مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 29/10/2014

من التطرف إلى الحوار - الجزء الأول

مقالات

من التطرف إلى الحوار
الجزء الأول
الإمام الشهيد البوطي
تكريم الله للإنسان
من الثابت يقيناً أن الله فضل الإنسان على كثير من المخلوقات، بل فضله حتى على الملائكة عند كثير من العلماء. والدليل على لك قوله عز وجل: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) [الإسراء17/70].
وقوله سبحانه وتعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) [البقرة2/34] وقوله: (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين، فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) [ص38/71-72].
ولقد كان من آثار ذلك التفضيل أنواع شتى من الإكرام أنعم الله بها على الإنسان دون غيره.. من أهمها وأشرفها أنه، جلّ جلاله، جعله خليفة له فوق هذه الأرض، أي عهد إليه بتنفيذ المبادئ والأحكام التي شرعها في حق عباده، والتي تبرز مدى حكمت الله تعالى وعدالته.
قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) [البقرة2/30].
ومحلّ التكريم في هذا الأمر أن الله تعالى لم يدفع الإنسان إلى تنفيذ أحكامه وقراراته قسراً عن طريق الغريزة الآلية، شأن سائر الحيوانات الأخرى التي تخضع لنظام الله الذي أقام حياتها عليه عن طريق سلطان الغريزة، دون وساطة تفكير وإرادة.. بل جهز الله الإنسان بالعقل المميز بين كل من الخير والشر، ثم متعه بالقدرة على اختيار ما يشاء، ومكنه من اتخاذ قراره طبق رغبته الذاتية، دون أي قسر خارجي يفقده الاختيار.
كيف وبأي شروط يتم تكليف الله للإنسان؟
ومن هنا قرر علماء الشريعة الإسلامية أنه لا بدّ لخضوع الإنسان لشرف التكليف الذي يخاطبه الله به آمراً وناهياً، من تحقق العناصر التالية:
أولاً: الإعلام الذي هو نتيجة توجه الخطاب من الله للإنسان عن طريق الرسل والأنبياء الذين ابتعثهم الله إليه، كإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وسائر النبيين.
فلولا الخطاب الإلهي الذي توجه إلينا عن طريقهم، لما حقق لدى الإنسان العلم بأنه مكلف. ولولا العلم الذي هو ثمرة الإعلام، لما استقر أي موجب من موجبات التكليف.
ثانياً: التمكن من القيام بالمطلوب، تصوراً وفهماً، في المعتقدات، وقدرة على الممارسة السلوكية في التروك والأفعال. فمهما حيل بين الإنسان والتمكن من أداء ما طلب منه الله، سقط التكليف في حقه، وتقلصت المسؤولية عنه.
ثالثاً: أن يمتلك الخيار في أن يستجيب أو لا يستجيب لله تعالى في الأمر الصادر منه إليه، ومن هنا قرّر العلماء امتناع تكليف الغافل، وهو الذي لا يدري شيئاً عن الخطاب الإلهي الموجه إليه، كأن يكون ناسياً أو ساهياً، كما قرروا امتناع تكليف الملجأ، أي المضطر، وهو الذي لا يملك أي اختيار في الفعل الذي يصدر أو لا يصدر منه.
ما الذي ندركه من هذا الذي أوضحناه لدى التأمل؟
ندرك أن الانقياد لأمر الله لا يتحقق إلا من خلال توافر الرغبة الذاتية لدى الإنسان في الامتثال والعمل مقتضى هذه الرغبة. ولذلك لا يتأتى هذا الانقياد إلا ممن علم أولاً بالتكليف الإلهي المتجه إليه، وأحسّ ثانياً من نفسه بالحرية، أي بالقدرة على أن يختار الانقياد أو عدم الانقياد.
ومن هنا كانت حقيقة الامتثال لله مناقضة لحال الغفلة أو الذهول عن المطلوب، ومناقضة للاضطرار الملجئ الذي يفقد الإنسان حرية الاختيار، ويفقده القدرة على إمكانية اتخاذ القرار الطوعي. بل إن ما يصدر عن الإنسان بدافع الاضطرار أو الإلجاء الخارجي لا يسمى امتثالاً، وإن جاء مطابقاً للمطلوب.
إذن فقد ثبت أن التكليف الذي شرّف به عباده، لا يمكن أن يتحقق إلا حيث توجد حرية التصرف، إذ يملكها الإنسان، أي: إلا لدى شعوره بأنه في وضع يمكنه من أن يقرر الاستجابة أو عدم الاستجابة لما قد كلفه الله به.
وإلى هذه الحرية التي هي المناخ الذي لا بدّ منه لتحقيق التكليف، يشير قول الله تعالى:
(ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها) [الشمس 91/7-8].
وقوله تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً، إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) [الإنسان 76/2-3].
وقوله: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) [البقرة 2/286].
ضرورة خضوع منهج الدعوة إلى الله لهذه الحصيلة التي علمناها
إن الحصيلة التي انتهينا إليها الآن، هي أن الإنسان مكلف من قبل الله بمهمة في هذه الحياة. ونظراً إلى أن التكليف لا يتحقق إلا في مناخ الحرية، فقد كان لا بدّ لعنصر الحرية هذه أن يصاحب واقع التكليف.. إن إدراك هذه الحقيقة ذو أهمية كبرى.. ولكن إدراكها يزداد أهمية عندما نتجه بالدراسة الدقيقة إلى منهج دعوة الناس إلى الإسلام، وأسلوبها.
إن مهمة الداعي إلى الله، هي أن يبصّر الناس بهوياتهم، وبأنهم عبيد الله مكلفون من رسله وأنبيائه بأداء وظائف معينة في نطاق اليقين والاعتقاد أولاً، وفي نطاق التعامل والسلوك ثانياً. ثم إن عليه أن يتركهم أحراراً في اتخاذ القرار الذي يشاؤون، على أن ينبّهوا إلى الجزء الذي أعدّه الله للمطيعين، والجزاء الذي توعد به العاصين.
ذلك لأنهم لو حُمِلوا قسراً على الالتزام بالتكاليف الإلهية، وسيقوا إليها دون اختيار منهم، لسقط معنى الاستجابة الذاتية في عملهم، ولما استحقوا على ما قد سِقُوا إليه قسراً أي مثوبة وأجر.
ولذ فإن خطاب الله تعالى يعلّم الدعاة إلى الدين، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يبلغوا الناس واجباتهم تجاه الله، وأن يقنعوهم بها بالدلائل العقلية والمعرفية، وأن يتركوهم بعد ذلك أحراراً، يختارون ما يشاؤون. انظر إلى قوله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام:
(فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر) [الغاشية 88/21-22]، وإلى قوله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيِّ) [البقرة 2/256]، وإلى قوله، وهو يخاطب رسوله أيضاً: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [يونس 10/99].
إذن فلا مجال في جذور الإيمان الذي يستقر قناعة في العقل وطمأنينة في النفس إلا للحرية التامة التي يملك الإنسان من خلالها القدرة على اتخاذ القرار. ولا يجتمع هذا الإيمان مع العنف أو الإكراه أو الإرهاب، أو ما شابه من الألفاظ ذات الدلالة الواحدة أو المتقاربة، في أي حال من الأحوال. بل إن الإيمان الذي يُجَرُ إليه الإنسان جراً تحت طائلة الإرهاب والتهديد، ليس إلا إيماناً شكلياً مزيفاً. إذ ليست له في قرار القلب وقناعة العقل أي جذور. وإنما هو الاستسلام ظاهري منفصل عن حكم العقل وقناعته. وهيهات أن يكون لهذا الإيمان الوهمي أي قيمة عند الله عز وجل، الذي لا يقف أمام الصور والمظاهر، بل ينظر إلى القلوب والخواطر.. والإيمان الذي تستقر جذوره في القلوب والخواطر، هو ذاك الذي يستقر فيها عن طريق الحرية وتوفر الاختيار كما سبق أن أوضحت.
إذن فمن أين ينبثق التطرف أو الإرهاب؟
والسؤال الذي يحين طرحه الآن: فيم يجري هذا التطرف الذي بلغ الذروة في كثير من الجهات والأحيان، باسم الإسلام، وباسم السعي إلى إقامة حكمه؟..
هنالك عدة عوامل تشترك في بعث هذا الشذوذ الخطير، الذي يسيء إلى جوهر الإسلام قبل أن يسيء إلى أي شخص آخر. ألخصها في العوامل الثلاثة التالية:
العامل الأول: تحوّل أكثر -إن لم نقل كل- الحكومات العربية والإسلامية، من مهمة حراسة المدّ الإسلامي ونظامه (وهي المهمة التي كان ينهض بها أئمة المسلمين وحكامهم من قبل) إلى الاهتمام بشؤون السياسة التي تتعلق بكل شيء وتهتم بكل شيء إلا الدين، حيث انحصرت مهمة رعايته في أمور تقليدية تنهض بها عادة وزارة الأوقاف، أو ما يسمى بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وهي في الغالب ذات صلاحيات تقليدية محدودة.
هذا الوضع، مع الانبعاث الإسلامي الذي يتنامى سريعاً هنا وهناك، ولا سيما في صفوف الشباب، يزج أصحاب الحماس الإسلامي المقنعين بأن الإسلام هو وحده الحلّ، في خيبة أمل مريرة، بسبب إعراض حكامهم عن ها الذي هم مقبلون إليه، بكل قناعة وحماس. إنهم –وقد اعتنقوا حلم إقامة المجتمع الإسلامي في بلادهم– يشعرون أنهم يعانون من غربة قاتلة ويُتْمٍ مهين..
فتتجمع من جراء ذلك عوامل الحقد والكيد المنشود. وتتراكم في نفوسهم من ذلك الأخيلة السوداوية التي تبعث على التفكير الجماعي دون تبصر ولا تمهل، ثم تبعث على اليقين بأن مفتاح عودة الإسلام إلى الفاعلية والتطبيق هو القيام في وجه هؤلاء (الكفار) والقضاء عليهم.
العامل الثاني: يتمثل في أن جلّ هؤلاء الذين انعطفوا إلى الإسلام وتحمسوا للعمل على بسط سلطانه وحكمه، يتمتعون بعاطفة دينية متأججة، ولكنهم في الوقت ذاته يعانون من جهل بحقائق الإسلام وقواعده وأحكامه.. ومن المعلوم أن العاطفة الإسلامية إن لم تنضبط، بكوابح العلم تحولت إلى عاصفة مهلكة..
ومن المعوم أن الإنسان المستهتر يمكن أن يخضع لسلطان العاطفة الدينية، خلال أيام يسيرة. ولكنه لن ينضبط في فهمه وسلوكه بأحكام الدين وقواعده العلمية إلا بجهد متواصل من الدراسة العلمية. فإذا تأججت في نفس الشاب العاطفة الإسلامية، ولم يتشبع عقله بضوابط الإسلام وكوابحه العلمية، أفسد باسم الإسلام بدلاً من أن يصلح، وكرّه الناس به بدلاً من أن يقربهم إليه ويحببهم به!..
العامل الثالث: خطط غربية مرسومة، ترمي إلى مقاومة ما يسميه كثير من الدوائر الغربية الأمريكية بالخطر الحقيقي القادم من الإسلام. وقد أصدر مجلس الأمن القومي الأمريكي تقريراً في نهاية عام 1991م يتحدث عن الإسلام وخطر عودة انبعاثه، ثم يوصي باتخاذ سبل معينة للقضاء على خطره. من أبرز هذه السبل وأهمها:
1- إثارة التناقضات الحادة بين المسلمين.
2- تأليب المسلمين بعضهم على بعض.
ونحن نعلم أن الخطط الغربية وغر الغربية لا تستطيع أن توجد شيئاً معدوماً، ولكنها تعتمد دائماً على استغلال الخطأ الموجود وتضخيمه، ثم توظيفه للأهداف المعنية.
إننا لا نشك أن ما جرى وما يزال يجري في الجزائر مثلاً (بشكل جزئي) إنما مرجعه إلى مرض داخلي يتمثل في العاملين: الأول والثاني. ولكننا لا نشك أيضاً أن دوائر أجنبية معيّنة تستغلّ هذا الوضع لتوظفه للكثير من أهدافها. ومن ثم فهي تشجع هذا التطرف أو الإرهاب الديني المقيت، من طرف خفي.
من كتاب : مشكلات في طريق النهوض
تجدون في الجزء الثاني : ما عوامل القضاء على التطرف أو الإرهاب الديني؟

تحميل



تشغيل