مميز
التاريخ:

جبل قاسيون يحكي لنا

معالم الشام

جبل قاسيون يحكي لنا...
الباحثة نبيلة حسن القوصي
إخوتي قراء زاوية (معالم وأعيان):
إذا كان التاريخ سرداً للماضي الإنساني ،وسجلّاً لأحداثٍ صنعها أشخاصٌ وشعوب ،فإن كتاب (تاريخ مدينة دمشق) لمحدّث الشام ومؤرخها الشهير ابن عساكر ( 494-571ھ) يُعتبر كنزاً يلمع ويتلألأ بين كتب تاريخ المدن الإسلامية بما تميز به من أسلوبه الحديثي حيث يسرد الخبر بسندٍ ومتنٍ مع إشارته لدرجة الحديث فأصبح مصدراً للمحدثين والمؤرخين .
لقد أرّخ ابن عساكر لأقدم وأعرق مدينة حضارياً وإنسانياً إليها تُشَدّ الرحال بما زخرت وامتلأت من مساجد وحلقات علم وفن وأدب ،وبما أنجبت ولازالت من علماءٍ وأعلامٍ هم صفوة العباد الذين اجتباهم الله إليها ، كيف لا وقد وصفها النبي الكريم بالأرض المباركة...؟
عندما نفتح كتابه ونبدأ بتمعّن الفهرس نجده مرتباً بأبواب ذات عناوين رائعة تُثلج القلب وتُنعش الروح بنسمات جميلة عطرة:
(أبواب ما جاء من النصوص في فضل دمشق على الخصوص)
باب: بيان أنَّ الشام أرضٌ مباركةٌ وأنَّ ألطافَ الله بأهلها متداركة.
باب: ما جاء عن سيد المرسلين في أن أهلَ دمشقَ لا يزالون على الحق ظاهرين.
باب: ما جاء عن سيد البشر عليه السلام إن الشامَ يبقى عامراً بعد خرابِ الأمصار.
باب: إعلامُ النبي صلى الله عليه وسلم أمته وإخباره أنَّ بالشام من الخير تسعة أعشار.
باب: ما جاء عن كعب الأحبار أنَّ أهلَ دمشقَ يعرفون في الجنةِ بالثيابِ الخضر.
وفي باب فضل الشام ذكر ابن عساكر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(الشامُ صفوةُ الله من بلادهِ إليها يجتبي صفوتهُ من عباده، فمن خرجَ من الشامِ إلى غيرها فبسخطهِ، ومن دخلها من غيرها فبرحمتهِ)
فإذا كانت الشام هي الصفوة فإن دمشق هي صفوة الصفوة من بين مدائن الشام لقول النبي الحبيب:
(إنِّ فسطاطَ المسلمين يومَ الملحمةِ بالغوطة إلى جانبِ مدينةٍ يقال لها دمشقُ من خيرِ مدائنِ الأرضِ)
وتمعن أكثر وأكثر في هذا الحديث الذي كان رجاء صلاح الدين ونور الدين رحمهما الله في حروبهما ضد الصليبيين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إذا وقعتِ الملاحمُ خرجَ بعثٌ من دمشقَ من الموالي، أكرمُ العربِ فرساً وأجودهم سلاحاً يؤيدُ الله بهم الدين)
وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي جمعها مؤرخ ومحدث الشام الشهير والمعروف بين العباد والبلاد..
ولسوف يعاتبنا ابن عساكر إن جافينا هذا الكتاب، ونحن في زمن يحتاج كل منا فيه التوثّق من أي خبر.. وللمعرفة لا بد من العودة إلى علماء أمناء على الدين والبلاد، فأي تقصير نحن فيه...!؟؟ عذراً يا بن عساكر!
ونحن من خلال هذا المنبر الكريم نجد ابن عساكر يدعونا لقراءة متبصّرة ومتمعّنة لكتابه (تاريخ دمشق)، الذي لطالما استمتع واستفاد السلطان نور الدين وتلميذه صلاح الدين الأيوبي منه، فسمعا منه وهو يسلط الضوء على دمشق كتاريخ حضاري مميز في زمن عصفت وكثرت فيه الحروب الصليبية، فتصدوا لها بالعلم والمعرفة لقيمة هذا البلد عند سيد الكون.. وجلسا جلسة تلميذ لمعلمه يستمعان ويدعوان الله رجاءَ أن يرزقهما حسن الإتباع لقدوتهما محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن باب: فضل المساجد المقصودة بالزيارة كالربوة ومقام إبراهيم وكهف جبريل والمغارة، نتعرف على جبل شامخ يحتضن دمشق في عزة وإباء كشاهد على قصة حضارة هذه المدينة الحبيبة بأبطالها العلماء الأفاضل الأجلاء الذين جعلوا من حب الله والرسول عنواناً لهم، والرحمة بالعباد منهاجهم..
فلنستمع إلى حكايته من خلال هذا الكتاب... ولننصت بقلوب وعيون مبصرة تبتغي العبرة والفائدة..
إخوتي الكرام:
يخبرنا ابن عساكر( رحمه الله) في كتابه في هذا الباب عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اجتمع الكفار يتشاورون في أمري فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا ليتني بالغوطة بمدينة يقال لها دمشق، حتى آتي الموضع مستغاث الأنبياء حيث قتل ابن آدم أخاه.....فأتاه جبريل فقال: يا محمد إيتِ بعض جبال مكة فآو إلى بعض غاراتها فإنها معقلك من قومك.)
وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله رجل عن دمشق فقال: (لها جبل يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه....فسأله رجل: صفه لنا يا رسول الله فقال: هو بالغوطة مدينة يقال لها دمشق، وهو جبل فيه وُلد أبي إبراهيم، فمن أتى هذا الموضع فلا يعجز في الدعاء.. احترس فيه يحيى في الغار الذي تحت دم ابن آدم المقتول، وفيه احترس إلياس من ملك قومه، وفيه صلى إبراهيم ولوط وموسى وعيسى وأيوب، فلا تعجزوا في الدعاء).
وعن ابن عباس قال: "ولد إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون .
ومن الأثارات بدمشق في برزة عند مسجد إبراهيم في الجبل عند الشق أنه موضع رؤيا إبراهيم الكوكب الذي ذكره الله تعالى: (فلما رأى كوكباً قالَ هذا ربي) .. فمن قصده وصلى فيه ركعتين ودعا الله لأجابه."
قال ابن عباس "موضع الدم في جبل قاسيون موضع شريف، ففيه اختبئ يحيى بن زكريا وأمه أربعين عاماً، وصلى فيه عيسى بن مريم والحواريون، فلو كنت سألت الله أن يغفر لعبده ابن عباس يوم يحشر البشر، فمن أتى ذلك الموضع فلا يقصر عن الصلاة والدعاء فيه فإنه موضع الحوائج."
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: "من أراد أن يرى الموضع الذي قال الله عز وجل فيه : (وآويناهما إلى ربوةٍ ذاتِ قرارٍ ومعين) فليأت النيرب الأعلى بدمشق وليصعد الغار في جبل قاسيون فيصلي فيه، فإنه بيت عيسى وأمه، وكان معقلهم من اليهود."
ما هو شعورك أيها القارئ الدمشقي ؟
ألا تجد بأن هناك من يعيش في مدينة دمشق سنوات وسنوات ولا يعلم عن إرثها التاريخي الحضاري إلا القليل من المعلومات ومن هنا وهناك، مع أن سيدنا رسول الله قد أخبرنا وحدثنا عن الشام بشكل عام ودمشق بشكل خاص: أن بلاد الشام خير البلاد ودمشق خير المدن وأهلها من خيرة الأنام.... أفلا نحرص على أخذ دور يشرفنا أمام سيد الخلائق؟
وجميعنا يوقن بأن الله ونبيه حق حق، فأي غفلة غيّبتنا عن إدراك هذه المعاني المقدسة التي رواها سيد الخلق؟
ينبغي علينا إعادة وإعادة القراءة بوعي واتصال محبين عاشقين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كي تتشرب أفئدتنا همة وعزيمة خفتت ولن نقول ماتت (والعياذ بالله)، وليجتهد كل منا من مكانه بحثاً عن دور يشرّفه يومَ لن ينفعه إلا العلم النافع أو الولد الصالح أو الصدقة الجارية ....
إخوتي القراء:
إن أي رحلة سياحية كي تكون ناجحة يجب أن تُحدَّد بأدبيات وأهداف راقية لتحصّل الفائدة مع المتعة........( قُل سيروا في الأرضِ فانظُروا كيفَ كانَ عاقبةُ الذين من قبلكم)
وعندما نسير في رحلتنا هذه بين أحياء دمشق متجهين نحو الشمال باتجاه جبل قاسيون، لن يأسرنا جماله فقط، وإنما ستطوف من حولنا نسمات رائعة تجعلنا في سكينة وراحة عجيبة تدفعنا دفعاً للتساؤل عن السبب.. فهل سألنا لماذا؟ وما السبب؟
يتبع في الجزء الثاني


تشغيل