مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 28/09/2014

إلى الذي يدينني لاتباعي الحق

مقالات

إلى الذي يدينني لاتباعي الحق
الإمام الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
السؤال:
أثناء قراءتي لبعض كتبكم وخاصة السابق منها وجدت اختلافًا بين ما يطرح فيها من آراء وبين بعض آرائكم التي تبنيتموها في كتب صدرت حديثة لكم أو بعض الأحاديث التلفزيونية التي تجرونها‏، ‏ ما قولكم في ذلك‏؟ ‏
الجواب:
ما كنت‏‏ بحمد الله‏، ‏يومًا ما من جبابرة الاعتداد بالفكر أو الرأي على حساب العلم‏، وإنما كنت ولا أزال باحثًا عن الحق منقبًا عنه في مصدريه القرآن والسنة‏، ‏ضمن المجال الاجتهادي الذي أقدرني الله على الخوض فيه‏.
ومن ثم فإن من الخيانة بمكان أن يتبين لي الحق مخالفًا لاجتهاد رأيته‏، ثم أتجاهل هذا الحق الذي تبين لي‏، ‏انتصاراً لذاتي وتحسبًا لما قد يقوله الناس عني‏.‏‏.‏ ولقد كنت ولا أزال بعيدًا عن هذه الخيانة بحمد الله‏، رجّاعًا إلى الحق الذي يتبين لي أو يتفضل أحد الناس فيبينه لي‏.‏
نبهني أحد الإخوة إلى ملاحظات في كتابي‏ (‏من روائع القرآن‏) ‏بعد ظهور الطبعة الأولى منه‏.‏ ولما نظرت فوجدت أن هذا الذي نبهني إليه ذلك الأخ هو الحق‏،‏ صححت الخطأ فيه الطبعات اللاحقة وسجلت شكري له في المقدمة‏.‏
وأرسل إليّ صديق آلَ إلى رحمة الله ينبهني إلى ملاحظات في كتابي (‏كبرى اليقينيات الكونية‏).‏ ونظرت فوجدت أنه على حق في كثير منها‏، ‏فشكرته وانتظرت الفرصة السانحة ورجعت إلى ما تبيين لي أنه الحق‏.‏
وعندما ألّفت كتابي ‏(‏فقه السيرة‏)‏ قبل خمسة وثلاثين عامًا‏،‏ كنت حديث العهد بالحصول على المؤهل الجامعي‏،‏ وكان كثير من معلوماتي على سعتها غضّة يعوزها مزيد من التبصر والتحقيق‏،‏ لذا فقد أدخلت عليه طائفة من التعديلات‏،‏ تبعًا لما اقتضاه التحقيق العلمي اللاحق الذي وفقني الله إليه من بعد‏.‏ والذي يقارن بين أول طبعة منه وآخر طبعة يتبين ذلك‏.‏
ولقد كنت ولا أزال شافعي المذهب‏،‏ ولكن ضيق أفقي العلمي في الفقه زجني فيما مضى في عصبية لمذهبي هذا‏،‏ كما هو شأن كثير من الناس‏،‏ فكنت منذ أول عهدي بدراسة الفقه أتعصب للرأي القائل بأن موجب الجهاد القتالي إنما هو الكفر لا الحرابة‏،‏ وهو أحد قولين للإمام الشافعي رحمه الله‏،‏ وهو اختيار كثير من أصحابه‏.‏
ثم إن الله أكرمني ووفقني لمزيد من التبصر بالأحكام الفقهية وأدلتها ولم أقف بمداركي العلمية عند الحدّ الذي نلت به شهادة الدكتوراه‏،‏ كما هو شأن كثير من أصحاب هذه الشهادات‏،‏ وظللت أعكف عكوف التلميذ على مراجعة معلوماته ابتغاء التأكد منها والتوسع فيها غير متحرج ولا مستكبر‏،‏ فاستقرّ في ذهني وترسخ في قناعتي‏،‏ بعد طول تتبّع لما ذهب إليه جمهور الفقهاء وبعد طول تتبّع لآيات الجهاد في القرآن ومقارنتها بعضها ببعض‏،‏ وبعد الرجوع إلى مواقيت نزولها‏،‏ وبعد الرجوع إلى ما هو مقرر من أن العقيدة الإسلامية لا يعتدّ بها عند الله عز وجل إن لم تكن يقيناً مستقراً في العقل‏،‏ وهو ما لا يمكن حمل الناس عليه بالجبر والإلزام:‏ استقر في ذهني بعد كل ذلك أن الحق الذي تقتضيه الأدلة مجتمعة في كتاب الله عز وجل‏،‏ هو أن الجهاد القتالي إنما شرع درءاً للحرابة الواقعة أو المخطط لها‏،‏ وهو أحد قولي الإمام الشافعي‏.‏
لقد تبين لي ما لم تكن تتسع له مداركي العلمية من قبل‏،‏ وهو أن قول الله تعالى‏:‏{‏لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}‏ إخبار وليس إنشاء‏،‏ والخبر لا يخضع للنسخ كما هو مقرر‏،‏ وإلا لسقط الفرق بين النسخ والكذب‏.‏ ولقد تبين لي ما لم يكن معلوماً لي أيضاً من قبل‏،‏ من أن قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ من أواخر ما نزل من القرآن‏،‏ وقد نهى الله فيها عن قتل المشركين‏،‏ بل أمر بحمايتهم وإرجاعهم إلى مأمنهم‏.‏‏.‏ كما تبين لي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يجبر أحداً من المشركين من أهل مكة يوم الفتح على الدخول في الإسلام‏،‏ بل عاد أدراجه إلى المدينة وكثير من أهلها مشركون‏.‏‏.‏ ولما تطهّرت مكة من المشركين لم يكن ذلك عن طريق قتلهم بل بإبعادهم عنها‏.‏‏.‏ كما تبين لي ما لم أتبينه من قبل‏،‏ من أن ‏(‏المقاتلة‏)‏ في حديث ‏(‏أمرت أن أقاتل الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏‏‏ ليست من القتل بسبيل‏،‏ كما قال الإمام الشافعي‏،‏ بل بينهما فرق كبير أثبتّه وبيّنته مفصلاً في كتابي ‏(‏الجهاد في الإسلام‏)‏‏.‏‏.‏ ولقد تبين لي ما كانت بضاعتي العلمية القليلة بعيدة عن التنبه إليه‏،‏ من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يوصي في حروبه الجهادية كلها أن لا تقتل امرأة مشركة ولا شيخ كبير لا يتأتى منه القتال ولا مستأجر ولا عسيف‏،‏ وأنه هو القائل‏:‏ ‏(‏ما كانت هذه لتقاتل ففيم قتلت‏‏‏)‏ وهو يدل بوضوح على أن رسول الله لم يكن يتتبّع في قتله الكفار صفة الكفر‏،‏ بل صفة الحرابة‏.‏
ولحسن الحظ لم أكن بحمد الله مثقلاً بداء عصبية أو عبادة للرأي أو حياء من الناس أن يتهموني بجهل كنت مأخوذاً به لعدة سنوات‏،‏ حتى يعظم عليّ الرجوع إلى الحق الذي تبين لي‏،‏ بل إن رائدي هو الوقوف على ما أرى أنه حكم الله عزّ وجل‏،‏ إما عن طريق اتباع الأئمة فيما لا قبل لي بالاجتهاد فيه‏،‏ وإما ببذل ما أملكه من الجهد في الدراسة والبحث‏،‏ فأنا لا أتردد في الرجوع إلى ما استقر في عقلي ويقيني أنه الحق‏،‏ ولا أتردد في الإعلان عنه بكل وسيلة ممكنة‏.‏ وتلك هي الفضيلة التي يدعو المنطق إليها ويأمر الله بها‏.
‏ وإذا كان الإمام الشافعي الذي لا أبلغ أن أرقى إلى معشار علمه‏،‏ قد رجع عن كثير من اجتهاداته الفقهية القديمة في مذهبه الجديد‏،‏ وأعلن عن ذلك غير متحرج ولا مستكبر‏،‏ أفأقف أنا دون الاعتراف بالحق رعاية لنفسي وحماية لسمعتي‏،‏ وتحسباً لانتقادات من يقول لي ‏(‏‏(‏من فمك أدينك‏)‏‏)‏‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏
لذا فإني أنتظر الفرصة السانحة لأدخل آخر تعديل على كتابي فقه السيرة‏،‏ وأعلن فيه عن رجوعي إلى الحق الذي أوضحته مفصلاً في كتابي الجهاد‏. ‏
ولأن يدينني أصحاب الأهواء بالرجوع إلى الحق الذي هو زادي لدى قدومي على الله‏، ‏ خير لي من أن أنال عندهم شرف الثبات والعناد على الرأي الذي ظهر لي خطؤه وبطلانه‏. ‏

تحميل



تشغيل