مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 07/12/2014

المحدث والمؤرخ الإمام الذهبي

أعيان الشام

المحدث والمؤرخ

شمس الدين محمد الذهبي

إخوتي القراء:

في مدينة دمشق الحبيبة مقابرُ عدةٌ موزعةٌ بين أحيائها القديمة هنا وهناك ،تحكي لنا قصص بعضٍ من أصحابها الذين كان لهم أثر في تسطير تاريخ دمشقَ الإسلامي العظيم.

ومن أقدم تلك المقابر مقبرة( الباب الصغير) الواقعة في منطقة باب مصلى، ففيها عدد من الصحابة الكرام والعلماء الأجلاء الذين قد سُطّرت أسماؤهم وحُفظت في كتب ومؤلفات كي تكون لهم الشاهد والدليل على طيب وحسن سيرهم أمام نبي الرحمة الذي دعى للشام وأهلها، وأخبر أن فيها صفوة الخلق، فاجتهد علماؤها على أنفسهم متتبعين نهج النبوة المحمدية بأخلاق ونفوس نقية ، لتتلألأ سيرهم في كتب التاريخ ولتكونَ عبرةً وعظةً فقط لمن قرأ وسمع ببصيرة متصلةٍ بالله عز وجل طالبةٍ رضا الله ورسوله ..

فالتفكر بالعقل لا بهوى النفس مع قلب نقي محب مشفق على الخلق يفتح للإنسان آفاق الفتوح لنيل المقصود بإذن الله ، وهو القائل عز وجل: ( إقرأ باسم ربك الذي خلق).

فالقراءة والعلم واجب ولكن التدبر والتأمل أثناء القراءة واجب أكبر علينا لأن الفائدة والاعتبار هنا يسبقان المتعة، قال عز وجل: ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم...) .

فمن هو هذا الذي يدعونا لقراءة سيرته العطرة، والتي تفوح منها معالم النهج المحمدي العظيم، فساهم بسيرته الذهبية هذه في بناء مدينة دمشق المباركة التي حظيت بدعاء نبينا الكريم؟

إنه الإمام الذهبي الحافظ، محدّث ومؤرخ بلاد الشام في القرن الثامن للهجرة، الذي تميز بالجمع الموسوعي للتاريخ الإسلامي والإحاطة الدقيقة لقواعد الجرح والتعديل، حيث زخرت وازدانت المكتبة الإسلامية بمؤلفاته ومصنفاته المفيدة والمتنوعة، واستفاد منه جمع غفير من الناس، وطافت شهرته في البلاد شهرة استقطب بها العلماء وطلبة العلم من أنحاء العالم الإسلامي الواسع يتوافدون للتعرف عليه والاستفادة منه، نعم ولمَ العجب؟ فهؤلاء علماءك يا دمشق ولكِ بذلك الفخر والاعتزاز، فنبينا الكريم قد فخر بهم وتشوق لرؤيتهم، فهم إخوانه الحقيقيون: (وددت لو رأيت إخواني، الذين آمنوا بي ولم يروني....) .. والمؤكد بأن الأخوة تستلزم العمل بما يحب ويرضي نبينا الكريم..

فهل تشوقتم، إخوتي القراء، لمعرفة سيرة الذهبي الذهبية التي رافقته في حياته وبعد مماته براقةً لامعة تدعونا للوقوف عندها...؟ هيّا نقرأ معاً ..

بداية فلنستمع إلى تعليق له على إيثار عبيدة السلماني المتوفى سنة 74ھ لشعرة نبوية على سائر ذهب وفضة الأرض :

"هذا القول من عبيدة هو معيار كمال الحب وهو أن يؤثر شعرة نبوية على كل ذهبٍ وفضةٍ بأيدي الناس ،ومثل هذا القول لإمامٍ بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين سنة فمالذي نقوله نحن في وقتنا لو وجدنا بعض شعره بإسنادٍ ثابتٍ ،أو شسع نعلٍ كان له ،أو قُلامة ظفرٍ ،أو شقفةٍ من إناء شرب فيه."

"فلو بذل الغني معظم أمواله في تحصيل شيءٍ من ذلك عنده ،أكنتَ تعده مبذراً أو سفيهاً ؟

كلا فابذل مالك في زورةِ مسجده الذي بَنى فيه بيده ،و السلامُ عليه عند حجرته في بلده ، والتذَّ بالنظر إلى أُحده وأحبَه ،فقد كان نبيُك صلى الله عليه وسلم يحُبه ،و تملّى بالحلول في روضته ومقعده ،فلن تكون مؤمناً حتى يكونَ هذا السيدُ أحب إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلهم."

اسمه ونسبه :

محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الأصل الفارقي ثم الدمشقي الحافظ أبو عبد الله شمس الدين الذهبي ،ولد في 3 ربيع الأخر عام 673 ھ في دمشقَ ونشأ فيها وترعرع بين أحضان أسرةٍ كريمةٍ ،و كان والده يعمل في صناعة الذهب ومنها عُرف بالذهبي ،و كان والده رجلاً صالحاً محبّاً للعلم اعتنى بتربيته وتنشئته على حبِّ العلم والمعرفة فانضم إلى حلقات تحفيظ القرآن الكريم حتى حفظه وأتقن تلاوته في سنٍ مبكرةٍ وطلب الحديث وهو ابن ثمان عشر.

( فالأسرة) هي من أهم العوامل المؤثرة في نشأة الأبناء ونبينا حذر من التهاون في ذلك وقال: (.. وكلكم مسؤول عن رعيته ...والرجل راع في بيته ....) اللهم لا تحرمنا فقه فهم المسؤولية التربوية التي يقصدها مربينا نبي الرحمة . لأن ما يتلقاه الأبناء في الصغر سيظهر للملأ ولو بعد حين, ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يولد المولود على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو يمجّسانه...).

فلتنظر كل أسرة منا عن ماهية نشأة أبنائها قبل فوات الأوان.....

أما العامل الثاني في التكوين الشخصي للإنسان هو( المجتمع)، ودمشق العزيزة التي حباها الله نعم كثيرة كانت ومازالت تقدم لساكنيها شرف سُكناها ليعمل ويجتهد كل فرد منا في مكانه ويسعى للفوز برضا الله ورسوله..فحملت ألقاب عدة منها مدينة (العلم والعلماء) و(مدينة المدارس) وغير ذلك.

وإمامنا الذهبي الذي حظي برعاية أهله وعنايتهم به أخذ يبرز ذكاؤه أمام العلماء لينال اهتمام شموس العلم في عصره أمثال المزي والسبكي وابن كثير وغيرهم... فأخذت تبرز شخصيته العلمية بقوة ليصبح من جهابذة العصر.

استغل الذهبي هذا الجو العام الذي تهيأ له فملأ المكتبة الإسلامية بالعلم النافع وأقرنه بالعمل الصالح، يتعلم ويعلم دين الإسلام المحمدي الأصيل بنفحة دمشقية مميزة...

فلم تعرف المكتبات مؤرخاً غزير الإنتاج متنوع التأليف كالإمام الذهبي ،الذي جمع بين ميزتين لم تجتمعا إلا لقلائل من العلماء ، فإلى جانب إحاطته الواسعة بالتاريخ الإسلامي وحوادثه ورجاله، فقد أحاط بمعرفة واسعة في قواعد الجرح والتعديل، فكان مدرسةً بذاته ذهبيَّ الاسم والمضمون رحمه الله وجزاه خيراً.

شيوخه:

كان شيوخه كثرة بلغوا من فوق الألف ، ولن نطيل بتعدادهم ولكن لنلفت النظر على حرصه الشديد في ملازمة الصالحين من أجلاء ذلك العصر لتزداد شخصيته العلمية سعة ومتانة مع ازدياد في التواضع، ولينال الثناء من علماء وعامة ذلك العصر..

أجازه أبو زكريا بن الصيرفي والقطب بن عصرون والقاسم الأزبكي وعمر بن القواس وأحمد بن هبة الله بن عساكر ويوسف بن أحمد وغيرهم ....

كان المزي وابن تيمية وتاج الدين السبكي من شيوخه وأقرانه على الرغم من فارق العمر.

عشق الذهبي الرحلات العلمية التي اشتهر بها سادة العلماء لنشر معالم النبوة الحق عبر أخلاقهم وعلمهم النافع المفيد لكل زمان ومكان..

منعه والده خوفاً عليه فارتحل ضمن الخارطة الشامية وأول رحلاته كانت إلى (كفر بطنا) بغوطة دمشق تولى الخطابة وألف أفضل كتبه فيها ، ثم تولى مشيخة دار الحديث.

ومن شيوخه: عبد الخالق بن علوان وزينب بنت عمرو وغيرهم من بعلبك....

ومن حلب سنقر الزيني وغيره ، ومن نابلس العماد بن بدران وغيره...

وبعد وفاة والده ذهب للحج فسمع في مكة من التوزري وغيره....

ومن مصر الأبرقوهي وعيسى بن عبد المنعم بن شهاب وشيخ الإسلام بن دقيق العيد والحافظين أبي محمد الدمياطي وأبي العباس بن الظاهري، وسمع بالإسكندرية من أحمد العراقي وأبي الحسين يحيى بن أحمد بن الصواف وغيرهم ..

تلامذته:

سمع منه جمع كثيرٌ لا يحصى عددهم توافدوا من أنحاء العالم الإسلامي، وأخذ طلاب العلم الشرعي الأصيل يتزودون منه..

وكان من أبرز من روى عنه ابن كثير والسبكي والصفدي وابن رجب الحنبلي..... وكانت لهم أقوال مدح وثناء فيه، فماذا قالوا...؟

أقوال العلماء فيه:

قال أبو المحاسن: (صنف الكتب المفيدة فمن أطولها تاريخ الإسلام ومن أحسنها ميزان الاعتدال في نقد الرجال)

قال ابن حجر: (ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءةً ونسخاً وسماعاً، ومهر في فن الحديث وجمع له المجاميع...حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفاً..)

قال ابن كثير: (الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه)

وقال ابن السبكي: (يشتمل عصرنا غلى أربعة من الحفاظ وبينهم عموم وخصوص: المزي والبرزلي والذهبي والشيخ الوالد، لا خامس لهم في عصرهم...كأنما جُمعت الأمة في صعيدٍ واحدٍ فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها.....جزاه عنا أفضل الجزاء).

وقال ابن العماد : (وأطنبت باسمه الأمثال ، وسار اسمه مسير لقبه الشمس، إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر ، ولا يدبر إذا أقبلت الليالي، أقام في دمشق يرحل إليه من سائر البلاد،وهو بين أكنافها شرفٌ تفتخر وتزهو به الدنيا وما فيها ..). رحمهم الله جميعاً..

فالنفس تجد راحةً بسماع أخبارهم وسيرهم، وهنيئاً لمن أحبهم واجتهد على نفسه كي ينال الفائدة قبل المتعة وقبل فوات الأوان...

مؤلفاته:

كان له تصانيف هائلةٌ ومفيدةٌ منها :

(تاريخ الإسلام الكبير) ومختصره (سير أعلام النبلاء).

(العبرة في خبر من عبر) ومختصره (الدول الإسلامية) ومختصره (الإشارة) ثم مختصره (الإعلام في وفيات الأعلام).

(ميزان الاعتدال في نقد الرجال). (المغني في الضعفاء). (النبلاء في شيوخ السنة).

(طبقات الحفاظ). (طبقات مشاهير القراء).

اختصر(تهذيب الكمال) لشيخه المزي وسماه (تهذيب التهذيب) ثم اختصره إلى (الكاشف).

واختصر(تاريخ بغداد) للخطيب و(تاريخ ابن السمعاني).

اختصر(وفيات المنذري). اختصر(سنن البيهقي).

(المعجم الكبير). (المعجم الأوسط). (المعجم الصغير).

(المشتبه في الأسماء والأنساب). (تذكرة الحفاظ).

وغيرها من المصنفات الكثيرة المفيدة والأوراد الهائلة..

ولا عجب أن حصل على ثناء العلماء الكبار وعامة الناس، فقد كان يحمل قبل العلم سمو الأخلاق ورقيها في نفسه وأهله وبلده.

وهذا عنوان إسلامنا العظيم الذي حرص على ترسيخ الدعوة إلى الله بالحب والرحمة والشفقة على عباد الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه، وأقربهم من النبي مجلساً يوم القيامة أحاسنهم أخلاقاً...

نرجو من الله تعالى أن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه..

تحميل