مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 02/11/2014

من أين تنبع أهمية التربية الدينية؟

مقالات

من أين تنبع أهمية التربية الدينية؟
العلامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
رحم الله الإمام الشهيد، فقد كان غيوراً دائماً على دينه ومصلحة أمته مدافعاً عنهما بقلمه وعلمه وفكره، بل وحياته أيضاً. ومن أهم ما كان يدعو إليه في الكثير من المناسبات هو ترسيخ التربية الدينية في المجتمع، حتى أنه أفرد لذلك العديد من الخطب والمقالات، وألّف كتاباً في بيان أهمية هذا الأمر هو: "تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث". نقتبس _ بتصرف _ من مقدمته الهامة ما يلي، يقول:
الحقيقة أن الحاجة غير شديدة إلى مثل هذا الكتاب، لو أن الأمة العربية خاصة والمسلمين عامة كانوا متيقظين ومتتبعين للحرب الفكرية التي مضى الغرب يشنها علينا منذ ستة قرون طبق خطط منظمة منسقة وأسس نفسية دقيقة، بل ربما كان الحديث إذن في بيان أهمية التربية الإسلامية من قبيل إيضاح الواضحات وتأكيد المؤكدات.
غير أن العالم العربي لا يزال _ رغم تيقظ وعي قومي في معظم أنحائه _ غافلاً عن هذه الحرب الفكرية التي غدت اليوم أحدث وسيلة، بل الوسيلة الوحيدة للسيطرة والاستعمار، كما أن الطاقة الذرية غدت اليوم أحدث وسيلة بل الوسيلة الوحيدة إلى القوة والحرب.
ولئن كان ثمة قلة من الناس ينتبهون إلى سير هذه المناورة، فهم في أغلب الأحيان ولسوء الحظ إما أناس ينطوون على مثل ما ينطوي عليه الأجنبي المستعمر، فيحلو لأنظارهم سير تلك المناورة، ويلبثون ينتظرون في لهفة أن تنجح وتؤتي ثمارها، وإما أناس سطحيون يلمحون ظاهر هذه المناورة ولا يدركون مدبّرها ومحرّكها، فيحسبون أنها من تدبير من تصطبغ بهم وتظهر على ألسنتهم، وهم أناس من أبناء جلدتهم، فما هو إلا أن ينقضّوا عليهم ثائرين ويعلنوا عليهم حرباً لا هوادة فيها، لكي يقطعوا -حسب أوهامهم- دابر تلك الأفكار السيئة المسمومة، وهم لا يعلمون أنهم بذلك إنما يزيدون إلى تلك الأفكار كارثة أخرى هي الفتنة والشقاق بين أفراد الأمة العربية والإسلامية الواحدة، بل لا يعلمون أنهم إنما يستعجلون بذلك أن تؤتي تلك الحرب الفكرية ثمارها المنتظرة، إذ يصبحون وقد غدت تلك الفتنة الهوجاء باكورة شهية من ثمار تلك الحرب حيث يجترّ المستعمرون المختبؤون من ورائها طعمها في سعادة ولذة...
أما أن تتيقظ الأمة العربية (أو طبقة ما منها على الأقل) إلى المجموع الكلي لحركة الحرب الفكرية فيما بيننا، وتسبر غورها وتضع يدها على أبعاد جذورها، ثم تدفعها عنّا بنفس المخطط النظامي الذي يُستعمل في دفعها إلينا فذلك ما لا نزال إلى اليوم بأمسّ الحاجة إليه. وإنها لحاجة لا يسدّها أي لون من ألوان التقدم المادي من صناعة أو مدنية أو عتاد حرب أو غير ذلك.
الميدان الذي يدور فيه هذا الصراع الفكري أو الحرب الفكرية هو الإسلام بكل ما يتضمن من عقيدة ينطوي عليها قلب المسلم، وخلق تصطبغ به حياة هذا المسلم، وتشريع يتحلّى به المجتمع الإسلامي. ومن هنا يمكن أن نتنبه إلى مدى ما للتربية الإسلامية من أهمية في حياتنا الجديدة... حياتنا التي نسعى إلى قيامها على أسس من الحرية والعزة والكرامة.
إن الهدف الوحيد للاستعمار (منذ أقدم معركة لنا معه إلى اليوم) إنما هو استعادة ما يعتقد أننا اغتصبناه منه أيام الفتوحات الإسلامية، ولقد ظلّت وسيلته إلى هذا الهدف محصورة إلى أمد طويل في فنون الحرب والقتال فقط، لا يهتدي إلى غيرها ولا يرى أي جدوى في سواها إلى أن كانت الحروب الصليبية.
هنالك... وبعد أن انكشفت تجربة تلك المغامرة الكبرى عن فشل ذريع، أخذ الاستعمار حينئذ ينتبه إلى أنه طوال حربه مع المسلمين لم يكن يأتي البنيان من أساسه... وبدأ يعلم من حال المسلمين التي اطلع على تفصيل واسع لها خلال الحروب الصليبية، أن هنالك سراً آخر من وراء أسباب القوة والقتال يكمن وراء انتصارات العالم الإسلامي واتساع رقعته. ولم يعد من الصعب عليه بعد ذلك أن يدرك أن هذا السر إنما هو الإسلام بما فيه من عقيدة وأخلاق ونظام.
وهنالك، أغمد الاستعمار سيفه الذي طالما قاتل ولوّح به فلم يأت بطائل، وراح يسل سيفاً من نوع جديد، يصلح أن يغمده هذه المرة في صدر الإسلام بعقيدته ونظامه وأخلاقه. وما إن اطمأن إلى أنه قد اهتدى إلى أساس القوة التي يتمتع بها العالم الإسلامي، حتى عكف يطبخ لحربه الجديدة أنواع الخطط والنظم والوسائل دون أن يثير بعمله ذاك أي انتباه لدى المسلمين. ولم يزل وقود الفكر الغربي يؤجج تحت هذه الطبخة حتى غدت بعد حين فناً دقيقاً مستقلاً برأسه، وحتى أضحت هذه الحرب الجديدة تتمتع بأعتى الأسلحة النفسية الماضية!
أما السبل التي يسلكونها إلى هدفهم الذي اتجهوا جميعاً إليه من شلّ سيطرة الإسلام وخنق قوته، فهي متنوعة وكثيرة، غير أن من المتفق عليه فيما بينهم أن ملاك هذه السبل كلها إنما هو السيطرة على مناهج التعليم. إذ هم يرون أن توصلهم إلى هذه السيطرة يثمر لهم نتيجتين تعدّ كل منهما على جانب عظيم من الأهمية والخطورة! ...
أما أولاهما فهي أن من شأن سيطرتهم على مناهج التعليم أن تقذف هذه المناهج خلال فترة قصيرة إلى المجتمع بشباب يتبنون الفكر العلماني والمدنية الغربية، ولا ريب أن البعض منهم سيشق طريقه متدرجاً في مراتب القيادة والحكم، وبذلك يصبح هؤلاء خير رسل لهم _ سواء علموا ذلك أم جهلوا _ حيث يفتحون لهم آفاق السبل الفرعية الأخرى بسهولة ويسر...
وأما أخراهما فهي أن من شأن هذه السيطرة أن تجعلهم هم المشرفين على تربية البنات، وهم يدركون أن البنات أقرب إلى قبول أفكارهم التبشيرية وإلى الاصطباغ بالمدنية الغربية... وما من ريب أنهن سيصبحن بعد فترة قصيرة خير رسل لتلك الأفكار نفسها حيث يصبحن أمهات يخلصن في توجيه أولادهن الوجهة التي أحببنها ورُبّين عليها.
هذه هي سبل الاستعمار إلينا: حرب دائبة على مقدساتنا الفكرية وتربيتنا الإسلامية، ظهرت نواتها في أعقاب الحروب الصليبية، ثم استشرت واتسعت في غمرة عصور الانحطاط، ثم تعقّدت واستحالت إلى فن من المكر الخفي الأملس في نهاية القرن العشرين.
ولعل فيما أسلفنا بلاغاً يفي ببيان خطورة هذه التربية الإسلامية التي ظلّ الاستعمار يحوم حولها ستة قرون كاملة في جهد ودأب... إنها أخطر سلاح يقرر مصيرنا معه ويقرر مصيره معنا...
سلاح خطير على كل هذا الجانب من الأهمية، ومع ذلك فإن بيننا اليوم من يجهل خطره ولا يعرف شيئاً عن أهميته، بل ولعله يضيق ذرعاً بالحديث عنه !!..
أليس علينا إذن _ وهذه هي الحال _ أن نكشف لهؤلاء جوانب أهمية التربية الإسلامية للجيل، وأن نميط اللثام عن مبلغ خطورتها وقدسيتها؟
أليس علينا أن نرفع الصوت عالياً لنقول لهؤلاء، وللناس جميعاً من قادة وكتّاب ومصلحين وشبان وطلاب: هذا هو سلاحكم الذي أمعن فيه أعداؤكم فاسترهبهم سلطانه وأهَمَّتهم خطورته، فراحوا يحومون حوله منذ ستة قرون يريدون تخليصه منكم وإتلافه من بين أيديكم وأنتم لا تشعرون، ولا تولونه بالاً، ولا تعيرونه أي اهتمام؟
أليس علينا أن نُدرّس جوانب أهمية التربية الإسلامية للنشء، وأن نقدم ذلك إلى الناس جميعاً؟
من اختيار الموقع

تحميل



تشغيل