مميز
التاريخ:

العارفة بالله رابعة الشّاميّة في (مدينة دمشق)

أعيان الشام

العارفة بالله رابعة الشامية في (مدينة دمشق)
الباحثة نبيلة القوصي
راحتي يا إخوتي في خلوتي وحبيبي دائما في حضرتي
لم أجد لي عن هواه عوضا وهواه في البرايا محنتي
حيثما كنت أشاهد حسنه فهو محرابي، إليه قبلتي
إخوتي الكرام:
من مدينة دمشق الحبيبة التي تفخر دوماً بمديح النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: "..إذا فسد أهلها فلا خير فيكم"، والتي تزخر بنماذج رائعة من النساء الفاضلات والمحدثات والفقيهات والمفتيات والعارفات بالله.. نقف عند سير بعضهن وقفة تأمل نتلمّس فيها من بعض آثارهن ونهجهنّ الروحاني المنبعث من أرضها.. ندعوكم من خلال زاوية (معالم وأعيان)، لقراءة متأملة ومتبصّرة لسير أهل الإخلاص والعشق الإلهي، الذين سُطّرت أسمائهم في كتب التاريخ تحت عنوان: العشق الإلهي، فأي شرف وعزّ نالهم؟!
هنيئاً لهم! ونرجو الله ألّا يحرمنا من تذوق حلاوة هذا الحب المقدس: بالقلب والجوارح قبل اللسان..
نطلّ عليكم اليوم، بسيرة إحدى العارفات بالله التي اشتهرت بأقوال وأحوال لها في حب وعشق الله عز وجل والشوق إليه.. وما الشوق إلا عبارة عن رحلة روحية يقوم بها الإنسان بوجدانه وكيانه إلى الله وحبيبه وصفيّه..
سندخل وإياكم بوابة المعرفة التاريخية دخولاً مميزاً بمشاعر الحب و الشوق، وأي شوق؟!.. ألا وهو الشوق إلى الله ورسوله،نتأمل قول الله عز وجل، وقول نبيه الكريم، بماذا نصحونا؟
قال تعالى: ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله...)). فإتباع النبي مع المحبة بداية هذا الطريق...
وقال صلى الله عليه وسلم: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي".
وقال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده وأهله والناس أجمعين".
فعِشْ أيها الدمشقي في أعلى درجات هذا النعيم من الشوق، وهيا نُرهف السمع بأفئدتنا لأقوال هذه العارفة، عسى الله أن يتولانا بعظيم رحمته ورعايته وينقذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا قبل الرحيل إليه.....
من هي هذه العارفة بالله؟
هي رابعة بنت سليمان الشامية، محدثة من محدثات وعابدات الشام، لها أحوال شتى: مرة يغلب عليها الأنس، وأخرى يغلب عليها الخوف.... وما خاب عبد عاش بين جناحي الخوف والرجاء، فنحن في خوف مستمر من الله عز وجل لأننا لسنا سوى عبيد له تعالى، فهو الرب والإله القادر.. ولكن حبه لنا ورحمته بنا هما اللحن الجميل الذي نحيا به...
تُجمع المصادر أن فترة حياتها كانت في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث للهجرة، فهي تعد من أتباع التابعين، توفيت عام 229 ھ.
يقول الذهبي في سير الأعلام : أنها أصغر من رابعة العدوية البصرية الملقبة ب ( أم الخير) التي توفيت عام 135ھ.. وقيل 180ھ.
ويقول : كان لرابعة الشامية حكايات وكرامات تداخلت مع حكايات رابعة العدوية البصرية، ذلك لأن صيتهما وشهرتهما بلغت الآفاق بالعشق والحب الإلهي...
لكن رابعة العدوية لم تتزوج في حياتها، بينما رابعة الشامية كانت زوجة للشيخ أحمد بن أبي الحواري الزاهد العابد الذي توفي عام 285 ھ
وتخبرنا الحوليات الأثرية أن رابعة الشامية مدفونة عند (المدرسة القيمرية) بدمشق، ومشهدها إلى جانب المدرسة..
من أقوالها:
*ما سمعت الأذان إلا ذكرت منادي القيامة، ولا رأيت الثلج إلا رأيت تطاير الصحف، ولا رأيت جراداً إلا ذكرت الحشر..
*إن العبد إذا عمل بطاعة الله أطلعه الجبار على مساوئ عمله فتشاغل به..
*أستغفر الله من قلة صدقي في قولي استغفر الله...
*وقال زوجها : دعوت رابعة فلم تجبني، فلما كان بعد ساعة أجابتني وقالت : إنما منعني من أن أجيبك أن قلبي قد كان امتلأ فرحاً بالله، فلم أقدر أن أجيبك..
*وقال : إذا طبخت قدراً قالت : كلها يا سيدي فما نضجت إلا بالتسبيح...
* وكان مما قالت :
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانـس وحبيب قلبي في الفؤاد أنــيســـــــــــــي
وزادي قليل ما أراه مـبـلـغـي أللزاد أبكي أم لطول مســافـتــــــــي؟
أتحرقني بالنار يا غاية المنى فأين رجائي منك؟ أين محبتـــــــي؟
ندعو المولى أن ينفعنا ويلهب أرواحنا بالشوق والحب له من دون ابتلاء، وأن يلهم نفوسنا الإنابة المستمرة إليه، والمجاهدة في محراب ألوهيته وربوبيته بذل وانكسار بين يديه، ويصلح أعمالنا وسرائرنا بإحسان ورحمة وتفضل منه...
إخوتي القراء:
لم نجد في كتب التاريخ عن رابعة الشامية سوى ما ذكرناه، لكن من صميم سيرتها يرتشف القلب متعة وأنس، ألَا بذكر الصالحين تتنزّل الرحمات.. ولنكمل معا في وصف حال هؤلاء العارفين بالله.. ربما يحن ويشتاق قلبك لسلوك إيمانيا روحانيا يوصلك إلى الحبيب...
هم صنف من أولياء الله وأتقيائه، أعلاهم مرتبة وقربى من الله،ذلك لأنهم يحملون قلوباً طاهرة سليمة وضّاءة تنبض بحب الله ورسوله، ينيرون للخلق السبيل بهذا النور الذي ورثوه من النبوة المحمدية، ليقتدي بهم ويهتدي بهديهم العباد..
فالعارفون بالله يا إخوتي، هم بقية الله في الأرض.. وما أروعه من وصف وحال، لكن الصعوبة في التطبيق ومجاهدة النفس وهواها، حتى تبقى صافية نقية، ويبقى القلب سليماً طاهراً يتشرّف في دخول أجواء معنى قوله تعالى: ((..ولا تخزني يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم)).
واقرأ، أخي المتبصّر المتأمل، كلمات للإمام الرفاعي، سلطان العارفين، يعرّف المعرفة الإلهية قائلا :(المعرفة الإلهية، شجرة نورانية ثمينة الجواهر مثمرة الأغصان حلوة الثمار، نقيةٌ أرضها، عذبٌ ماؤها.. وشجرة المعرفة الإلهية لا يغرسها الله عز وجل إلا في بستان قلب عبد مؤمن سليم من الأحقاد.. فالعارف بالله له أربعة أجنحة: الخوف والرجاء والحب والشوق.. والمعرفة لا تجيء بالتمنّي والتغنّي..). اللهم أدركنا من أحلام الغفلة قبل فوات الأوان، واجعلنا من المعتبرين قبل يقظة الموت......
ماذا بعد يا إخوتي؟
جولة سياحة روحانية مع الصالحين من فوق أرض دمشق لابد أن تكون نسماتها مميزة...
فجهادهم بدأ من القلب حتى يبقى سليماً، وهذا هو لب القصيد لكل واحد منا.. ولا ننسى قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد أن يلفت انتباه الصحابة، ونحن من بعدهم لأمر هام، عندما قال:
"يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة".. وعندما بحثوا عن السبب....
كان الجواب: أنه ينام وليس في قلبه غلّ لأحد!.. أي سليم القلب صافياً من الأحقاد والأطماع.. ألم يقل مرّبينا العظيم : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))
و يؤسفنا أن تغيب هذه المعاني والقيم النبوية الرائعة التي أرادها الله ونبيه لنا لنكون بها شامة بين العباد، حتى ينادي علينا يوم القيامة فندخل في زمرته.. اللهم لا تحرمنا ذلك يا رب...
المصادر :
سير الأعلام/ للذهبي.
صفوة الصفوة/ لابن الجوزي.
الحوليات الأثرية العربية السورية.


تشغيل