مميز
الكاتب: الدكتور محمد خلف بني سلامة
التاريخ: 14/04/2015

الوسطية واجب شرعي ومطلب حضاري

مشاركات الزوار

الوسطية واجب شرعي ومطلب حضاري
الدكتور محمد خلف بني سلامة
تكمن أهمية الحديث عن وسطية الإسلام أنها جاءت في زمن يتعرض فيه الإسلام إلى هجمة منظمة وشرسة من قبل الأعداء، ومما زاد الأمر صعوبة صراعات المسلمين أنفسهم وخلافاتهم المذهبية، فكل باسط ذراعيه يدعي أنه هو صاحب الحق، وكل يرى نفسه الفاهم المدرك ومن عداه تائهاً. وفي ظل هذا الجو المشحون بالعداء والاعتداء، وفي هذا الخضم المتلاطم من النزاعات، ما أحوجنا إلى فهم ديننا كما أمرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فبالعلم المؤسس على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومجالسة العلماء، بالإضافة إلى تضافر مؤسسات التربية والتعليم والمؤسسات الدعوية والإعلامية، نستطيع أن نتجاوز المحن، وأن نتخلص من هذه الظواهر.
فقد بذل الأعداء جهدهم في بث إشاعات ينشرونها وأباطيل يروّجونها من خلال بعض النصوص الإيمانية التي منها قوله صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالرعب مسيرة شهر).
فالواجب علينا إزاء هذه الأباطيل أن نبذل جهدنا في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، ونفند حجج المبطلين لرد كيدهم إلى نحورهم، فهذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتت إلا في سياق الحديث عن حرب دفاعية عن الحق وأهله، هجومية على الباطل وأهله لا عدوان فيها ولا إرهاب، فبعد هزيمة المسلمين في غزوة أحد، نزلت هذه الآية : (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ) (آل عمران: 151).
فكانت هزيمة أُحد في أعقاب خروج المشركين من مكة وقيامهم بالهجوم على الإسلام وأمته في المدينة، وقد تمكن أعداء الإسلام من إيقاع خسائر بالمدافعين عن الدين، وموطنه الجديد، فأراد الله أن يواسي جراح المسلمين، وأن يشعر هذه الفئة المدافعة عن الدين أن الجولة القادمة ستكون لمصلحتهم، وأنه سيقذف الرعب في قلوب المعتدين عندما يكررون هجومهم فما هو الضير هنا؟ وجاءت كلمة الرعب مرة أخرى عندما غدر يهود بني النضير، ونقضوا عهدهم وتآمروا على قتل النبي صلى الله عليه، ولكن القوم دون القتال حل بهم الفزع وقرروا الجلاء عن المدينة، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر: 2).
وجاء ذكر هذه الكلمة أيضاً عندما التقى يهود بين قريضة مع الأحزاب التي أحاطت بالمدينة تبتغي تدميرها على من فيها، وأعلنت حصاراً هائلاً عليها، وكان بنو قريضة قد أعطوا العهد من قبل على أن يعيشوا مع المسلمين في سلام شريف، واعترفوا بأنهم لم يجدوا من النبي صلى الله عليه وسلم إلا وفاء وخيراً، ومع ذلك فقد انتهزوا الفرصة التي سنحت لهم وأعلنوا حرباً غادره على النبي وصحبه، وظنوا أنهم سيقاسمون المشركين الغنائم بعد الإجهاز على الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه ولكن أمر الله كان أغلب، فقد ألقى الرعب في قلوب الأعداء فزلزل كيانهم قال تعالى: (وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا) (الأحزاب: 26).
وبالنظر إلى جوانب من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم حول مفهوم الوسطية في عقيدتنا السمحة نجد أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله توضح بجلاء اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشؤون الحياة، بالإضافة إلى اهتمامه بشؤون الدين السمح، فكانت أحكامه ومناهجه ومثله هي مقاييس العدل وموازين الحق ومعايير الفضيلة، وكان صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه هو سبيل السعادة والرضا والاستقامة والعدالة والطمأنينة والأمن.
فكانت أسس الوسطية التي قامت على:
أولاً: عدم الغلو والإفراط والتفريط والجفاء وجاء النهي عن الغلو في القرآن الكريم في قوله تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ) (النساء: 171).
قال ابن الجوزي في تفسيره لهذه الآية، والغلو: الإفراط ومجاوزة الحد ومنه غلا السعر، وقال: الغلو: مجاوزة القدر في الظلم. وفي قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ) (المائدة: 77) (بمعنى لا تفرطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل) وبالإضافة إلى ما جاء في القرآن الكريم جاءت السنة النبوية ناهية عن الغلو ومنه عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون) قالها ثلاثاً.
حيث قال النووي: هلك المتنطعون: أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. كما عرّف ابن تيمية الغلو فقال: (الغلو مجاوزة الحد: مجاوزة بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك).
وضابط الغلو هو تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى عنه في قوله تعالى: (وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) (طه: 81). وعليه يتضح أن الغلو هو: مجاوزة الحد في الأمر المشروع، وذلك من خلال المبالغة والزيادة إلى الحد الذي يخرجه عن المعتبر الذي أراده وقصده الشارع الحكيم.
وقد يكون الغلو بإلزام النفس أو الآخرين بغير ما أوجبه الله ومن ذلك ما ورد في حديث أنس بن مالك قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: "ما هذا الحبل"؟ فقالوا هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت به فقال صلى الله عليه وسلم: (لا، حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد).
ثانياً: عدم الإفراط: قال تعالى: (إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى) (طه: 45). قال الطبري: وأما الإفراط فهو الإسراف والتعدي، يقال منه: أفرطت في قولك، إذا أسرف فيه وتعدى، وأما التفريط فهو التواني، يقال منه فرطت في هذا الأمر حتى فات، إذا توانى فيه.
يتضح مما سبق أن معنى الإفراط: هو مجاوزة الحد، والتقدم عن القدر المطلوب وهو بخلاف التفريط. وقد يكون الغلو من خلال تحريم ما أباح الله من الطيبات على وجه التعبد أو ترك الضرورات. ومن ذلك قصة النفر الثلاثة في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه. وكذلك فإن المسلم لو اضطر إلى شيء محرم خوفاً من الهلاك وتركه فإن هذا من التشدد، قال تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة: 173). وعليه فإن كلاً من الغلو والإفراط خروج عن الوسطية، فكل أمر يستحق وصف الغلو والإفراط فليس من الوسطية بشيء.
ثالثاً: عدم التفريط: ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أما أنه ليس في النوم تفريط وعليه فإن التفريط هو التقصير والتضييع والترك وقد وردت مادة (فرّط) في القرآن الكريم في عدة مواضع منها: ما جاء في قوله تعالى: (حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ) (الأنعام:61). قال الطبري: "إن معنى التفريط: التضييع فيما مضى قبل، وكذلك أوله المتأولون في هذا الموضع"، قال ابن عباس رضي الله عنهما "(لا يفرِّطون): لا يضيعون" وكذلك ما جاء في قوله تعالى (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (الأنعام: 38) وقوله تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) (الأنعام:31) وفي قوله تعالى: (وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ) (يوسف: 80)، وبالنظر في التفاسير المختلفة نجد أنّ كلمة "التفريط" تدل على الترك والتهاون والتقصير والتضييع مع وجود اختلاف بسيط بين مدلول هذه المعاني وهي في مقابل الإفراط والغلو
رابعاً: عدم الجفاء: يقول تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) (السجدة: 16). وفي الحديث (اقرؤوا القرآن ولا تجافوا عنه) ( ). أي تعاهدوه ولا تبتعدوا عن تلاوته. وفي قوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء) (الرعد: 17). والجفاء هو الترك، والبعد، وهو غالباً ما يحدث خلاف المعتاد، وأكثر استعمال هذه الكلمة لما هو منهي عنه؛ كالجفاء بما يقابل الصلة، والجفاء عادة ما يكون من الغلظة، ومن أمثلة ذلك. 1- العقوق: جفاء. 2- عدم إنكار المنكرات مع القدرة على فعل ذلك: تفريط. 3- الغلظة في المعاملات: جفاء. 4- التهاون في وقت الصلاة : تفريط.
وبالنظر في استعمالات هذه الألفاظ يلاحظ أن الجفاء يستعمل– غالباً– فيما فيه قصد الأمر من الترك والبعد وسوء الخلق. أما التفريط فمنشؤه– غالباً– التساهل والتهاون، وبالتالي فإن كل أمر اتصف بالتفريط فإنه يخالف الوسطية، وبمقدار اتصافه بأي من هذين الوصفين يكون بعده عن الوسطية وتجافيه عنها. الصراط المستقيم: بدون الفهم لمعنى (الصراط المستقيم)، لا نستطيع فهم الوسطية على معناها الصحيح، وقد جاء لفظ الصراط المستقيم، في القرآن الكريم في الكثير من المواقع، وجاء أيضاً بلفظ (صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ) (الفتح: 2). و(صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) (الأعراف: 16). ونحو ذلك. وقد أجمعت الأمة جميعاً على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : قال جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم أهدنا الصراط المستقيم: يقول ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج له. قال الطبري: "وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه".
وقد جاء ذلك في قوله تعالى (وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الأنعام: 87) وفي قوله تعالى (وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا) (الأنعام: 126) وفي قوله تعالى: (يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (البقرة: 142) وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) (البقرة: 143) ونجد من مجموع أقوال أهل التفسير أن الصراط المستقيم هو الطريق المستقيم الذي ارتضاه الله لعباده، وأنه دين الله الذي لا عوج فيه وهو الإسلام، وتحدث علماء التفسير عن (الكاف) في قوله تعالى (جعلناكم) فقالوا هي للربط بين جعلهم أمة وسطا وهدايتهم للصراط المستقيم كما جاء توضيح هذا الأمر في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:" كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده على الخط الأوسط، فقال هذا سبيل الله ثم تلا هذه الآية: (وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) .
وعليه فإن أساس الخيرية هو شرع الله وليس هوى الناس، وبالتالي فإن الوسطية هي الخيرية والصراط المستقيم يمثل قمة الوسطية والذي هو أساس الخيرية.
(كنتم خير أمة أخرجت للناس) (آل عمران: 110) وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (البقرة: 143).

تحميل



تشغيل