مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 16/02/2015

حكم ستر وجه المرأة المسلمة

مقالات

حكم ستر وجه المرأة المسلمة
للإمام الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
جاء في كتاب فقه السيرة النبوية بعد ذكر قصة خيانة بنو قينقاع للمسلمين:
( ... الحجاب الذي شرعه الإسلام للمرأة سابغ للوجه أيضاً، وإلا لم يكن هناك أي حاجة إلى أن تسير هذه المرأة في الطريق ساترة وجهها، ولو لم يكن سترها لوجهها تحقيقاً لحكم ديني يأمرها بذلك، لما وجد اليهود ما يدفعهم إلى ما صنعوا، لأنهم إنما أرادوا من ذلك مغايظة شعورها الديني الذي كان يبدو جلياً في مظهرها.
وقد يقال: إن في هذه القصة التي تفرد بروايتها ابن هشام بعض اللين، فلا تقوى على الدلالة على مثل هذا الحكم، إلا أنه يشهد لها أحاديث أخرى ثابتة لا مجال للطعن فيها.
فمن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، في باب ما يلبس المحرم من الثياب. قالت: ((لا تلثم _أي المرأة_ ولا تتبرقع ولا تلبس ثوباً بورس ولا زعفران)). ومثله ما رواه مالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: ((لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين))[1].
فما معنى نهي المرأة عن أن تتبرقع أو تتنقب أثناء الإحرام بالحج، ولماذا كان هذا النهي خاصاً بالمرأة دون الرجل؟ لا شك أن النهي فرع عما كانت تفعله المرأة المسلمة إذ ذاك من الانتقاب وإسدال البرقع على وجهها، فاقتضى الحكم استثناء ذلك في الحج.
ومنه ما رواه مسلم وغيره من حديث فاطمة بنت قيس أنها لما طلقت زوجها، فبت طلاقها، أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت أم شريك، ثم أرسل إليها أن بيت أم شريك يغشاه أصحابي (أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فاعتد في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم، فإنه ضرير البصر وإنك إذا وضعت خمارك لم يرك.
هذا من حيث ما ورد من الأدلة على وجوب ستر المرأة وجهها وبقية جسمها عن الرجال الأجانب.
أما من حيث الدليل على حرمة نظر الرجل إلى ذلك منها، فقد وردت بذلك أحاديث كثيرة أيضاً.
فمن ذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن بريرة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: ((يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليس لك الأخرة))، ومن ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه _وفي قصة المرأة الخثعمية الوضيئة_ فطفق الفضل ينظر إليها، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بذقن الفضل فحول وجهه عن النظر إليها.
فأنت ترى أنه قد اجتمع في هذه الأحاديث نهيان نهي المرأة عن كشف وجهها أو شيء مما سواه أمام الأجانب، ونهي الرجل عن النظر إلى ذلك منها، وفي ذلك دلالة وافية متكاملة على أن وجه المرأة عورة في حق الأجانب عنها إلا في حالات خاصة مستثناة كضرورة التطيب والتعلم والشهادة ونحو ذلك.
على أن من أئمة المذاهب من ذهب إلى أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة، فلا يجب سترهما وحملوا ما سبق من الأحاديث الدالة على خلاف ذلك من الندب دون الوجوب، غير أن الجميع اتفقوا على أنه لا يجوز النظر إلى شيء من جسم المرأة بشهوة، وعلى أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها إذا عم الفسق وأصبح أكثر الذين ينظرون إليها فساقاً يتأملونها بنظرات محرمة.
وإذا تأملت في حال المسلمين اليوم وما عم فيه من الفسق والفجور وسوء التربية والأخلاق، علمت أنه لا مجال للقول بجواز كشف المرأة وجهها والحالة هذه، إن هذا المنحدر الخطير الذي سير فيه المجتمع الإسلامي اليوم يقتضي _لضمان السلامة والحفظ_ مزيداً من الحذر في السير ومزيداً من التشدد في أسباب الحيطة ريثما يتجاوز المسلمون مرحلة الخطر ويصبحون قادرين على امتلاك أمرهم وضبط أزمتهم بأيديهم.
وبعبارة موجزة نقول: إن من شأن اتباع الرخص والتسهيلات الدينية، أن تصبح منزلقاً، تحت أقدام أصحابها، إلى التحلل العام عن أصل الواجبات، مالم يوجد تيار اجتماعي ديني سليم يضبط تلك الرخص ضمن منهج اسلامي عام ويحفظها عن أن تشتط وتتجاوز الحدود المشروعة.
ومن عجيب أمر بعض الناس أنهم، يتعلقون بهذا الذي يسمونه: تبدل الأحكام بتبدل الزمان في مجال التخفيف والتسهيل والسير مع مقتضيات التحلل من الواجبات فقط، ولكنهم لا يتذكرون هذا القاعدة إطلاقاً عندما يقتضيهم الأمر عكس ذلك، أنا فلست أجد مثالاً تتجلى فيه ضرورة تبدل الأحكام بتبدل الزمان مثل ضرورة اقول بوجوب ستر المرأة وجهها نظراً لمقتضيات الزمن الذي نحن فيه، ونظراً لما تكاثر فيه من المنزلقات التي تستوجب مزيداً من الحذر في السير وتبصر مواقع الأقدام ريثما يهيئ الله للمسلمين مجتمعهم الإسلامي المنشود.
[1] البخاري:3/146،والموطأ:1/328.

تحميل



تشغيل