مميز
التاريخ:

المسجد الجديد للباحثة نبيلة القوصي

مساجد الشام
مسجد الجديد في حي الصالحية
بدمشق
الباحثة نبيلة حسن القوصي
إخوتي قراء زاوية ( معالم وأعيان).
يخبرنا ابن عساكر في كتابه الشهير ( تاريخ دمشق ) في باب (ذكر معرفة مساجد البلد وحصرها بذكر التعريف لها والعدد)، بأن الصحابي واثلة الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((ستكون دمشق في آخر الزمان أكثر المدائن أهلاً وأكثره أبدالاً وأكثره مساجداً وأكثره زهاداً وأكثره مالاً ورجالاً، وأقله كفاراً، وهو معقل لأهلها)) .
ويعلق ابن عساكر: (وكثرة المساجد تدل على اهتمام أهلها بالدين وكثرة المصلين فيها والمتعبدين...) .
فمدينة دمشق كانت ولازالت تتألق بما حملت من ألقاب رائعة، منها لقب (مدينة المساجد)، ليس فقط لكثرة عددها، وإنما أيضاَ لقوة رسوخها في الإيمان الحقيقي البعيد عن نوايا النفاق والخصام والشقاق، فهي ملاذ الناس عند كثرة وقوع الفتن.. حيث يقول نبينا الكريم في نصيحته لصحابته رضوان الله عليهم:(( عليكم بالشام..))، ((..يجتبي إليها صفوة خلقه))، ((الخير في الشام))، ((..فمن خرج منها فقد باء بسخط من الله ..))..
هذه الأحاديث الكثيرة المشهورة بالتواتر هي من قول سيد البشر، وليست قول إنسان عادي.. مما يجعل ساكني دمشق والشام أمام مسؤولية كبيرة تجاه نبيهم الكريم ،في محاسبة ومراقبة القلب والنفس وهواها، فهم من جعلهم سيد الكون العنوان الحقيقي للإسلام ، بأخلاقهم النبوية المحمدية المزدانة بنسائم الرحمة وحب الخير للجميع، فالخلق كلهم عيال الله، أحبهم إليه أنفعهم لعياله....وقال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) .
اللهم اجعلنا ممن يفقه محاسبة نفسه ومخالفة هواها قبل أن تتربع تلك النفس الأمارة بالسوء على القلوب...
ونحن عندما ندعوكم لزيارة معلم ديني قديم من خلال هذه الزاوية، فإن دعوتنا ليست بدعوة عشوائية، تبدأ بكلام لتنتهي بتمنيات فقط، لأن رحلتنا السياحية هذه، يُراد منها اكتساب المعرفة التاريخية التي تسهم في توسّع لمداركنا العقلية مع سياحة لأرواحنا في فضائيات الإيمان والرقي نتلمسهما في سِيَر من كانوا قبلنا، اجتهدوا وبحثوا لهم عن قدم صدق فوق أرض دمشق إجلالاً لأحاديث النبي الكريم.. فهيّا نبدأ سياحتنا بالدعاء:
(اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم، وأدخلنا بنور الفهم، وافتح علينا بمعرفة العلم، وسهّل أخلاقنا بالحلم، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه) اللهم أمين .
إخوتي القراء :
تخبرنا المصادر بأن حي قاسيون أول وأقدم حي أُنشئ خارج سور دمشق القديمة، وخلال سنوات قليلة، أصبح هذا الحي بمثابة عاصمة جديدة تنافس دمشق القديمة، ذلك للنشاط والازدهار الثقافي والاجتماعي والديني فيه، كان للنساء دور كبير في إرساء هذه المعالم الرائعة، حيث جمعن بين دورهن التربوي الأسري الهام ودورهن الاجتماعي والعلمي الثقافي في المجتمع الدمشقي.
لقد كان الدمشقيون فيما مضى مجالسهم يجعلونها محضرا للتنزه، بمسامرات ثقافية جميلة لا يراد منها إلا الفائدة ، فلا ينقضي يومهم إلا بإنشاء الأشعار الهادفة ....
والشواهد كثيرة تستنطقنا وترجونا للتعرف عليها للاعتبار بها، فامضِ أيها السائح قريباً من القباب الشركسية غربي مقام ابن العربي رحمه الله، وباتجاه الجسر الأبيض، فهناك جادة تسمى بابن المقدم.. وعلى ضفة نهر يزيد ستجد مسجداً قائماً خصائصه المعمارية تجمع بين الفن الأيوبي والمملوكي، وغربي المسجد تربة أيوبية.
ما هويتهما ؟ وماهي رسالتهما لنا ؟
فلنستمع:
تُجمع المصادر بأن من بنى التربة هي (عصمة الدين خاتون) في عام 577ھ ، زوجة السلطان نور الدين الزنكي، التي عُرفت بعفتها وقوة إيمانها وحكمتها التي أهّلتها لتكون مستشارة زوجها السلطان نور الدين..
تحكي المصادر أنها السبب في جراية أجراها نور الدين لضاربي الطبلخانات في القلعة وقت السحر، بعد أن جزعت يوماً لعدم استيقاظها عن وردا لها في الليل ...
وهي ابنة الأمير معين الدين أنر السلجوقي، نائب الشام وأتابك عسكرها قبل نور الدين.
ثم بعد وفاة نور الدين، بقيت في القلعة سنواتٍ معززةً يطلب الجميع ودّها ، إلى أن تزوجها القائد صلاح الدين الأيوبي..
وأمرت ببناء التربة قبل وفاتها بأربع سنوات ،وعندما توفيت عام 581ھ/ 1185م، دُفنت في تربتها، وسُمّيت بالتربة الخاتونية..وكان لها أيادي خيرة كثيرة في دمشق،كمثيلاتها من النساء الأيوبيات الخواتين ذوات القدر( وخاتون معناها أميرة أو سلطانة) منافساتهن كانت تنحصر في بناء مسجد أو مدرسة أو رباط وتنفق فيها الأموال ثم تعين لها من مالها الأوقاف .....
وفي عام 653ھ/1237م، بنى خضر بن محمد السرهندي الحلبي الناصري مسجداً صغيراً إلى جانب التربة، وفي العهد المملوكي عام 790ھ/1388م، قام التاجر سليمان حسين الغفيري بتوسعته بإشراف علي ابن التدمري، فعُرف باسم (جامع الجديد)، وقد كان يُطلق عليه اسم الخاتونية نسبة للتربة.
وفي عام 975ھ ،قام محمد بن محمد المترح بتوسعة المسجد ضعفي مساحته من جهة الغرب بعد هدم حائطه الغربي، وقام ببناء محراب ثانٍ له، وأجرى عليه أوقافاً، وأنفق من ماله وساعده بعض أهل الخير..
أما عن وصف الجامع :
في أعلى باب المسجد لوحة رخامية بنص مكتوب عليها التاريخ والأسماء ..... كما أسلفنا، ونلاحظ بأن الفن المعماري الأيوبي والمملوكي قد تمازجا واتحدا معاً في هذا المسجد، ذلك لتجديده وتوسيعه عدة مرات.
ومن باب المسجد نبدأ :
يعلو الباب الرئيسي قوس أبلق على الطراز المملوكي خالٍ من المقرنصات التي اشتهر بها الفن المملوكي والحرم مستطيل الشكل، ضيق في العرض، فيه ثلاثة محاريب ومنبر عادي، وله ثلاث شبابيك: الشرقي يطل على الطريق، والآخران قبليان كانا يطلان على نهر يزيد.
يحمل سقف الحرم خمسة قناطر، وفي وسط الصحن بحرة.
أما في الجهة الشمالية الشرقية للمصلى، فترتفع منارة حجرية.. وغرب المصلى نرى ضريح خاتون عصمة الدين يعلوها قبة أيوبية، بجانبها التربة المثقالية وضريح للأمير المجاهد مثقال بن عبد الله الجمدار/ أبو بكر بن العيتي.
أما المئذنة فقصيرة ومشيدة من الحجر، قاعدتها مربعة أيوبية، وجذعها مثمن الأضلاع مملوكي الطراز على شكل خوذة، والشرفة على الطراز العثماني لتضررها من زلزال ألمّ بها في عام 1759 م.
وفي الختام يا إخوتي، نجد لسان حالنا يقول: وماذا بعد؟
نعم... ماذا بعد؟ فمازالت في الأنفاس بقية، ودمشق ستبقى مباركة أبية، تزينها شواهد تاريخية عظيمة موزّعة بين أحيائها هنا وهناك، تحكي قصة إنسان عاش قبلنا، فعرف ذاته وأصله والهدف من خلقه ، وفهم دوره الحقيقي في الدنيا، ثم سعى في عمارة يفخر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وانشغل بالبحث عن المعنى الحقيقي للخلود على الأرض، فتمثّلَ المنهج المحمدي العظيم، وترك لنا سيراً وآثاراً تُتَرجِم هدفه السامي...
وبالمختصر يا إخوتي، فقد فقه أهل دمشق معنى حديث المصطفى الكريم: (( إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).
نسأل الله لنا ولكم التوفيق في فهم وفقه مقصد النبي الكريم لمعاني حديثه الشريف ويرزقنا حسن الاتباع المحمدي، لنكون من أهل دمشق الذين ينتظرهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مشتاقاً إليهم، فهم إخوانه الذين آمنوا به ولم يروه، وعملوا بما يحب ويرضى.. وإن أول خطوة إلى ذلك تكون بالتفكر والتأمل في سير من كان قبلنا، وما هي إلا سنة محمدية كانت أول ما قام به رسولنا الكريم في غار حراء، التأمل والتفكر مع الدعاء للتوفيق، فهيا نُحييها معكم من خلال هذه الزاوية.
المصادر والمراجع:
القلائد الجوهرية/ ابن طولون
تاريخ دمشق/ ابن عساك
الدارس في تاريخ المدارس/ النعيمي
البداية والنهاية/ ابن كثير
العمارة الإسلامية/ الريحاوي


تشغيل