مميز
الكاتب: الباحثة ميسون برغل
التاريخ: 29/03/2015

نداء إلى الأم

مشاركات الزوار
نداء إلى الأم
مشاركة: ميسون برغل
بسم اللهِ والصّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم.. وبعد:
كان لتزامنِ استشهادِ فقيدِنا الدّكتور محمَّد سعيد رمضان البوطي (رحمهُ الله) في يومِ عيدِ الأُمِّ مَلْمَحاً هامّاً يستوجِبُ الوقوفَ عندهُ والتّأمُّلَ فيه.. اجتماعُ مناسَبَتَينِ في يومٍ واحد: واحدةٌ مفرحةٌ والثّانيةٌ محزنة يجعلُنا نستلهِمُ منهما فكرةً مفادُها: إنَّهُ علينا استثمارُ الحزنِ استثماراً إيجابيّاً بحيثُ تعودُ بوائقُ نفعِهِ على المناسبةِ الثّانية، ففي إسلامِنا لا مكانَ للحزنِ السّلبيِّ المحبِط، بل الحزنُ هو وسيلةٌ ودرجةٌ توصلُ صاحبَها -بعدَ استعانتهِ باللهِ والاعتمادِ عليهِ تعالى- إلى مرتبةٍ جديدةٍ من المعرفةِ والتَّعلُّم.. فأنا أكادُ أجزِمُ أنَّ فقيدَنا وفقيدَ بلادِ الشّامِ (رحمهُ اللهُ) لو كانَ حاضراً بيننا لم يكن ليرضيهِ إلّا أن نحوِّلَ أبعادَ الحزنِ والأسى إلى حراكٍ إيجابيٍّ يتمثَّلُ بالتّشَبُّعِ والارتواءِ من معينِ دينِنا العظيمِ والعملِ على نشرهِ وتطبيقهِ قولاً وعملاً وتحويلهِ إلى منهجِ حياةٍ لنا ولأجيالِ المستقبل القادمة.. ذلكَ المنهجُ الذي أمضى جلَّ عُمرهِ في خدمتهِ ونشرِه، وذلكَ ليعلَمَ أنَّ غرسَهُ قد أثمرَ وأنَّ جهدَه وجهادَهُ لم يضِع أبداً، وأنَّ الرسالةَ التي حَمَلَها وأدّاها على أكملِ وجهٍ آتت أُكُلَها, وكانت لها آذانٌ صاغيةٌ وعقولٌ واعيةٌ وقلوبٌ محبة. هذا ما أكاد أجزم به أنه سيفرحه و يرضيه..
بعد هذا أتوجَّهُ للأمِّ في مناسبتِها المفرحةِ وأقولُ لها: إن كنتِ كأمٍّ سوريّةٍ أوَّلاً ومسلمةٍ ثانياً وإنسانةٍ ثالثاً، إن كنتِ قد تألمتِ لما حصلَ لفقيدِ بلادِ الشَّامِ وحزنتِ للخسارةِ التي نالت منّا وعَصَفَت ببلادِنا، إن كنتِ قد استشعرتِ غيابَ هذهِ القامةِ الّتي ما برحَت تنافحُ عن دينِها ووطنِها ، إن كنتِ قد سمعتِ بالمقولةِ التي قالَها (رحمهُ اللهُ) حين عُرِضَ عليهِ السَّفرُ خارجَ البلادِ مع كافّةِ التّأميناتِ لهُ ولعائلتهِ فأجابهم بتلكَ العبارةِ التي تدمي القلبَ وتثيرُ الشُّعورَ في أعماقه، قال: (تخيلتُ نفسي إن كنتُ سأفعلُ ذلك, فسأكونُ كحالِ الأبِ الذي يغادرُ ويترُكُ عائلتَهُ وأولادَهُ وأحفادَهُ في قارعةِ الطّريق). إن كنتِ أيَّتُها الأمُّ تساءَلتي فيما بينكِ وبينَ نفسِك: ما المسؤوليَّةُ الملقاةُ على عاتقي؟ وماذا عليَّ أن أقدِّم؟ الجوابُ عن هذا هو قرارٌ عليكِ اتّخاذُهُ في هذا اليومِ الذي فُقِدَ فيهِ الشَّهيدُ وهوَ ذاتُهُ اليومُ الذي يحتفلُ فيهِ أبناؤُكِ بك, وهذا لَعَمْري قرارٌ لو اتّخذتيهِ فسيعودُ عليكِ أنتِ أوّلاً بالنَّفعِ الجزيلِ والخيرِ العميم, وثانياً على المجتمعِ ككلّ.. وهذا بالضَّبطِ ما أرادهُ الفقيدُ الّذي خصَّصَ العديدَ من كتبهِ ودروسهِ لكِ أنتِ أيَّتُها المرأة, فعملَ على إخراجكِ من دائرةِ الاتّهامِ التي طالَما زجَّنا بها الغرب، ومن دائرةِ التَّطبيقِ المغلوطِ للشَّريعةِ الَّتي أغرقَنا فيها المجتمعُ إلى ساحةِ العلمِ والمعرفةِ والمحبَّةِ والثّقةِ بالله، أخرجَنا إلى السَّاحةِ التي يشعرُ فيها الإنسانُ بشكلٍ عامٍّ والمرأةُ بشكلٍ خاصٍّ بقيمتِها في هذا الوجود، وأنَّ اللهَ تعالى ما خلَقَنا إلّا لنسعَدَ بمعرفتهِ وعبادَتِه, أخرجَنَا إلى السّاحةِ الّتي لو التزَمنا بها لعادَ مجتمعُنا الإسلاميُّ المنشودُ كما يرضاهُ لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم, المجتمعُ المسلمُ الحقُّ صاحبُ الخُلُقِ قبلَ الدّين، وصاحبُ العطاءِ قبلَ الأخذ, المجتمعُ الذي نشتاقُ جميعاً للوصولِ إليهِ والّذي عاشَهُ أجدادُنا سابقاً فنَهَضُوا بأمَّتِهم وسادُوا مشارقَ الأرضِ ومغارِبَها..
أيَّتها الأمّ: إن كنتِ بحقٍّ تحبّينَ أولادكِ وتحرصينَ على مصلحتهم وكنتِ من المؤمناتِ بقولهِ تعالى: ((وقفوهم انهم مسؤولون))، وإن كنتِ تريدينَ لهم خيرَ الدّنيا والآخرة، تريدينَ لهمُ العِزَّ والرِّفعةَ في الدّنيا والآخرة، فما عليكِ إلّا أن تسارِعي وتأخذي العهدَ على نفسكِ وعلى أولادِكِ أمامَ اللهِ تعالى وفي هذا اليومِ الذي يحملُ هاتَينِ المناسَبَتَينِ أنَّكِ ستكونينَ حريصةً ما استطعتِ على أن تطبِّقي على نفسكِ أوَّلاً وعلى أولادِكِ ثانياً النَّهجَ الذي أنزَلَهُ لنا اللهُ تعالى وبَلَغَنا بهِ رسولُنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وعَمِلَ الصَّادِقونَ على نشرهِ بينَنا. وأدلُّكِ على أقصرِ الطُّرُقِ لهذا: أقصرُ الطُّرقِ هو أن تكوني أنتِ القدوةَ الـمُثلى في قولكِ و فعلِك، وأنتِ أيَّتُها الأمُّ إن ابتدأتِ بهذا فقدِ اخترتِ لنفسِكِ العلاقةَ الطيِّبةَ بينكِ وبينَ أبنائكِ التي لا تشوبُها شائبةٌ ولا مصلحةٌ ولا نزاع, وما هذه القصصُ المريرةُ الّتي نسمعُها هنا وهناكَ الَّتي هي أساسُ تشرذُمِ مجتمعِنا وتآكلهِ الأخلاقيِّ إلا ثمرةٌ ونتيجةٌ لبداياتٍ خاطئةٍ بعيدةٍ عن نهجِ الإسلامِ القويم, إن أردتِ النهايةَ المشرقةَ فعليكِ ببدايةٍ صحيحةٍ على نهجٍ قويمٍ متين، قالَ تعالى: ((أفمن أسَّسَ بنيانَهُ على تقوىً منَ اللهِ ورضوانٍ خيرٌ أم من أسَّسَ بنيانَهُ على شَفَا جُرفٍ هارٍ فانهارَ بهِ في نارِ جهنَّم)). نسألُ اللهَ العفوَ و العافيةَ والعونَ والسَّداد.
وأحبُّ كذلكَ أن أوجِّهَ نداءً للمجتمعِ ككلٍّ والذي يستطيعُ أن يمدَّ يدَ العونِ للمرأةِ والَّتي بدونهِ لن تستطيعَ بسهولةٍ القيامَ بما أوكَلَها اللهُ بهِ من تربيةِ أبنائِها على نهجِ الإسلامِ القويم، بدونٍ دعمٍ منَ المجتمعِ لن تستطيعَ أن تبلغَ بأبنائِها الدَّرجاتِ الـمُثلى, لأنَّ فاقدَ الشيءِ لا يعطيه.
فيجبُ أن تُعامَلَ المرأةُ في المجتمعِ على الصُّورةِ التي رسمَها الإسلامُ للمرأةِ عامّةً وللأمِّ خاصّة، وفي هذا شرحٌ يطول، ولكن لنوجِزَ في خاتمةِ هذهِ الخاطرةِ نقول: كلُّ عامٍ وجميعُ الأمَّهاتِ بخير, كلُّ عامٍ وسوريا القادمةُ استعادَت عافيتَها ولـمَّت شملَها وأمَّلَت بنجاتِها بخالقِها ووَثَقَت بما عندَ الله، وما خابَ عبدٌ أمَّلَ بمولاه، مردِّدِينَ قولَهُ تعالى: ((عسى أن تكرَهوا شيئاً وهوَ خيرٌ لكم)).
وأخيراً الشُّكرُ موصول للقائِمِينَ على هذا الموقعِ الذي أحسَبُ أنَّ خدمَتَهُمُ الصَّادقةَ والحثيثةَ لهُ ما هيَ إلّا ثمرةُ صدقِ فقيدِ بلادِ الشَّامِ فقيدِنا الشَّهيدِ شهيدِ المحرابِ الدّكتور محمَّد سعيد رمضان البوطي. اللهمَّ إنَّا نسألُكَ بفَيحِ وبركاتِ دعائهِ أن تفرِّجَ عن بلادِ الشّام، وأن تجزيَهُ عنّا خيرَ الجزاء.. والسَّلامُ علَيكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه..