مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 07/03/2015

الأمير (أبو النور) في سفح قاسيون

أعيان الشام

الأمير (أبو النور) في سفح قاسيون

إخوتي قراء زاوية (( معالم وأعيان)) :

تدعوكم أقدم مدينة في التاريخ، وأعرق عواصم العالم، إلى سياحة إسلامية النفحات، تذكّر من نسي وتوقظ من غفل عن أسرار عظمة مدينة دمشق.

هذه المدينة التي نالت شرف ذكرها في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ((.. إرم ذات العماد* التي لم يخلق مثلها في البلاد...))، وقوله: ((والتين والزيتون..))، ((ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها..))

وبعض علماء التفسير قال بأن: إرم ذات العماد= دمشق، التين= دمشق، التي باركنا فيها= الشام.

وزيادةً في العز والشرف، كانت أحاديث المصطفى الكثيرة التي تُرغّب في سكنى الشام، ودمشق خاصة، حيث قال: (ستُفتح عليكم الشام، فإذا خُيّرتم المنازل فيها فعليكم بمدينة يقال لها دمشق).

وبعض الصحابة الكرام قد أخذوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم بمثابة الأمر الذي يُثابون عليه، فارتحلوا إلى الشام، ودمشق.. حيث يقول مؤرخنا الشهير ابن عساكر: عن الوليد بن أسلم: (دخلت الشامَ عشرة آلاف عينٍ رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم)، أمثال: معاذ بن جبل، دحية الكلبي، أبو الدرداء ،النعمان بن البشير، واثلة الأسقع... وغيرهم رضوان الله عليهم.

قد أسبغوا على المدينة صبغة علمية دينية ميزتها عن مدن العالم، ولمَ الدهشة ؟ .. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد مدح دمشق بأرضها وأهلها، فقال: (..خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها صفوته من عباده).

ونرى على مر العصور أناساً تعشق وتمتثل لأحاديث المصطفى، وتتسابق في نيل دور يشرّفها أمام سيد الخلائق، يوم لا ينفع إلا العمل والعلم النافع، والولد الصالح... فهلا تدبرنا نصائح الحبيب r؟

إخوتي:

سفح قاسيون يُعدّ مَعلَماً لإرث تاريخي حضاري دمشقي عظيم، يدعونا للتعرف على ما يحمل من إرث إنساني رائع، يستلزم منا وقفة تأمل لعبرة وعظة، بنية التغيير في نفوس ضعفت وتكاسلت، للأفضل.... ولا تفاضل إلا بالتقوى.

وها هو مجمع (أبو النور) الذي يطل علينا من حارة الأكراد في السفح، لديه حكاية جميلة تنبعث منها نداءات إيمانية قوية مفادها ((إنما الأعمال بالنيات)) ، فهلا أصغينا ؟.. ففي ذلك متعة للروح والعقل والجسم معاً، وإن جمال المكان ليُفصح ويُنبئ بما فيه... فمن منا لا يعرفه ؟... لكن، من يعرف سبب تسميته بـــ ((أبي النور))؟

هيا نرى معاً، بنية صادقة مع الله عز وجل للتغيير الإيجابي.. ولتجعل، أيها السائح الدمشقي، هذه النية تخرج خالصة من أعماقِ أعماق نفوسنا، لا بل ومن أرواحنا التواقة للمعرفة التاريخية، والتي، بإذن الله، ستحفزّنا لعمارة الأرض بما يحب مولانا وخالقنا، فنزدادَ يقيناً أن الله عز وجل قد شرفنا بالحياة فوق هذه الأرض المباركة.. ناظراً إلينا وشاهداً علينا ماذا قدمنا؟ .. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

إخوتي القراء:

شهدت دمشق في القرن الخامس والسادس للهجرة استقراراً سياسياً واقتصادياً بعد الانتصار الكبير في معركة حطين واسترداد الكثير من المدن الساحلية من الصليبين في عهد الدولة الأيوبية، وأخذت مدينة دمشق تتألق وتزداد ضياء، لتصبح مدينة العلم والعلماء، وقلعة التصدي والصمود لأعداء الإسلام من أشكال صليبية مختلفة، فظهرت مناصب عسكرية وإدارية جديدة وكثيرة، كلٌّ مكلّفٌ يعمل ضمن مهامه الدفاعية... فالخطر الصليبي لازال على الحدود ينتظر فرصةً ليستردّ ما استُعيد منه.

سكانها مستعدون جاهزون للدفاع بالسلاح العسكري والفكري... أجل، فمنذ تلك الفترة واجه الأيوبيون ذلك الخطر بإنشاء مزيد من المؤسسات العلمية هنا وهناك، والتي تنشر الوعي والحذر بين الناس أن أخطر عدو للإنسان هو نفسه إن جهل دين محمد صلى الله عليه وسلم.. فكثرت بذلك أعمال البر والخير بين الناس، ليتجلى ويتلألأ حديث رسول الله القائل : (( الخلق كلهم عيال الله، أحبهم إلى الله أنفعهم إلى عياله )) ، وقوله عز وجل: (... إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ..

ونحن اليوم سنرى حكاية هذا الأمير الأيوبي، الذي عُرف بشجاعته وبسالته في حروبه التي خاضها ضد الصليبين، فهو أحد القادة المجاهدين الذين شاركوا في تحرير بيت المقدس، لا بل وشارك أبناءُه أيضاً بالجهاد ضمن جيش صلاح الدين الأيوبي..

هذا الأمير اسمه : (زين الدين أبي سعيد قراجا الناصري)، وعُرف بلقب (أبي النور)..

بنى تربة في سفح قاسيون على جادة الطريق سُميت باسمه فيما بعد..

كان جواداً شجاعاً، وعندما توفي وهو مرابط عند ثغر من الثغور، حمله ابنه مظفر الدين، 549/630 ھ ، والملقب ب (كوكبوري) _أي الذئب الأزرق كناية عن شجاعته_ وهو من أهم قادة صلاح الدين الأيوبي، وزوج أخته ربيعة خاتون, وصاحبُ أربيل .. قام بحمل والده في محفة ثم دفنه في هذه التربة، التي سُميت بالقراجية نسبة إليه..

أقام فيما بعد ولده (سيف الدين محمد) مصلّىً صغيراً إلى جانب التربة ، يدعو المارة للصلاة فيه بغية أمرين اثنين :

الأول: كسب الأجر من الله عز وجل، فقد قال النبي الحبيب : (( من بنى بيتاً ليُعبد فيه، من حلال، بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة من درّ وياقوت ))..

والثاني: التذكرة لمن نسي أنه إنسان مقهور ذليل لله، عبر موعظة الموت .. فالأموات تحت التراب تنبعث منهم نداءات راجية قائلة: (( اليوم عمل بلا حساب وغداً حساب بلا عمل ))..

فلنتدبر ونتعظ معاً أيها الأخوة الكرام قبل فوات الأوان ...

ثم مرت العصور والعصور على دمشق الحبيبة إلى أن جاء عالم جليل اسمه: الشيخ أمين كفتارو _رحمه الله_1292/1357 ھ ، الذي هاجر مع والده من قرية كرمة جنوب شرق تركيا ، طامحين ببركة الشام التي دعى لها رسول الله ..

نزل الشيخ في سفح قاسيون، وسكن في حي ركن الدين بجوار ذلك المصلى الصغير، و بدأ بتعليم الناس أحكام الإسلام من خلال هذا المصلى الصغير ..

ومع توالي سنوات العمل الدعوي بالحكمة والموعظة الحسنة..تحول هذا المصلى الصغير إلى معلَماً علمياً دينياً يستقطب الناس من كل مكان..

ونتيجة الإقبال الكبير الذي شهده هذا الصرح العلمي من كل حدب وصوب ، تحول على مر السنين وبصدق جهود ولده الشيخ أحمد كفتارو 1912/ 2004 _رحمهما الله _ إلى صرح كبير يضم المسجد، ومعاهد شرعية، وكليات جامعية ومؤسسات تعليمية خيرية ، عُرف باسم مجمع (أبي النور) بداية، ثم ﺑ (مجمع الشيخ أحمد كفتارو).

ونسأل الله عز وجل أن يتقبل جهود من ساهم وساعد في إرساء هذا المعلَم الضخم من جهات رسمية وغير رسمية وما زال .. وان يجعلنا وإياهم مفاتيح خير مغاليق شر دائماً وأبداً وان يستعملنا في خدمة دينه .. وأن يرزقنا الإخلاص لوجهه الكريم .. اللهم آمين.

ألم نقل لكم: بدأت قصة هذا المكان بنية صادقة توالت وتوارثت، حاملة هدفاً إيمانياً واحداً هو نشر تعاليم الإسلام المحمدي العظيم بالحكمة والموعظة الحسنة ..فخرّجت أجيالاً وأجيالاً تحمل في قلوبها الامتنان الشديد لله عز وجل.

تخبرنا المصادر أن الأمير (زين الدين أبي سعيد قراجا الصلاحي الناصري)، الملقب ب (أبي النور)، كان صاحب (صرخد)، وهي بلدة ملاصقة لبلاد حوران من أعمال دمشق ..

كانت له دار عند باب الصغير عند قناة الزلاقة ، بنى تربته على جادة الطريق عند تربة ابن تميرك ، التي تعود للنصف الأول للقرن السابع للهجرة / الثالث عشر.

إخوتي القراء:

إن الترب المتوزعة بين أحياء دمشق هنا وهناك، تدعو وتوقظ من أدبر وتولى وغفل عن نهاية ذلك الإنسان الذي لا يقهره إلا الموت، وكفى به واعظاً..

فلنتعظ و نتدبر في سِيَر أقوام سبقونا إلى المولى ... بنوا قبورهم، فهي بيوتُهم، متناسين قصورهم التي عملوا على تشييدها بصالح أعمالهم في الجنة، فاعتبروا يا أولي الألباب...

المصادر :

القلائد الجوهرية / لابن طولون

الدارس في تاريخ المدارس / للنعيمي

منادمة الأطلال ومسامرة الخيال / للبدري