مميز
الكاتب: المهندس نبال قتلان
التاريخ: 21/04/2015

دعاة لا علماء!

مقالات

دعاة لا علماء!
المهندس نبال محمد زهير قتلان (أبو عمر)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الذي خلق الخلق ليتعرفوا عليه، ثم أرسل لهم من يرشدهم إليه فجعلهم دعاة إلى أبواب عبوديتهم الخالصة إليه، معلمين الخلق ليقوموا بواجب ربوبية مولاهم، والصلاة والسلام على صفوة أنبيائه سيدنا محمد بن عبد الله خير رسله، مرشد الناس ومعلمهم، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه.
وبعد،فإن الله عز وجل قد أناط خيرية هذه الأمة بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فقال عز وجل: )كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر(. وتكرر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ العلم فقال صلى الله عليه وسلم: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب".
وبدهي لمن أراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتعلم المعروف والمنكر قبل أن يأمر أو أن ينهى، ولمن أراد أن يبلغ الغائب أن يعلم ما شهده ليبلغه من لم يشهده. فلا نتصور الدعوة إلى الله عز وجل بلا علم، إذ إن القاعدة أن فاقد الشيء لا يعطيه، والدعوة هي تبليغ علم، قال تعالى: )ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة(، والحكمة هي العلم والعمل، وقال تعالى: )فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم(.
ومع بساطة وبدهية هذا الربط بين الدعوة والعلم، فإن المراقب للعمل الدعوي اليوم يتفاجأ بأن الكثير والكثير جدًا ممن تصدوا مرتبة "الدعوة إلى الله" وممن يسمون "الدعاة"، قد فاتهم الكثير والكثير جدًا من العلوم التي كان يجب أن يتسلحوا بها قبل خوضهم في مجال الدعوة إلى الله على الصعيد العام.
والواقع أن هذه المشكلة تعتبر من أخطر وأشق المشكلات التي تعترض العمل الدعوي، سواء بالنسبة لمن يتوجه إليه الداعي بخطاب الدعوة، أو بالنسبة إلى الداعي نفسه.
أما بالنسبة لجمهور المدعوين، فإن الإشكال يكمن في إضلالهم بدلًا من هدايتهم، فإن الأمر يبدأ بفتوى فقهية خاطئة تفسد على المرء عبادته أو معاملته أو ربما حياته الاجتماعية، وينتهي بفساد العقيدة، ذلك على صعيد شخصي، وأما على صعيد الأمة ككل، فإن، الجهل بالأحكام الشرعية ومقاصدها، وعدم قراءة التاريخ وفهمه بالشكل الصائب قد يودي بأمة كاملة كما نرى في الفتن التي تجتاح الأمة الإسلامية اليوم والتي أوقدت اليوم على أيدي وبكلمات كثير من "الدعاة"، الذين هيمنت عواطفهم على خطابهم الدعوي فأهلكوا العباد والبلاد، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه عنه ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم: ثلاثة يهدمن الدين: زيغة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وأئمة مضلون.
وأما بالنسبة إلى الداعية نفسه، فإنه قد تلبس بإثم من أعظم الإثم، ألا وهو الكلام في دين الله عز وجل بغير علم، وحسبك ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عز وجل لا ينزع العلم من الناس بعد إذ أعطاهموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيَضلون ويُضلون".
والمشكلة الكبرى، أن الداعية إلى الله عز وجل إذا أسلمه عمله إلى ميدان الشهرة فإنه لن يجد الوقت ليسعفه في تعويض ما فرط في تحصيله أيام الخمول، ورحم الله ابن عطاء الله إذ يقول في حكمته: "ادفن نفسك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه" وكأني به رضي الله عنه يتوجه بحكمته هذه إلى من أراد الخوض في ميدان الدعوة إلى الله عز وجل ناصحًا له أن يتزود عدةً كافية من العلوم وهو في طور الخمول[1]، تمامًا كمثل حبة ألقيت في تربة خصبة، لا يمكن أن تنتج نبتة ثم ثمرة نافعة إلا أن تدفن في الأرض لتكتسب من حرارتها و مائها مقومات حياتها إذا تسامت على ظاهر الأرض. فكذلك أنت أيها الداعي إلى الله، اجعل تلك الأيام التي تسبق تصديك للعمل الدعوي العام، اجعلها أيام اكتساب للعلم الظاهر والباطن الذي لابد لك منه، قبل أن تنتقل إلى ميدان العمل العام حيث لا وقت لتعوض ما فاتك في أيام الخمول.
ولكن ومع بساطة ووضوح ما سبق، فإن هناك من قد يجادل في هذه المسألة فتراه يقول أنا داع إلى الله ولست عالمًا. الإشكال في ذلك كله إيها الإخوة، هو التفريق بين صفة الدعوة إلى الله وصفة العلم[2]. وأزعم أن هذا التفريق لم يكن فيما مضى من العصور، بل هو وليد عصرنا الحالي، نتيجة لواقع انتشار طرق التواصل ونقل المعلومات، ثم رغبة الكثير من أصحاب النوايا الطيبة والمحبين لهذا الدين، أن يكون لهم أثر في نهضة هذه الأمة من كبوتها. مع عدم اهتمامهم أو استثقالهم أخذ العلوم المطلوبة، ليقوموا بهذه المهمة، من مصادرها المعتمدة ظانين أن الأمر أهون من ذلك )وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم(. أو ربما يعتمد أحدهم على ثقافة إسلامية عامة، يحصلها من كتاب هنا ومقالة هناك، فيحسب أنه قد حاز ما يحتاج إليه للقيام بواجب الدعوة إلى الله عز وجل.
إن مما هو معلوم عند كل من اطلع على مبادئ الإسلام، أن العمل المقبول عند الله عز وجل لابد فيه من توافر صفتين: الأولى هي الإخلاص لله عز وجل، والثانية هي موافقة السنة (أي العلم).
وهذا يعني أن النيات الطيبة وحدها لا تكفي ليكون العمل مقبولًا عند الله عز وجل، ولا حتى ليؤتي العمل ثماره. فلابد للمخلصين الذين ينتهضون للقيام بالعمل الدعوي أن يتوجوا إخلاصهم بطلب العلم ليوافقوا السنة. كما أن طلب العلم أمر لا بد منه للنهوض بالعمل الدعوي من جهة الأسباب. ذلك أن هذا العمل هو من أشق الأعمال وأصعبها، وطريقه من أوعر الطرق وأعسرها. فمن حمل عبء الدعوة إلى الله لابد أن يصطدم بعوائق كثيرة من العنت والمزالق الفكرية والسلوكية تبدأ بالشبهات الذهنية في ميدان العقيدة، ولا تنتهي عند أبسط أحكام الفقه من الطهارة والصلاة وغيرها. فلا يتصور أن يقوى على سير هذا الطريق من لم يتجهز بعدته التي تعينه على السير فيه.
وكم من رجل صالح النية محب للدين ولكن جهله بالأحكام الشريعة أسلمه إلى زيغ في الفكر والسلوك، أو إضلال للعباد أو إسلامهم إلى مزالق تهلكهم.
ولسائل يسأل: فما هو الواجب على من أراد السير في ميدان الدعوة إلى الله أن يتبضع به من العلوم؟ أجيبه:
للعلوم أقسام متعددة من جهة حيثياتها. فمن حيث فرضيتها على المكلفين تقسم إلى: فرض عين وفرض كفاية. ومن حيث نسبتها إلى بعضها تقسم إلى: أصول وفروع. ومن حيث محل تأثيرها تقسم إلى: ظاهر وهو عمل الجوارح، وباطن وهو عمل القلب.
وكل ذلك لابد للداعية إلى الله من أن يأخذ حظًا منه.
وأجمل فيما يلي بعض العلوم التي لابد منها لكل من أراد السير في طريق الدعوة إلى الله:
فأولًا: يفترض على كل مسلم عينًا، فضلًا عمن أراد الخوض في ميدان الدعوة والإرشاد، ثلاثة أمور:
أولها: ما تصح به عقيدته، فيجب على كل مسلم أن يعلم المبادئ العامة لعقيدة أهل السنة والجماعة، فإذا عرضت له شبهة وجب عليه السؤال عنها حتى تزول عن عقله وقلبه.
ثانيها: ما تصح به عبادته، فيجب على كل مسلم مكلف أن يتعلم أساسيات فقه العبادات التي يمارسها في كل يوم، من طهارة وصلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها من العبادات البدنية والمالية.
ثالثها: ما تصح به معاملته، فيجب على كل مسلم أن يتبضع من فقه المعاملات التي يمارسها في كل يوم. فمن عمل في التجارة لا بد له من أن يتقن أحكام البيع والشراء ويميز فاسدها من باطلها ومن صحيحها، وأن يميز المعاملات الربوية المحرمة. ومن عمل بالإجارة وجب عليه تعلم أحكام الإجارات والجعالة والضمان وغيرها. كل ذلك ابتغاء المال الحلال والبعد عن المال الحرام الذي يوجب عقاب الله عز وجل.
ثانيًا: لابد لمن أراد الخوض في ميدان الدعوة إلى الله عز وجل، أن يزداد تعمقًا في علوم العقيدة، وأن يطلع على أدلتها العقلية والنقلية، مع الإلمام بالعقائد الفاسدة والفلسفات المعاصرة. ذلك أن هذا العصر عصر تمازج الثقافات وانتقال الأفكار بلمح البصر، فيسهل على أهل الشبهات أن ينشروا شبهاتهم في عقول المسلمين بأسهل طريق وأسرعه، فلا بد لمن نصب نفسه ليرشد الناس إلى الدين الحق ويذبهم عن مصارع العقائد والأفكار الزائغة، أن يكون له إلمام واطلاع جيد على مجمل هذه العقائد والأفكار الزائغة، وأن يكون قادرًا على دحض شبهها وكشف النقاب عن أباطليها. ولا بد له بعد ذلك أيضًا أن يكون مطلعًا على مبادئ علم أصول الفقه، لكي يحصن فكره ويقيمه على جادة مستقيمة تعينه على نبذ الأفكار المنحرفة في الفروع الفقهية، وكذلك تعينه على الرد على كثير من الشبهات المتعلقة بكليات الفكر العملي.
ثالثًا: لا بد لمن أراد الخوض في ميدان الدعوة إلى الله عز وجل، أن يلم بأبواب الفقه جميعًا، بأن يقرأ كتابًا معتمدًا في الفقه على شيخ عالم ورع. ذلك أن من مارس عمل الدعوة سيتعرض لا ريب إلى الكثير من الأسئلة المتعلقة بحياة الناس اليومية سواءٌ في مجال العبادات أو المعاملات، فعليه أن يجيب على أقل تقدير عما لا يعسر من هذه الأسئلة، ثم لا يضيره بعد ذلك أن يحيل ما صعب عليه إلى عالم مختص أو مفت.
رابعًا: لابد له من اطلاع عام على جميع العلوم الإسلامية الأخرى من علوم الحديث ومصطلحه، وعلوم القرآن والتفسير ومدارسه. ليكون له تصور عام عن مجمل العلوم الإسلامية، تعينه في تحديد رؤيته والبعد عن مصادمة الخطوط العامة لهذه العلوم. وتحصنه من ترهات أصحاب التلبيس والبدع. وكذلك لابد له من الاطلاع علوم اللغة ليقيم لسانه ويصونه عن الزلل واللحن. فما أقبح اللحن في خطاب الداعية إلى الله.
خامسًا: لا بد له من الاطلاع الجيد على التاريخ الإسلامي ومن ضمنه تاريخ التشريع الإسلامي، فقد وجدت أن كثيرًا من أصحاب الأفكار الزائغة إنما يتصيدون في الماء الذي عكره جهل المسلمين بتاريخهم، فيلجؤون إلى تشويه حقائق التاريخ وحرفها عن سياقاتها، وتلبيس المواقف والأحداث التاريخية لأجل إضلال المسلمين وترويج بدعهم بين الناس.
سادسًا: وهو من أهم ما يجب أن يتسلح به الداعية إلى الله، هو علم بواطن النفوس وأمراضها وآفاتها، أو علم التزكية. ولا يكفيه أن علم ذلك فقط، بل لا بد له من أن يكون متحليًا بكل وصف يقربه إلى مولاه، وأن يكون مجافيًا لكل وصف يبعده عنه. فإن آفات قلوب الدعاة إلى الله أشد فتكًا من آفات قلوب عامة الناس، وما أبلغ مقولة ذلك الفتى لإبي حنيفة على ضفاف دجلة إذا قاله له" انتبه يا إمام أن تزل، فإن زلة العالِم زلةُ العالَم". ولعل من أشد هذه الآفات خطرًا هي آفة حب الظهور والرياسة، فتحرفه عن وجهته في طلب مرضاة الله عز وجل، فيصير متحريًا للأقوال والأفعال التي تزيد من أتباعه بدلًا من تحريه للأقوال والأفعال التي ترفع منزلته عن الله عز وجل، وهذه الآفة هي التي تجعل عمله أنكاثًا لا وزن لها عند الله يوم القيامة. فترى عمله يرد في وجهه بين يدي الديان جل جلاله. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: " أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري جعلته كله له". فمن طلب ظهوراً ورياسة بدعوته فد أشرك بالله عز وجل[3] فيرد عمله في وجهه. فعلى من ينهض بمهمة الدعوة إلى الله عز وجل أن يعكف على نفسه لكي يطهرها من أدرانها وآفاتها، متخذًا لنفسه وردًا من ذكر وتلاوة قرآن وصلوات يتقرب بها إلى الله زلفى. ولا يفهمن من كلامي أنه لا يصح أن يعلم الناس إلا بعد أن يتخلص من هذه الأدران. أذ لو قلنا بذلك، لم يدع أحد إلى دين الله عز وجل، لأنه لا يسلم أنسان من آفة من آفات القلوب والنفوس. ولكن ما أقصده هو أن يدرك آفات نفسه وقلبه ويعمل على تطهيرها واستئصالها وهو في نفس الوقت يدعو إلى الله عز وجل. ولكن كيف له أن يدرك هذه الآفات ويعمل على تطهير قلبه منها إذا لم يتعلم مداخل هذه الآفات وآثارها وكيفية التخلص منها؟ فهذا لا بد منه لمراقبة نفسه، ولإرشاد من يدعوهم، لكي يتخلصوا من أمثال هذه الأمراض المهلكة. وذلك بأن يتأدب بين يدي مربٍ مرشد يعينه على تهذيب نفسه ويرشده إلى آفاتها ليتطهر منها.
وكلما ارتفع الداعية إلى الله عز وجل في مدارج الدعوة إلى الله، كلما وجب عليه أن يزداد تعمقًا بما أسلفت من هذه العلوم.
وعلى الجملة فإن أبلغ عبارة عثرت عليها تدل وتجمع ذلك كله، ما أشار إليه الإمام علاء الدين بن عبد العزيز البخاري في شرحه على أصول البزدوي، وكذلك الإمام السرخسي في مقدمة أصوله، أنه يجب معرفة بالأصول والفروع والعمل بهما حتى يكون الرجل عالمًا. فأشار إلى معرفة الأصول والفروع للعلوم الظاهرة، والعمل بها للعلوم الباطنة (أي التزكية).
فأوصي من أراد أن يسلك طريق الدعوة، أن يتزود بحظ وافر من العلم قبل الخوض في هذا الطريق الشاق، ليسلم بين يدي الله عز وجل، ولتؤتي الدعوة ثمارها. وأوصي من أراد أن يسلّك غيره في طريق الدعوة، ألا يلقيه في هذا البحر المتلاطم قبل أن يأخذ عدته من علم وعمل. فما أقبح أن يجلس الداعي إلى الله عز وجل مجلس دعوته ثم تراه يخطئ الأخطاء الفاحشة المعيبة في مسائل العقائد أو الفقه. أو يروج إلى بدع تهلكه وتهلك من يستمع إليه دون أن يعلم. ومن أخزى ممن قال إني داع إلى الله ثم يرد عمله يوم القيامة في وجهه؟ فيكون أول من تسعر به النار يوم القيامة.
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين في الأولى وفي العقبى.
وكتبه
دمشق صباح الجمعة
الواقع في 28 جمادى الثاني 1436 الموافق 17 نيسان 2015.
[1] أي عدم الشهرة، لا كما قد يتوهم البعض أن الخمول هو الكسل.
[2] وقد قال لي أحد الفضلاء فيما مضى: إن تسلك الطريق الفلاني تكون داعية، وإن تسلك الطريق الفلاني تكون طالب علم!
[3] لم أقصد من ذلك الشرك المخرج عن الملة، ولكن ذلك الشرك الذي يتسرى إلى قلب العامل ويدب دبيب النمل الذي لا ينتبه إليه.

تحميل