مميز
الكاتب: ابنة الزهراء
التاريخ: 04/10/2015

الشيخ عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني

مشاركات الزوار

الشيخ عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني
مشاركة زوار: ابنة الزهراء
اسم الشيخ ونسبه:
حين يقصد المرء ترجمة الشيخ رحمه الله يحار فكره بماذا يصفه؟! وهو الذي بات نظيره أندر من الندرة في عصر لم يعد يبرع فيه المختصون ضمن أكثر من اختصاص، فقد جمع شيخنا بين علمي الشريعة واللغة العربية؛ فأنتج فطرًا جادًا ودعوة نشطة مزودة بحسن الاقتداء بسيد البشر صلى الله عليه وسلم ومن المسلم به بين أهل العلم والفضل...
العلامة الجليل الأستاذ عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني هو: أحد أعلام هذا العصر المميزين، وهو الدمشقي نسبًا الميداني حيًّا الشافعي مذهبًا نزيل مكة المكرمةـ زاده الله شرفًا وعزًّاـ
وهو ممن أفاد الله بعلومه، واستعمله في نشر العلم والدعوة، ونصرة الحق وإعلاء كلمة الله.
مولده ونشأته:
ولد عالمنا رحمه الله تعالى سنة /1345/ للهجرة الموافق /1927/ للميلاد في بيئة غزيرة العلم تنبع بالعطاء، اعتنى به والده العلامة العلامة الجليل حسن حبنكة الميداني رحمهما الله تعالى؛ فأخذ بيده غرسة طيبة لتنمو في أرض الصلاح وسقاه من علوم الشريعة والعربية، وتبرعم في مدرسة التوجيه الإسلامي، حيث بدأت زهور العلم والمعرفة تتفتح حين شرع يعلم فيها، وما لبث أن هيّأ له الله عز وجل تحصيل الشهادة العالمية من كلية الشريعة في الأزهر مرفقة بإجازة في التدريس، ثم قفل راجعًا أدراجه إلى دمشق الشام، فغدت شجرة العلم محملة بالثمار الناضجة، وتم اختياره عضوًا في هيئة البحوث بوزارة التربية السورية، وعين مدرسًا في الثانويات، وعمل خطيبًا في مساجد دمشق، ومديرًا عامًا للتعليم الشرعي في سورية وأسس عدة مدارس شرعية في مدن سورية
لمحة عن حله وترحاله ونشاطه العلمي والدعوي ومؤلفاته:
مكث في دمشق إلى ما بعد عام:/1967/ للميلاد حيث أقام في الرياض أستاذًا في جامعة أم القرى حوالي ثلاثين عامًا، وهو أول من أسس مادة الغزو الفكري، وكان عضوًا في مجمع الفقه الإسلامي، وعضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي وعضو المجلس الأعلى لهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، وشارك في بعض البرامج الإذاعية السعودية ؛ فقضى بذلك جل وقته في المنشط والمكره يؤلف كتبًا بنتاج علمي غزير مفيد، أهمها:
ـ العقيدة الإسلامية وأسسها ـ "ابتلاء الإرادة بالإيمان والإسلام والعبادة"، الذي قال لنا عنه: إنه يشرح سر الوجود.
وله مؤلفات عديدة في التفسير، أهمها:
ـ قواعد التدبر ومعارج التفكر ،وهي خمسة عشر مجلدًا، تضمنت تفسيرًا للقرآن الكريم مرتبًا بحسب نزول السور، ومع بدء تفسيره للقرآن الكريم ألف كتابًا وضع فيه قواعد التفسير، سماه: "قواعد التفسير الأمثل لكتاب الله" وأنهى السور المكية، وما إن شرع بالسور المدنية حتى وافته المنية ،وفارقت روحه الزكية جسده الطاهر وكتب في علم المنطق كتابًا سماه: " ضوابط المعرفة ،وأصول الاستدلال والمناظرة" وله مؤلفات فكرية موضوعية منهجية،في مقدمتها بصائر للمسلم المعاصر وكتب في علم البلاغة، كتابًا سماه: "البلاغة العربية" .
وله كتاب "الأخلاق الإسلامية، وأسسها" وله دواوين شعرية هادفة، وهي:
"ترنيمات إسلامية"، "آمنت بالله"، "أقباس "، التي صاغ منها المنشدون أناشيد تشحذ العزائم، ومن أروع أبياته:
إن كنت في حب النبي متيَّمًا فاتبعه في الحركات والسكنات
أهم ماتركت تلك اللقاءات في نفسي من آثار كانت من خلال بعض مؤلفاته أولاً، وأربع لقاءات به ثانيًا، فالمرحلة الأولى شكلت لدينا انطباعات معنوية، أما الثانية فقد حولت الأمر إلى واقع محسوس معاش مطابق لماعرفناه عنه من خلال كتاباته وتركت هذه اللقاءات صورًا تتلمح في الذاكرة ،تنم عن التواضع الجم الذي تربع قمة أخلاق الشيخ رحمه الله تعالى
وها أنا ذا أفرد أسطرًا للحديث عن تلك اللقاءات التي يعود الفضل فيها لسيدي العالم الرباني الداعية الأستاذ:" محمد عدنان السقا" حفظه الله تعالى ،وأدام النفع به وجزاه خيرًا. لم يكن ليغيب عن كل ذرة من كيان الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى أن هذه الدنيا مؤقتة ،وأن الإنسان في مهمة ستنتهي عادلاً أم آجلاً، وكان ديدنه ربط كل فكرة يذكرها لنا ما أمكن باليوم الآخر، ولطالما أرفق اسمه بلفظ المرحوم كلما احتاج الأمر لأن ينصح بأحد مؤلفاته حباه المولى خفة ظل مع وقار- صقلت وجهه بإشراقة خاصة- وحلم ،وتؤدة ،وكرم ضيافة، وبديهة حاضرة ؛ ففي إحدى الزيارات كثر إلى حد ما عدد الطالبات ،ولم يجدن مكانًا للجلوس، فقال الشيخ لأهل بيته أحضروا كراسي لمن هم كراسي قاصدًا بذلك معنى: (كرأسي)، ومرة قال لنا : لَبناتي لِبناتي امتاز الشيخ بروح شفافة ،وإحساس مرهف ،وعمق نظر ،ورحابة صدر، وكان في كل لقاء يزداد ألقاءً ونورًا وذات مرة أضفى على اللقاء طابعًا خاصًا مميزًا ،وذلك بتحديد ميزات لبعضنا من خلال أسئلتنا واستفساراتنا ،إلى جانب ما تمتع به من فراسة صادقة، فقال لإحدانا:
أنت صاحبة المسائل، ولأخرى: أنت صاحبة المشاكل ،ولثالثة: أنت الجريئة التي بينهن؛ فكانت الأولى تأتي بأسئلة منتقاة بعناية معظمها من كتبه، والثانية بما هو مشكل، والأخيرة تناقش بثقة.
وأما النصيحة التي تكررت على مسامعنا بيانًا وشرحًا: " لا تجعل ولاءك إلا لله بيانًا وشرحًا " ولم تكن شدة مرضه لتمنعه من إحياء العلم والعمل بالدعوة كنا نهاتفه أحيانًا؛ فيخبرنا ابنه الدكتور وائل بسوء الوضع الصحي للشيخ؛ فيؤجل الموعد ريثما تتحسن صحته قليلاً كان يصارع الألم بجلد، ورباطة جأش، وفي ختام كل جلسة يتضرع إلى الله تعالى بدعوات بحال تعتريه الخشية يملأ الوجدان بمعاني قوله تعالى:
(إنما يخشى الله من عباده العلماء) كنا نغادر المكان بكنوز علمية ثمينة، وشحنات روحية بليغة الأثر، وهمة عالية متجدّدة.
افترقنا بعد آخر لقاء على وعد منه أن نقرأ عليه كتابه : "ضوابط المعرفة"، ولكن حال الأجل دون ذلك، فقد التقط أنفاسه الأخيرة على فراش المرض مع وميض شمس الأربعاء: / 11 / آب /2004 / للميلاد في مقبرة الجورة.
فكانت وفاته مصداقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً ؛ فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" - نجّانا الله منهم، ومن الفتن ما ظهر منها وما بطن.