مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 23/12/2014

رسالة وجهها العلامة الشهيد البوطي إلى سيدنا رسول الله

مقالات

آثرت أيها السادة والسيدات ألا أتكلم من الذاكرة بل أن أشهد في نجواي هذه لساني وقلمي والورق سائلاً الله عز وجل أن يجعل هذه الشهادة مني لرسول الله صلى الله عليه وسلم شفيعاً لا لي فقط بل لنا جميعاً يوم يقوم الناس لرب العالمين.
سيدي رسول الله: هنيئاً لك التكريم الذي حباك وميزك به ربك، إذ اختارك المنفذ الذي لا بديل عنه إلى رحمة من أقبل يسترحمه، وإلى مغفرة من جاء يستغفره فخاطبك قائلاً: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيما) وأعظم بها يا سيدي شهادة من الله عز وجل على فريد اجتبائه واصطفائه لك، أن وقف السبيل إلى رحمته الواسعة الشاملة لعباده جميعاً يوم القيامة، على شفاعتك فيهم، واسترحامك لهم...
سيدي رسول الله: لو كان الخلق الإنساني الرفيع ممثلاً في شخص في كيان لطأطأ الرأس لسمو أخلاقك، وكمال إنسانيتك وصفاء لطفك...
رأيتك يا سيدي وأنت في أعلى قمم النصر يوم فتح مكة لا تنتشي إلا بذل العبودية لربك...
ورأيتك وقد أمكنك الله من نواصي الجاحدين الذين أوسعوك أذى وكيداً وضراً لا تقبل إليهم إلا بوجه المرحمة والصفح ولا تحدثهم إلا بلسان الحب والوداد ولا تعاملهم إلا بما هو شأنك من المكرمة والعطاء...
قيل لك: ألا تدعو الله على طغمة التي طردتك وسفهتك وأمطرتك بحجارة السفهاء والرعاء فبسطت كفيك إلى مولاك قائلاً: (اللهم أهدهم وأتِ بهم مسلمين) عرض عليك الملك والثراء من قبل أصدق شيوخ قريش فأبيت وقلت: (ما جئتكم بما جئتكم به أبغي مالكم ولا الملك عليكم ولا السؤدد فيكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل علي كتابه فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فذالك حظكم مني وذالك حظي منكم وإن تردوه علي اصبر لأمر الله حتى يحكم ما بيني وبينكم)
سيدي رسول الله: أسعدني الله بدراسة سيرتك وأنا يافع دون عمر الشباب ثم شرفني بتدريس سيرتك لطلاب الجامعة فلا والله لا أذكر ساعات كانت أمتع إلى نفسي ونفوس طلابي، من تلك التي كنا نسموا فيها بأذكارنا ومشاعرنا إلى أجواء أخلاقك الربانية الإنسانية العجيبة...
وكم اقتحمنا بأفكارنا وأخيلتنا حاجز القرون الكثيفة بيننا وبينك بما كنا نستشفه من سيرتك العطرة وشمائلك الرائعة، فرأينا ببصائرنا ما حرمت منه أبصارنا وعشنا معك بالوهم السعيد أيام حياتك مع أصحابك ثم ما هو إلا أن يردنا الواقع إلى دنيانا التي نتقلب في غمارها اليوم، فنتفرق ونحن نكوى بنار الحنين إليك، إلى اسعد أيام الدنيا إلى أيامك الخوالي مع أصحابك، تلك التي حرمت أعيننا من الاكتحال بك...
سيدي رسول الله: قيل لي ألا تكتب فصلا في الدفاع عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، فقد استشرت جرأة الكائدين له والحاقدين عليه من صعاليك حيي بن أخطب وكعب بن أسد... قلت: وهل في الدنيا من يملك أن يضع حبيب الله محمداً في قفص الاتهام حتى يحتاج إلى تافه مثلي يقف منافحا ومدافعا عنه...؟ إنني لا أرقى إلى أن أكون بمستوى التراب الذي تشرف بقدمي رسول الله، وإن صعاليك الدنيا كلهم لو تحولوا إلى كناسين يثيرون من غبار الأرض وأتربتها غيوماً داكنة ابتغاء النيل بها من شمس النبوة المحمدية التي امتدت أشعتها ولا تزال إلى سائر الآفاق لن يؤول مال تلك الأتربة والأوساخ إلا عوداً إلى رؤوسهم... وستبقى شمس النبوة المحمدية صافية مشرقة تتلألأ...
سيدي رسول الله: لقد روينا أنك قلت: (طوبى لمن آمن بي ورآني وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن لم يرني وآمن بي) ولقد روينا في الصحيح قولك يوم سلمت على أهل البقيع: (وددت لو أني رأيت إخواننا...) وها نحن يا سيدي إخوانك المؤمنين بك، نبادلك اليوم شوقاً بشوق ولقد استبد بنا الحنين إليك كما استبد بك، وعزاؤنا اليوم إلى أن نلقاك بعد خاتمة سعيدة مسعدة يكرمنا الله بها وقوفنا كلما اسعفنا الحظ أمام مثواك الطاهر نبعث بتحياتنا المتخذة بالحب إليك، نخاطبك من وراء أسوار القرون التي حجبتنا عنك وكلنا يقين بان الله يسمعك تحيتنا ونجوانا كما يسمعك تحيتنا التي نخاطبك بها في صلاتنا... أما الأمل الكبير الذي لن يذبل في نفوسنا فهو أن نلقاك يا سيدي على حوضك وأنت تستقبل أصحابك الذي عرفتهم ورأوك وإخوانك الذين تشوفت إليهم ولم ترهم واستبد بهم التحنان إليك تستقبلهم مشرق الوجه باسم المحيا وقد أكرمنا الله بالدخول في شفاعتك الكبرى التي ستحط عنا أثقال ذنوبنا وعظيم تقصيرنا...
والآن هل لي يا سيدي أن استودعك باسمي وباسم إخواني هؤلاء وباسم أمتك جمعاء شهادة أن لا اله إلا الله وانك محمد عبده ورسوله... وأنك قد بلغت الأمانة التي حملتها ونصحت أصحابك الذين كانوا من حولك وإخوانك الذين جاؤوا من ورائك... وها نحن اليوم ثمرة من ثمرات جهودك وجهادك، نعيش على مائدة هديك وسنتك، لا نجنح إلى شطط ولا نشرد وراء غواية... فنسألك يا صفوة الله من خلقه أن تحفظ لديك وديعتنا هذه إلى أن يقوم الناس لرب العالمين وقد أكرمنا بخاتمة حسنة تليق بصفحه وجوده وتشرف بواسع شفاعتك...
كما نسألك يا سيدي أن ترفع إلى مولانا ومولاك الأجل رجاءنا أن يصلح حال أمتك وأن يجمع شملها على ما يرضيه، وأن يلهم قادتها عوداً حميداً إلى هديه واعتزازاً بدينه وشرعه وأن يصرف عنا كيد الكائدين وألا يجعل لباغ أي سلطان عليها، وأن يحقق فينا وعدك القائل (سيبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار) وإنا لمنتظرون يا سيدي وقد علمنا أن انتظار الفرج عبادة.

تحميل



تشغيل