مميز
التاريخ: 25/05/2015

العرف بين الشرع والقانون بحث لـ د. وهبة الزحيلي

بحوث ودراسات

العرف بين الشرع والقانون
د. وهبة الزحيلي
العرف: هو ما اعتاده الناس وساروا عليه من كل فعل شاع بينهم، أو لفظ تعارفوا إطلاقه على معنى خاص لا تألفه اللغة، ولا يتبادر غيره عند سماعه.
وقد شمل هذا التعريف العرف العملي، والعرف القولي، وكل منهما إما عرف خاص أو عرف عام.
فالعرف العملي: هو ما اعتاده الناس في أفعالهم العادية أو معاملاتهم المدنية، مثل اعتيادهم أكل نوع معين من اللحوم أو الحبوب أو استعمال نوع خاص من الملابس والأدوات ونحوها، وتعارفهم قسمة المهر إلى معجل ومؤجل، وتعاملهم ببيع المعاطاة من غير وجود صيغة لفظية تدل على الإيجاب والقبول.
والعرف القولي أو اللفظي: هو استعمال الناس بعض الألفاظ أو التراكيب في معنى معين لا تألفه اللغة، مثل تعارفهم إطلاق الولد على الذكر دون الأنثى، وعدم إطلاق لفظ (اللحم) على السمك، وإطلاق لفظ (الدابة) على الفرس.
والعرف العام: هو ما يتعارفه غالبية أهل البلدان في وقت من الأوقات، مثل تعارفهم عقد الاستصناع، واستعمال لفظ (الحرام) بمعنى الطلاق لإزالة عقد الزواج، ودخول الحمام من غير تقدير الأجرة، أو مدة المكث، أو مقدار الماء المستهلك.
والعرف الخاص: هو ما يتعارفه أهل بلدة أو إقليم أو طائفة معينة من الناس، كإطلاق كلمة (الدابة) في عرف أهل العراق على (الفرس)، واعتبار دفاتر التجار حجة في إثبات الديون.
والعرف في اعتبار الشرع إما صحيح أو فاسد.
العرف الصحيح: هو ما تعارفه الناس دون أن يحرم حلالاً، أو يحل حراماً كتعارفهم تقديم عربون في عقد الاستصناع، وأن الزوجة لا تنتقل إلى بيت زوجها إلا بعد قبض جزء من المهر، وأن المهر قسمان: معجل ومؤجل، وأن ما يقمه الخاطب أثناء الخطبة يعتبر هدية، وليس جزءاً من المهر.
وأما العرف الفاسد: فهو ما تعارفه الناس ولكنه يحلّ حراماً أو يحرم حلالاً، كتعارفهم أكل الربا، والتعامل مع المصارف بالفائدة، والمقامرة باليانصيب، واختلاط النساء بالرجال في الحفلات والأندية العامة، وتقديم الخمور والأنبذة، وإقامة محافل الرقص في الأفراح والحفلات، ترك الصلاة في الاحتفالات العامة.
وقد شرط الفقهاء شروطاً في العرف الذي يجوز في الشرع اعتباره والعمل بمقتضاه، من أهمها ألا يعارض نصاً شرعياً في القرآن أو في السنة، وأن يكون مطرداً أو غالباً أي مستمراً العمل به في جميع الحوادث، أو يجري العمل عليه في أغلب الوقائع. وبهذا يفترق عن الإجماع، فإن الإجماع مبناه اتفاق مجتهدي الأمة الإسلامية، أما العرف فلا يشترط فيه الاتفاق، وإنما يكفي فيه سلوك الأكثرية بما فيهم العوام والخواص، فهو لهذا أشبه بالسيرة.
وللعرف أهمية كبرى في مختلف التشريعات وعند كل الأمم، لذا يعتبر في القانون الوضعي أحد مصادر التشريع، بل إن كثيراً من نصوص القانون وأحكامه الآمرة أو المتعلقة بالنظام العام إنما هي مترجمة عن العرف الشائع في البلاد.
أما في الإسلام فهو عند التحقيق ليس دليلاً شرعياً مستقلاً، لأنه مبني في الغالب على مراعاة الضرورة أو الحاجة والمصلحة، أو دفع الحرج والمشقة، والتيسير في مطالب الشرع.
قال الشاطبي: العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعاً، كانت شرعية في أصلها، أو غير شرعية، أي سواء اكانت مقررة بالدليل شرعاً أمراً أو نهياً أو إذناً، أم لا. أما المقررة بالدليل فأمرها ظاهر. وأما غيرها، فلا يستقيم إقامة التكليف إلا بذلك، لأن الشارع لما جاء باعتبار المصالح كما هو معلوم قطعاً، لزم القطع بأنه لابد من اعتباره العوائد، لأن أصل التشريع سببه المصالح، والتشريع دائم، فالمصالح كذلك، وهو معنى اعتباره للعادات في التشريع، ووجه آخر، وهو أن العوائد لو لم تعتبر لأدى إلى تكليف ما لا يطاق، وهو غير جائز أو غير واقع.
ونطاق تأثير العرف عند الفقهاء يتحدد في أنه حجة في تفسير النصوص التشريعية، وقد يراعى في تشريع وتوليد وتعديل الأحكام، وبيان وتحديد أنواع الإلزامات والالتزامات في العقود والتصرفات والأفعال العادية حيث لا دليل سواه.
وعلى هذا فقد يترك النص الخاص ويؤخذ بالعرف عند الضرورة، وقد يخصص النص بالعرف أو تعامل الناس، وقد يقيد إطلاقه به، وقد يترك به القياس الاجتهادي أو الاستصلاح الذي لا يستند إلى نص، بل إلى مجرد المصلحة الزمنية، لأن العرف دليل الضرورة أو الحاجة، فهو أقوى من القياس ونحوه.
ومن الأدلة الشرعية على اعتبار العرف قول ابن مسعود (رض): ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ))، وقد قال العلماء: ((الثابت بالعرف كالثابت بالنص))، ((العادة محكَّمة)) أي معمول بها شرعاً.
وهناك كلام كثير عن العرف موضح في كتب القواعد والأصول. والذي يهمّنا هنا: هو أن الضرورة أو ما في حكمها كالحاجة، قد تكون باعثاً على تكوين العرف، فكثير من الأعراف ينبني على أساس من المشقة تستوجب التيسير في الحكم الشرعي، وعندئذ يكون العرف سبباً من أسباب إباحة الفعل أو تغيير الحكم، لأن في عدم اعتبار العرف حرجاً عظيماً على الناس، قال ابن عابدين: ((كثير من المسائل الفقهية ما يبنيه المجتهد على ما كان في عرف زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولاً، ولهذا قالوا (أي العلماء) في شروط المجتهد: إنه لابد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً، لزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام. ولهذا ترى مشايخ المذهب (أي الحنفي) خالفوا ما نصَّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبه((.
ومن أمثلة العرف للضرورة أو للحاجة ما يأتي................:
لقراءة البحث كاملاً من خلال الملف في الرابط أدناه

تحميل



تشغيل