مميز
الكاتب: أبو مالك
التاريخ: 12/10/2014

بيان الأسباب الباعثة على الغيبة

مشاركات الزوار

بيان الأسباب الباعثة على الغيبة
مشاركة أبو مالك
من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، الجزء الثالث، ربع المهلكات.
اعلم أن البواعث على الغيبة كثيرة، ولكن يجمعها أحد عشر سببا، ثمانية منها تطرد في حق العامة، وثلاثة تختص بأهل الدين والخاصة، أما الثمانية:
فالأول: أن يشفي الغيظ، وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه، فإنه إذا هاج غضبه يشتفي بذكر مساويه، فيسبق اللسان إليه بالطبع، إن لم يكن ثَمّ دين وازع، وقد يمتنع تشفي الغيظ عند الغضب، فيحتقن الغضب في الباطن، فيصير حقدا ثابتا، فيكون سببا دائما لذكر المساوي، فالحقد والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة.
الثاني: موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام، فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض، فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه، فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة، ويظن أنه مجاملة في الصحبة، وقد يغضب رفقاؤه، فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم، إظهارا للمساهمة في السراء والضراء، فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوي.
الثالث: أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطول لسانه عليه، أو يقبّح حاله عند محتشم، أو يشهد عليه بشهادة، فيبادره قبل أن يقبح هو حاله ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته، أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقا، ليكذب عليه بعده، فيروج كذبه بالصدق الأول، ويستشهد ويقول: ما من عادتي الكذب، فإني أخبرتكم بكذا وكذا من أحواله، فكان كما قلت.
الرابع: أن يُنسب إلى شيء، فيريد أن يتبرأ منه، فيذكر الذي فعله، وكان من حقه أن يبرّئ نفسه، ولا يذكر الذي فعل، فلا ينسب غيره إليه، أو يذكر غيره بأنه كان مشاركا له في الفعل، ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله.
الخامس: إرادة التصنع والمباهاة، وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره، فيقول فلان جاهل وفهمه ركيك وكلامه ضعيف، وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه، ويريهم أنه أعلم منه، أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه، فيقدح فيه لذلك.
السادس: الحسد، وهو أنه ربما يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه، فيريد زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه، فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس، حتى يكفوا عن كرامته والثناء عليه، لأنه يثقل عليه أن يسمع كلام الناس وثناءهم عليه وإكرامهم له، وهذا هو عين الحسد، وهو غير الغضب والحقد، فإن ذلك يستدعي جناية من المغضوب عليه، والحسد قد يكون مع الصديق المحسن، والرفيق الموافق.
السابع: اللعب والهزل والمطايبة وتزكية الوقت بالضحك، فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة، ومنشؤه التكبر، والعجب.
الثامن: السخرية والاستهزاء استحقارا له، فإن ذلك قد يجري في الحضور، ويجري أيضا في الغيبة، ومنشؤه التكبر واستصغار المستهزأ به.
وأما الأسباب الثلاثة التي هي في الخاصة: فهي أغمضها وأدقها، لأنها شرور خبأها الشيطان في معرض الخيرات، وفيها خير ولكن شابَ الشيطانُ بها الشر.
الأول: أن تنبعث من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في الدين، فيقول: ما أعجب ما رأيت من فلان، فإنه قد يكون به صادقا، ويكون تعجبه من المنكر، ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه، فيُسهّل الشيطان عليه ذكرَ اسمه في إظهار تعجبه، فصار به مغتابا وآثما من حيث لا يدري، ومن ذلك قول الرجل: تعجبت من فلان كيف يحب جاريته وهي قبيحة، وكيف يجلس بين يدي فلان وهو جاهل.
الثاني: الرحمة، وهو أن يغتم بسبب ما يبتلى به، فيقول: مسكين فلان قد غمني أمره وما ابتلي به، فيكون صادقا في دعوى الاغتمام، ويلهيه الغم عن الحذر من ذكر اسمه، فيذكره فيصير به مغتابا، فيكون غمه ورحمته خيرا، وكذا تعجبه، ولكن ساقه الشيطان إلى شر من حيث لا يدري، والترحم والاغتمام ممكن دون ذكر اسمه، فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه، ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه.
الثالث: الغضب لله تعالى، فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه أو سمعه، فيظهر غضبه، ويذكر اسمه، وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يظهره على غيره، أو يستر اسمه ولا يذكره بالسوء. فهذه الثلاثة مما يغمض دركها على العلماء فضلا عن العوام، فإنهم يظنون أن التعجب والرحمة والغضب إذا كان لله تعالى كان عذرا في ذكر الاسم، وهو خطأ، بل المرخص في الغيبة حاجات مخصوصة لا مندوحة فيها عن ذكر الاسم، كما سيأتي ذكره، روي عن عامر بن واثلة "أن رجلا مر على قوم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم عليهم فردوا عليه السلام، فلما جاوزهم، قال رجل منهم: إني لأبغض هذا في الله تعالى، فقال أهل المجلس: لبئس ما قلت، والله لننبئنه، ثم قالوا: يا فلان، لرجل منهم، قم فأدركه، وأخبره بما قال، فأدركه رسولهم، فأخبره، فأتى الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكى له ما قال، وسأله أن يدعوه له، فدعاه، وسأله، فقال: قد قلت ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: لِمَ تُبغضه؟ فقال: أنا جاره، وأنا به خابر، والله ما رأيته يصلي صلاة قط، إلا هذه المكتوبة، قال: فاسأله يا رسول الله، هل رآني أخرتها عن وقتها؟ أو أسأت الوضوء لها، أو الركوع، أو السجود فيها؟ فسأله، فقال: لا، فقال: والله ما رأيته يصوم شهرا قط، إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر، قال: فاسأله يا رسول الله، هل رآني قط أفطرت فيه؟ أو نقصت من حقه شيئا؟ فسأله عنه، فقال: لا، فقال: والله ما رأيته يعطي سائلا، ولا مسكينا قط، ولا رأيته ينفق شيئا من ماله في سبيل الله، إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر والفاجر، قال: فاسأله يا رسول الله، هل رآني نقصت منها؟ أو ماكست فيها طالبها الذي يسألها؟ فسأله، فقال لا، فقال صلى الله عليه وسلم للرجل: قم فلعله خير منك. حديث عامر بن واثلة أن رجلاً مر على قوم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم عليهم فردوا عليه، السلام، فلما جاوزهم، قال رجل منهم إني لأبغض هذا في الله. الحديث بطوله، وفيه: فقال: قم فلعله خير منك. أخرجه أحمد بإسناد صحيح.
(سيذّكّرُ من يخشى، ويتجنبها الأشقى)