مميز
الكاتب: الشيخ محمد ياسر القضماني
التاريخ: 14/09/2015

هل تحج له؟!

مقالات

هل تحجّ له؟!

د. محمد ياسر القضماني

من هو؟!

هو الله - جل جلاله -!! وهل ينبغي أن يكون شيء من الأعمال إلا له وإلا من أجله؟! جل جلاله، وتعالى في علاه!

أخبرني - رحمك الله – ما فائدة أن تحج من أجل أن يقال كذا، أو يعتقد كذا، أول يعتقد كذا؟!

إلى متى نزج أنفسنا في أوهام، نعم أوهام؟!

من قال لك إنك قادر على إرضاء هؤلاء الذين تسعى في مرضاتهم، وتبذل كرائم أموالك ونفائس أوقاتك رخيصة في سبيل محابهم؟!

من قال لك أنك بذلك تُكَرمُ عليهم، وتَعظُمُ في أعينهم؟!

لا،لا، إنك هينٌ في أنفسهم، بل لا تستصغر الناس أحداً - بما جبلت عليه في أصل فطرتها من تعظيم الحقيق بالتعظيم والمحبة ألا وهو الله تعالى - كاستصغارها لهؤلاء المفتونين بالدنيا، العابدين لشهواتهم، وحظوظ أنفسهم!

***

وتقترب أيام الوفود على مكة والمشاعر، والتلبس بالمناسك والشعائر، وتهتاج الأرواح لهاديها وقدوتها، نعم! من لا يشتاق لله وسوله، والداعي قد دعا، والمنادي قد نادى؟!

لقد دُعي أبو الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم عليه وعلى نبينا وجميع الأنبياء صلوات لله وسلامه إلى أن يُؤذن في الناس بالحج؛ ولما أشفق من ذلك، وما الذي يبلغ صوته؟! جاء البيان: عليك النداء، وعلينا البلاغ! فما أن نادى حتى أجابت ولبت! ومما ورد: (فمن لبى مرةً أجاب مرة، ومن لبى مرتين أجاب مرتين).

ولكن ليس كل من يجيب يصفو له عمله، وليس كل من يصل إلى هناك يكون موصولاً مقبولاً، وهل يقال: لبيك وسعديك لكل من قال: لبيك اللهم لبيك؟!

يحكى عن أبي محمد المرتعش أنه قال:

حججت كذا، وكذا حجة على التجريد - أي بدون تزود وإعداد - فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبتاً بحظي؛ وذلك أن والدتي سألتني يوماً أن أستقي لها جرّة ماء، فثقل ذلك على نفسي، فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كانت لحظٍّ، وشوبٍ لنفسي؛ إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو ق في الشرع.[1]

أرأيتم؟ كيف كانوا يحاسبون أنفسهم، وكيف يتحققون من دخائل نفوسهم، وقبائح شهواتهم، وشنائع أهوائهم؟!

كثيرٌ منا لا يلتفت لذلك، ولا يستشعره فضلاً عن معرفة مصيبته، والتحقق بآفاته!

كم عانى أبو محمد هذا في حجاته من أهوال، ومتاعب وأحمال ثقال في سبيل أن يتم حجه، ويتأذى نسكه على أتم وجه، ولما سألته والدته أن يستقي لها جرة ماء ما سهل عليه أمرها، ولا هشت روحه للمسارعة لواجب، بل لأوجب الواجبات، وأشهر الطاعات، وأبرك القربات، وهل أعظم من أن يلحق الله بر الأمهات بتوحيد رب البريات، وخالق الأرضين والسموات؟!

حنانيكم! يا من تتأثرون إن فاتكم الموسم، وقد أعددتم له كل عدة! يا من تتأسفون إن لم يتقدموا هذا العام على كعبته وبيته الحرام، ولا تتأثرون ولا تتأسفون إن قطعتم أرحامكم، بل هجرتم أولاهم وأقربهم بالصلات، وعزيز الهبات، وسني الأعطيات!

حنانيكم! يا من تتنغصون إن فاتكم الوقوف بعرفة هذا العام ولا تتنغصون إن فاتكم التعرف على ما يصحح وجهاتكم ويصوب أعمالكم ويطهر نفوسكم!

حنانيكم! يامن تعكر لفوات منى، وما مناهم إلا إرضاء الأهواء الدنيوية، والشهوات الخفية!

حنانيكم! يا من تحسرتم أن لم تصلوا في الروضة الشريفة وتقابلوا الحجرة المنيفة، وتحظوا بالسلام على خير الأنام، إن كنتم يا هؤلاء محبين فلماذا تخالفون وتشردون، لم تُفوتون وتفرطون في الآداب النبويات، والسنن المرعيات؟!!

إننا نغرى بكثير من الأعمال ونفرح بها بل ونطرب لها أيما طرب، وربما أنها ستؤهلنا لدخول الجنة من أبوابها الثمانية، غير أنه لو دقق المرء المنصف المنور بهداية لمخلصين، وعبادة المقربين، لعرف وتيقن أن أعماله هذه دعاوى عريضة؛ كان يتعبد فيها حقاً ولكن لا مولاه وخالقه؛ وإنما لنفسه وحظوظه وشهواته!! كم مرَّ على ظهر هذه الأرض ممن يحسبون أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً! ومتى تظهر البواطن؟!

هنالك! عندما تبلو كل نفس ما أسلفت!

فالآن دققوا يا أيها الحجاج - والحديث عنكم - اهتفوا في آذان قلوبكم، ما الذي حملكم على الذهاب والإياب إرضاء رب الأرباب، ومحبة سيد الأحباب، أم غير ذلك؟!

تولنا يا رب فلا نلتفت لسواك، يا رب غفراً غفراً!

[1] الرسالة القشيرية: 1/268

تحميل



تشغيل