مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 07/11/2014

الصحابيُ الجليل عبد الله بنُ أمِّ مَكتوم رضيَ اللهُ عنه

أعيان الشام

الصحابيُ ابنُ أمِّ مَكتوم رضيَ اللهُ عنه


(مؤذّنُ رسولِ اللهِ ﷺ)

الضرير المبصر

يدعونا الصحابي ابن أم مكتوم( رضي الله عنه) لقراءة سيرته تحت قول الإمام الشافعي (رحمه الله):

من سمعَ بأذنه صارَ حاكياً...

ومن أصغى بقلبه كانَ واعياً...

ومن وعظَ بفعله كانَ هادياً...

إخوتي القراء: جميعنا يعلم بأن الصحابي بن أم مكتوم (رضي الله عنه) كان ضريراً لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه وإنما ببصيرة قلبٍ مؤمنٍ بالله ورسوله مطيعاً متبعاً لنبي الهدى والرحمة، فكان هادياً بسيرته المفعمة بقول الله عز وجل: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ)، وقوله تعالى: [فَبَشِّرْ عِبَادِ{17} الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ{18}]

يدعونا لنحذو حذوه ونحرص على ديننا بالسؤال والاستفسار،فمن شدة حرصه على الفوز برضى الله ونبيه نزل فيه عتاب المولى عز وجل لنبيه الكريم ..فأي بذرة حب وتعظيم لله كان يرعاها وينمّيها في قلبه ؟

حرص على سماع ما يقول معلمه ومربيه من أمر ونهي وإن أشكل عليه أمر سأله مستفسرا ًمطيعا ًحريصاً: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا).

ولا دهشة..! فهؤلاء هم صحابة الحبيب المصطفى الذين قالوا: كنا نترك تسعة أعشار الحلال خوفاً من الوقوع في الحرام .....رضي الله عنهم.

إن أي رحلة سياحية ندعوكم للقيام بها عبر زاوية ( معالم وأعيان) ، سواء كانت وقوفاً على قصة معلم أثري، أو سيرة لأحد الصالحين، هي جزء من حركة ومنهاج حياتنا فوق أرض دمشق الحبيبة، وتعد أسلوباً من أساليب التربية المعنوية النفسية التي أرادها الله عز وجل للإنسان، ألا وهي (الوعظ والاعتبار)..

لذلك يجب أن تكون هذه الرحلة السياحية ذات طابعٍ راقٍ فيها الكثير من الإجلال والتقدير لهؤلاء الذين ترجموا منهج النبوة بسيرهم الرائعة ،وربنا القائل:( قل سيروا في الأرض فانظروا..).. فالنظر هنا حالةٌ وجدانيةٌ نفسيةٌ عقليةٌ يجتهد فيها الإنسان على حاله ليميز ويقارن ويتسائل في إدراكٍ ووعيٍ كبيرٍ ماذا يريد الله منا بالتحديد؟

فنكسب الأجر أجرين، أجر الطاعة وأجر المجاهدة..

ليجتهد كل منا بعبرة من هنا وعظة من هناك، والحياة الدنيا مليئة بوسائل وأساليب تسهم في صحوتنا وإيقاظنا قبل فوات الأوان.... وقراءة سير الصحابة تعد من أهم الأساليب المعنوية النفسية، لأنها ترشدنا إلى أمر هام: كيف عملوا على إجلال وتعظيم الله كعبادٍ له في نفوسهم أولاً، ومن ثم مطيعين لرسوله بأدبٍ وحبٍ كبير له: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ).

وعندما نسأل كيف يا رسول الله؟.. يجيبنا: ( تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي..).

وهذه دمشق العظيمة التي تحتضن في ترابها الطاهر عددا كبيرا من الصحابة والأولياء الصالحين ،والولي هو الذي أقام أركان الإسلام بسريرة بيضاء نقية لا حقد فيها ولا غل لأحد، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحب وشفقة لعباد الله جميعاً (..لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى...)

غذاؤهم التقوى، مأكلهم ومشربهم حلال، وألسنتهم نظيفة من قول فاحش أو غيبة أو كلام بذيء...

( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ..هذا عنوان الإسلام العظيم ومنهج النبي الكريم وصحابته الأوفياء المتقين...الذين أقاموا الخلافة الحقيقية على الأرض بسيرهم العطرة.. فهيا معاً نتأمل ......

كان الصحابي الضرير ابن أم مكتوم يلازم النبي صلى الله عليه وسلم مستفسراً خوفاً من أن يفوته أي أمر، بقلب جمع بين الخوف من الله والرجاء برحمة الله عز وجل _اللهم ارزقنا قلوباً تفقه أسرار هذا الجمع بين الخوف منك والرجاء بك، اللهم أمين...

بداية، ابن أم مكتوم من الأوائل السابقين إلى الإسلام في مكة، ومن الأوائل المهاجرين إلى المدينة مع مصعب بن عمير رضي الله عنهما، قدما المدينة المنورة وعملا على قراءة القران لأهلها.

اسمه ونسبه :

عبد الله، وقيل عمرو بن قيس بن زائدة القرشي العامري، أمه: عاتكة بنت عبد الله المخزومية.

وأبوه قيس بن زائدة، تربطه بالنبي صلى الله عليه وسلم قرابة ،فهو ابن خال السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، فأم خديجة هي أخت قيس بن زائدة واسمها فاطمة.

وقيل: كان اسمه الحصين فسماه النبي الكريم عبد الله.. وأهل المدينة يسمونه :عبد الله بن أم مكتوم، وأهل العراق يسمونه :عمر بن أم مكتوم، واتفقوا على نسبه أنه ابن قيس بن زائدة الأصم بن رواحه القرشي العامري.

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتب السنن ، وروى عنه عبد الله بن شداد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو رزين ألأسدي وآخرون .

كان مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم مع بلال ، وسعد القرظ، وأبي محذوره، مؤذن مكة.

وروي عن البراء: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، جعلا يُقرئان الناس القرآن.

وقال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )) إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا،حتى ينادي ابن أم مكتوم)).. وكان أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت.

كراماته رضي الله عنه:

قال عروة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم مع رجال من قريش منهم عتبة بن ربيعة يحدثهم عن الإسلام، فجاء ابن أم مكتوم يسأل عن أمرا ما أعرض عنه النبي ليكمل حديثه مع عظماء قريش، فأنزل الله عز وجل: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) ......

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلفه في المدينة المنورة لإدارة شؤونها في غيابه وليصلي بالناس إماماً ..

وقال بن أبي ليلى: أن ابن أم مكتوم عندما سمع قول الله عز وجل: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ..)، حزن حزناً شديداً، وجلس يناجي المولى عز وجل: يا رب ابتليتني فكيف أصنع؟ فنزلت:(غير أولي الضرر) ...

فماذا فعل؟ هل جلس في البيت بعد أن رفع الله عنه الحرج ؟

تخبرنا المصادر بأنه شارك الصحابة الكرام في بعض الغزوات يحمل اللواء، وفي معركة القادسية شوهد يرفع اللواء واقفاً بين الصفين وعليه درع سابغة ..

قلوب نبضت بحب صادق لله ورسوله، فجاءت أعمالهم مترجمة لهذا الصدق ..

نفوس تواقة كهذه، مشتاقة للفوز برضى الله والرسول جديرة بأن تكون لنا مصدراً لغذاء العقل والروح، فمن داوم على قراءة سير هؤلاء النجوم اللامعين في فضاء التاريخ الإسلامي مع حسن مراجعة النفس والضمير بصدق وإخلاص في محراب ربوبية مطلقة لله عز وجل سيصل بإذن الله إلى رضا الرحمن.. وهذا أسمى وأرقى هدف يطمح له الإنسان.. وكلما تعب الإنسان على تبرئة ذمته في خلوة مع الله من قول فاحش أو بذيء أو سباب أو حسد أو غيرة أو إتباع هوى نفس، كان من أولئك الذين قال فيهم الله عز وجل: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً }

وابن أم مكتوم في سيرته يعلمنا كيف ندرب نفوسنا للجلوس مع الله في خلوة نسأله الفتوح والتوفيق لما يحب ويرضى... فلنقرأ يا إخوتي فاتحة الكتاب لروحه الطاهرة .

ختاماً أيها القراء، نأتي على آخر صفحة تُكتب في سيرة الإنسان، وهي وفاته وأين دُفن؟

قال ابن الأثير في (أسد الغابة): شهد القادسية ومعه اللواء وقتل فيها .

وقال الواقدي: رجع إلى المدينة ومات بها ولم يُسمع له بذكر بعد عمر.

وقال الذهبي في سير الأعلام: رجع المدينة ومات بها ، وقيل استشهد في آخر شوال سنة 15 .

وقال ابن حجر العسقلاني: رجع المدينة بعد القادسية ومات بها ولم يُسمع له ذكر بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.

إخوتي القراء:

إن هذا الخلاف في مكان وفاته مع وجود ضريح له في مقبرة( الباب الصغير) بدمشق قرائن تدل على احتمال هجرته إلى الشام طاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في نصيحته لصحابته الكرام قائلاً: (عليكم بالشام ، عليكم بالشام...) ، وقد اشتهر عن الصحابة رضوان الله عليهم الارتحال إلى الشام طاعةً للحبيب صلى الله عليه وسلم...

أرجو أن من الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم إلى حسن التدبر والاعتبار، وإعادة شحن نفوسنا بحب الحبيب مؤدِّبنا ومربِّينا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ...فلنكثر من الصلاة والسلام عليه في نفوسنا، وفي بيوتنا،رجاءَ أن يتجلى منهجه التربوي النبوي الفريد في صفحة حياتنا...

هلّا وقفنا معاً في محراب العبودية لله نسأله أن يرزقنا من نسمات هذا الحب الغالي؟

المصادر :

· سير أعلام النبلاء/ للذهبي.

· الإصابة في تمييز الصحابة / لابن حجر العسقلاني.

· أسد الغابة / لابن الأثير.