مميز
الكاتب: محمد الغريب
التاريخ: 09/03/2015

خاتمة الأستاذ البوطي.. والأدب مع الله تعالى

مقالات

خاتمة الأستاذ البوطي.. والأدب مع الله تعالى
الكاتب: محمد الغريب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لم نزل نسمع من العلماء في دروسهم وخطبهم ومجالسهم، الحديثَ عن خاتمة الإنسان، وكيف يلقى الله تعالى، وكنّا نسمع منهم التأكيد على أنّ الخاتمة نتيجة وخلاصة صادقة لأيام عمرالإنسان وحياته التي أمضاها.. من أجل ذلك كان أوّل ما يخطر ببال المسلم - الذي يدرك ما معنى حسن الخاتمة وسوء الخاتمة - إذا سمع بموت إنسان، أن يسأل: على أيّ حال مات، وبأي هيئة لقي ربّه؟.
من أجل هذا توقّعت حين بلغني نبأ استشهاد الأستاذ البوطي، أن ينتهي اللّجاج بشأن موقفه، وأن يُقطع شكّ مَن في قلبه شكّ، بهذا اليقين الذي أظهره الله تعالى لمَن يعتبر من عباده.
ولكنّني فوجئتأنّ كثيراً من الناس - بما فيهم كثير من السادة العلماء - لم يشغلوا أنفسهم بهذا السؤال، بل تشاغلوا عنهبالحديث عن القاتل، وأصدروا أحكامهم الجازمة منذ اللّحظة الأولى بتحديد الجهة التي قتلت.
ثمّ كان منهم الشامت، ومنهم من لم يطاوعه لسانه على أن ينطق بكلمة رحمه الله في حقّ مسلم عالم أمضى عمره كلّه - إلى اللحظة التي استقبل فيها الموت - في خدمة هذا الدّين، ولم يستطع أحدٌ أن يدّعي أنّه جعل من الدين مطيّة لدنياه في يوم من الأيام.. وكان منهم كذلك مَن كذب على الشيخ، بل ربّما كان يقصد أن يكذب للشيخ، فادّعى أنّ الشيخ كان قد غيّر موقفه بخصوص ما يجري في سورية..وعلى كل حال هو كذب، سواء كان كذباً عليه أو كذباً له
كان جديراً بكلّ مسلم أن يتعامل مع هذا الحدث بالمنطق الإيماني، لابمنطق الفضائيات والسياسة.. وكان قميناً بكلّ مسلم – فضلاً عن العلماء – أن يقف مليّاً عند الخاتمة التي اختارتها حكمة الله تعالى الباهرة لهذا الرّجل.
لقداتّهموه بأنه باع دينه، بل كنّا نسمع ونرى مَن جعل من نفسه لسان الغيب، ليفتري على الله الكذب، فكان يتّهم الرجل بالنفاق، ويجزم بأنّه سيلقى سوء الخاتمة إذا بقي على موقفه.
لقد بقي الرّجل ثابتاً على موقفه إلى اللّحظة التي لقي الله تعالى فيها، فما الذي كان، وكيف اختار الله تعالى له أن يلقاه؟.
أقول لك يا أخي المسلم: دعك من منطق الفضائيات، ودعك من الذين تورّطوا في أوحال السياسة وأدرانها، وعش مع قوله تعالى:(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَاكَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)، دعك ممّن قتل، وتأمّل في حكمة المدبّر المقدّر، وشاهد تعامله مع من صدق معه من عباده، وقف مليّاً عند قوله تعالى:(وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ).
لقد كان الأستاذ البوطي رحمه الله يخرج من بيته إلى صلاة الفجر كلّ يوم، حتى في اليوم الذي قبض فيه.. وكان يخرج إلى الجامعة، وإلى غير ذلك من الأماكن.. وما كان أيسر أن يُقتل في الطريق برصاصة واحدة أو رصاصتين.. إن السيارة العتيقة التي كان يركبها لم تكن مصفّحة.. لماذا لم يقدّر الله تعالى له أن يقتل بمفرده،في شارع من شوارع دمشق، أو في بعض أزقّتها؟!.
لقد شاء الله تعالى أن يلقى عبده ليلة الجمعة، وهو معتكف في بيت من بيوت الله، يتميّز بما يموج به من النشاط العلمي، وبما يرتاده من جموع طلبة العلم الصادقين.. وكان الرّجل قد أدّى صلاة المغرب ثم جلس ينتظر صلاة العشاء،وقد صحّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال:(ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط).
نعم كان في رباط.. ولكن أيّ رباط.. لقد كان في اللّحظة التي أتاه فيها الأجل، عاكفاً على تعليم الناس الخير، فكان يفسّر كلام الله تعالى، وليس غيره.. أجل، اختار الله تعالى أن يقبضه وهو يفسّر كلامه، ولو كان عاكفاً على تدريس غيره، ربّما جاء أفّاك أثيم ليرفع عقيرته،ويقول بلهجته التكفيرية الجاهلية العمياء: إنّه كان يدرّس من كتب المبتدعة وأهل الشّرك والضلال!.. ولكن شاء الله تعالى أن يخرس هؤلاء، ويريح الناس من نعيقهم.
ورسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول في الحديث الصحيح عند الإمام مسلم وغيره:(ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده).
وحين أصيب الأستاذ البوطي كان آخر ما سمعه الناس من كلامه قولَه:"يا الله" فاختار الله تعالى أن يكون آخر ما يجريه على لسان عبده لفظ الجلالة.. وكان آخر ما رأى الناس من فعله الإرادي، أنّه خرّ ساجداً لله تعالى.. وهي أحب وضعية إلى الله تعالى، وأقرب ما يكون العبد من ربّه وهو على تلك الحال، كما ثبت في صحيح مسلم وفي غيره:(أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد).
ثم قد اختار الله تعالى أن يأخذ هذا الرّجل في موكب مهيب ضمّ حوالي خمسين من طلبة العلم الصادقين.. وكأنّ الله تعالى يقول للشهيد السعيد: ما ينبغي أن تأتينا بمفردك، وأن نخصّك وحدك بكرمنا، بل سنرفع معك العشرات من تلامذتك الصادقين الأطهار، الذين بقوا على العهد، وما زاغت بهم الأهواء، ولا هزّتهم العواصف، سنرفعهم معك ليزفّوك إلينا –وأنت عروسهم- وليسعدوا برفقتك إلى جلوتك في حضرة القدس:
وإذا سخّر الإله أناساً
لسعيد فإنّهم سعداء
أجل، سنفعل ذلك تكريماً لك ولتلامذتك.. وقبل ذلك سنفعله تكريماً لمَن هم في استقبالك، ممّن تحبّهم ويحبّونك، وممّن كنت في شوق إلى لقائهم، وهم في شوق إلى لقائك، وعلى رأسهم فخر الكائنات حبيبنا المصطفى عليه الصلاة والسلام، الذي تمسّكت بهديه، وقدّمت حياتك في سبيل أن يرضى عنك، وأن تلقاه غير مبدّل لما جاء به.
وتكريماًللصدّيق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه، رمز الثبات في هذه الأمّة المحمّدية، الذي ثبت يوم الرّدّة وثبت يوم وفاة محمد عليه الصلاة والسلام، فأشبهته في ثباتك، حين اضطرب الناس.
وتكريما لشهيد المحراب عمر، ولشهيد الدار عثمان الذي سال دمه الزكي على المصحف الشريف كما سال عليه دمك الزّكي، وشهيد الحق عليّ رضي الله عنهم وأرضاهم، هؤلاء الذين أحببتهم وأحبّوك، فأشبهت أوّلهم بموتتك في المحراب، والثاني باستشهادك وأنت عاكف على تلاوة كتاب الله تعالى ومدارسته، والثالث، باستشهادك على أيدي المارقين المجرمين.
وتكريماً لحجّة الإسلام الغزالي رضي الله عنه، الذي كان منطقك أشبه شيء بمنطقه في الذّود عن دين الله بالحجّة والبرهان، والجمع بين العقل والوجدان.
وتكريماً للشيخ عبد القادر الكيلاني وابن عطاء الله السّكندري، وبقية الورّاث المحمّدييّن رضي الله عنهم، الذين كانت تربطك بهم صِلة روحانية خاصّة.
وتكريماً للسعيد الأولبديع الزمان النورسي رضي الله عنه، الذي كنت تعدّ نفسك واحداً من تلاميذه، وتحرص على اتّباع منهجه، لتكون أنت عندنا السعيد الثاني الشهيد إن شاء الله.
هذه معان وضعها الله تعالى لنا على طرف الثمام لنجنيها - من غير كُلفة - من قصّة خاتمة الأستاذ البوطي الشهيد السعيد رحمه الله تعالى ورضي عنه، وهي معان يفهمها المؤمن بفطرته، مهما كان زاده من العلم قليلاً.
ومع هذا فقدشاء الله تعالى أن يظهر شرف عبده وفضلَه وعظيم قدره عنده، لكلّ من ينتمي إلى الجنس الإنساني، حتى أولئك الذين لا يتعاملون مع المنطق الإيماني ولا يفهمونه.
لقد اختار الله تعالى لكأيها الشهيد السعيد جوار ذلك الأسد، الذي خشعت الدنيا لزئيره، وذلّت الرّوم لهيبته.. ذلك الجوار الذي كان على موعدٍ معك، فبقي شاغراً ينتظرك منذ تسعة قرون تقريباً، لتسعد تلك التربة بك وتنتشي إذ تضمّك بحنان، كما تضمّ الأمّ الرّؤوم ولدها الحبيب بعد طول غياب، وليسعد ذلك الأسد بجوارك المبارك، فهنيئاً لك وهنيئاً له.
أيّها الشّهيد السعيد: لقد علّمتنا كيف يكون ثبات المسلم على الحقّ الذي آمن به، وكيف يستهين العالم الصادق بالدنيا كلّها في جنب مرضاة الله تعالى، وقد أبى الله عزّ وجل إلا أن يجعل من استشهادك درساً لكلّ مسلم، ليتعلّم منه أيّ خاتمة يسأل اللَه تعالى أن يكرمه بها، إذا هو سأل الله حسن الخاتمة.
نسأل الله تعالى أن يكرمنا بخاتمة مثل الخاتمة التي أكرمك بها.. وهل هناك وليٌّ لله تعالى أوصَديق لا يغبطك على تلك الخاتمة؟!.
فيا أخي المسلم، ويا أيها العالم الذي أكرمه الله تعالى فجعل من عقله وصدره وعاء للعلم الشريف، ألا ينبغي أن نتأدّب مع الله تعالى، وأن نكفّ عن ظنّ السّوء، وتحريك ألسنتنا بقالة السّوء في حقّ من أظهر الله تعالى لكلّ ذي لبٍّ، جانبَ الاستكبار، ولم يتنكّر للإنصاف - دلائل صدقه مع جنابه.
ويا أيّها الإنسان، الذي عرف معنى البطولة والشهامة والغيرة، حذارِ حذارِ من أن تسيئ إلى صلاح الدين في جواره.
اللهمّ ارزقنا حسن الأدب معك ومع أوليائك ومع عبادك المؤمنين بك.
الإثنين20 جمادى الأولى، الموافق 01 نيسان، 2013

تحميل



تشغيل