحش من الوحدة، وخصوصاً في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقصرون على الهناء والسلام، بل يمزجزن ذلك بما ذكرته من تضيع الزمان!


قيامه بأعمال لا تمنع من المحادثة وقت لقاء الزوار : فلما رأيت أن الزمان أشرَفُ شيء، والواجب انتهابُه بفعل الخير، كرهتُ ذلك وبقيتُ معهم بين الأمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبَّلته منهم ضاع الزمان! فصرتُ أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلبت قصَّرت في الكلام لأتعجَّل الفراق. ثم أعددتُ أعمالاً لا تمنع من المحادثة، لأوقات لقائهم، لئلا يمضي الزمان فارغاً، فجعلتُ من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد _أي قص الورق_ وبَريَ الأقلام، وحَزمَ الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم، لئلا يضيع شيء من وقتي.


شرف الوقت لا يعرفه إلا الموفَّقون: ولقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحيات، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر. ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومهم من يقطع الزمان بحكاية الحوادث عن السلاطين والغلاء والرُّخص إلأى غير ذلك، فعلمتُ أن الله تعالى لم يُطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفَّقه وألهمه اغتنام ذلك، (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). نسأل الله عز وجل أن يعرفنا شرف أوقات العمر، وأن يوفقنا لاغتنامه.


حفاظ السلف على الوقت وحذرهم من إضاعته: وقد كان القدماء _يعني السلف_ يحذرون من تضييع الزمان، قال الفضيل بن عياض: أعرِفُ من يَعُدُّ كلامه من الجمعة إلى الجمعة.


ودخلوا على رجل من السلف، فقالوا: لعلنا شغلناك؟ فقال: أصدقكم، كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم! جاء عابد إلى الشَّريّ السقطي، فرأى عنده جماعةً، فقال: صرت مناخة البطَّالين! ثم مضى ولم يجلس.


ومتى لان المزور طمِعَ فيه الزائر فأطال الجلوس، فلم يسلم من أذى. وقد كان جماعةٌ قعدوا عند معروف الكرخي، فأطالوا، فقال: إنَّ ملَكَ الشمس لا يفتر عن سَوقِها، فمتى تريدون القيام؟! 

تحميل