مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 14/09/2014

مقدمة كتاب نصيحة لإخواننا علماء نجد

مقالات

مقدمة كتاب (نصيحة لإخواننا علماء نجد)
الإمام الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد فإن السيد يوسف الرفاعي، واحد من أبرز فضلاء الكويت وعلمائهم، جمع في علمه الإسلامي، منذ عرفته، بين النشاط العلمي والدعوي والجهود الإنسانية والاجتماعية والأعمال الخيرية.
آمر بالمعروف ناه عن المنكر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً معتمداً _ بعد العلم _ على عدة من الحب في الله والشفقة على عباد الله.. يواصل المسلمين جميعاً على اختلاف فئاتهم وجماعاتهم مواصلة الأخ لإخوانه المؤمنين، ساعياً إلى استصلاح هذه الأخوة بمدّ جسور التناصح معهم، مستهدياً في ذلك بأمر الله القائل: ( ... فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) وتذكرة رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (الدين النصيحة ... ).
وتلك هي سيما الصادقين من عباد الله، والمخلصين في تنفيذ أوامره والانقياد لتعاليمه.. نحسبهم ونتبيّنهم بالسيما ولا نتألى على الله عز وجل.
قرأت له هذه الرسالة.. وإنما شدني إلى قراءتها عنوانها المضمخ بمشاعر التقدير والمنبئ عن صفاء القصد، ودافع التعاون على طريق مرضاة الله: (نصيحة لإخواننا علماء نجد) ولو رأيت في العنوان ما ينبئ عن نقيض ذلك لأعرضت عنها وألقيتها جانباً ولما ضيعت في قراءتها وقتاً أنا بأمس الحاجة إليه.
ولما بدأت في قراءتها، رأيتني أما ما يطابق العنوان وينسجم معه: تذكرة هادئة محبّبة ونصائح تعبر عن الغيرة الصادقة على دين الله، والشفقة الخالصة على هؤلاء الإخوة أن يشردوا عن صراط الله.
واستعرضت نصائح الأخ السيد يوسف الرفاعي لهؤلاء الإخوة من أولها إلى آخرها، وعدت بها إلى ما أعلمه من ميزان الشرع ودلائله ومصادره، فوجدته محقاً في كل ما ينصحهم به ويحذرهم منه. بل إنه ليتكلم في ذلك باسم سائر علماء المسلكين الذين يهتدون بهداية القرآن والسنة وينهجون منهج السلف الصالح، أياً كانوا وأينما كانوا.
وما أعلم أن العالم الإسلامي أجمع في استيائه من أمر من الأمور في عصر من العصور كاستيائه من هذا الذي يقدم عليه الأخوة مسؤولو المملكة وعلماؤها اليوم، من إخلاء مكة والمدينة وما حولهما من سائر الآثار المتصلة بحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشخصية والنبوية، وما يتبع ذلك من الإقدام على أمور تناقض الشرع وتناقض المنهج الذي كان عليه السلف الصالح، كمنع المسلمين من زيارة البقيع ومنع الدفن فيه، وتكفير سواد هذه الأمة بحجة كونهم أشاعرة وماتريديين!.. وهل كان الإمام الأشعري إلى نصير السلف الصالح بإجماع الأمة؟!
والذي زاد من هذا الاستياء الذي بلغ اليوم ذروته، أن هؤلاء الأخوة الذين يقدمون على هذه الفظائع المنكرة، ماضون ومستمرون في ذلك في صمت وقدر كبير من اللامبالاة! وقد كان أدنى ما يقتضيه الالتزام بأوليات الدين الإسلامي والبديهيات المتفق عليها من أحكامه أن يبدأ هؤلاء الإخوة فينشروا بيانا يأتون به على سمع العالم الإسلامي وبصره، يوضحون في الدليل على ما قد تحقق لديهم من وجوب هدم آثار النبوة والقضاء عليها، وملاحقتها بالمحو أياً كانت وأينما وجدت، ومن ثم يعلنون عن عزمهم _بناء على ذلك_ على تنفيذ ما يقتضيه الحكم الشرعي المقرون بدليله.
ولقد كنت ولا أزال واحد من ملايين المسلمين الذين تأخذهم الدهشة لهذا الذي يجري في مكة والمدينة، تحت أبصار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، مع الاستخفاف بمشاعرهم وعلومهم ومعتقداتهم، ودون تقديم أي معذرة بين يدي مغامراتهم العجيبة هذه، من حجة علمية يتمسكون بها، أو اجتهاد ديني حق لهم أن يجنحوا إليه!
بل لقد آثرت، تحت تأثير هذه الدهشة، أن أبدأ فأتهم نفسي بالجهل، وأن أفترض في معلوماتي الشرعية خطأ توهمته صواباً، أو حكماً غاب عني علمه، وذلك ابتغاء المحافظة على ما هو واجب من حسن الظن بالأخوة المسلمين، لا سيما العلماء منهم، ما اتسع السبيل إلى ذلك..
فرحت أنبش سيرت السلف الصالح وموقفهم، بدءاً من عصر الصحابة فما بعد، وأستجلي _من جديد_ موقفهم ن آثار النبوة، سواء منها العائد إلى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ذات الدلالة على رسالته ونبوته، فلم أجد إلا الإجماع بدءاً من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على مشروعية التبرك بآثاره، بل رأيت الصحابة كلهم يسعون ويتنافسون إلى ذلك.. ولا ريب أن مشايخ نجد يعلمون ما نعلمه جميعاً من ورود الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما، المتضمنة تبرك الصحابة بعرق رسول الله وشعره ووضوئه وبصاقه والقدح الذي كان يشرب فيه، والأماكن التي صلى فيها، وجلس فيها أو قال فيها.
ولا نشك في أنهم يعلمون كما نعلم أن عصور السلف الثلاثة مرت شاهدةً بإجماع على تبرك أولئك السلف بالبقايا التي تذكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، من دار ولادته، وبيت خديجة رضي الله عنها، ودر أب أيوب الأنصاري التي استقبلته فنزل في أيامه الأولى من هجرته إلى المدينة المنورة، وغيها من الآثار كبئر أريس وبئر ذي طوى ودار الأرقم... ثم إن الأجيال التي جاءت فمرت على أعقاب ذلك كانت خير حارس لها وشاهد أمين على ذلك.
ثم إن العالم الإسلامي كله يفاجأ اليوم بهذه البدعة التي يمزق بها أخواننا مشايخ نجد إجماع سلف المسلمين وخلفهم إلى يومنا هذا، فدار ولادة رسول الله تهدم وتحول إلى سوق بهائم، ودار ضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة تحول إلى مراحيض! وتمر أيدي المحو والتدمير على كل الآثار التي تناوبت أجيال المسلمين كلهم شرف رعايتها والمحافظة عيها.
والأعجب من هذا كله أن مشايخ نجد يرون مدى استنكار العالم الإسلامي وغليانه الوجداني، لهذه البدعة التي تزدري إجماع المسلمين من قبل وتستخف بمشاعرهم الإيمانية، دون أن يتوجهوا إليهم بكلمة يبررون فيها عملهم ويشرحون فيها وجهة نظرهم. إذ المفروض _ إذا كانوا هم المصيبون في عملهم هذا وعلماء العالم الإسلامي قاب جاهلون ومخطئون _ أن يتوجهوا إليهم ببيان هذا الذي يعرفونه، حتى يتنبهوا إلى خطئهم ويتحولوا إلى الصواب الذي امتازوا وانفردوا عن العالم كله بمعرفته.. وبذلك يكسبون أجر هدايتهم وإرشادهم إلى الحق الذي تاه عنه المسلمون خلال أجيالهم المنصرمة كلها.
وإني لأروي بهذه المناسبة القصة التالية التي بدأت ثم لم تتم!..
تشاكينا، أنا وصديقي الأجل الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، في لقاء بمناسبة مؤتمر عقد في إحدى بلداننا العربية هذه، تشاكينا هذا الوضع المؤلم الذي كاد أن يستولد من أرض نجد إسلاماً جديداً لا عهد للسلف الصالح به، ومن ثم فقد أصبح هذا الوضع سبباً لأسوأ مظاهر التناحر والشقاق في العالم الإسلامي، بل في جل المراكز الإسلامية في أوروبا وأمريكا.
قال لي الدكتور عبد الله: حقاً إنه لوضع مؤسف. فما الحل؟
قلت: الحل هو أن نتحاور مع هؤلاء الإخوة ونتجاذب أطراف الحديث طبق موازين العلم، فإذا تحقق الإخلاص وخلت المقاصد من الشوائب، فإن العلم يهدي إلى الحق، والحق يهدي إلى الوفاق.
واتفقنا، بناء على هذا، على إقامة ندوة علمية في المملكة العربية السعودية، مؤلفة من عشرة من علماء المملكة ممن يتمتعون بالعلم الوفير والإخلاص لدين الله والغيرة على وحدة الأمة، ومن عشرة من بقية العالم العربي، يتسمون بالصفات ذاتها، على أن تطرح فيما بينهم هذه المسائل المستحدثة التي لا عهد للسلف الصالح بها، على حدّ علمنا وطبق ما انتهت إليه معرفتنا. فيتناقشون بها طبق منهج علمي متفق عليه، والمأمول عندئذ أن تتجلى الحقائق وينجلي عنها الضباب والأوهام اللذان يسببان سوء الرؤية، ومن ثم يؤدي سوء الرؤية إلى الوقوع في المسالك المتعبة والسبل المضللة.
وتفرقنا على هذا الأساس، والتزمت أن أقترح أسماء العلماء العشرة من مختلف بلادنا العربية وفي مقدمتها سورية، كما التزم هو أن يقترح أسماء العلماء العشرة من المملكة، ومن ثم يتحدد الموعد ثم يتم اللقاء.
ولقد وفيت بما التزمت، فأرسلت إليه أسماء العلماء العشرة الذين تأملت فيهم العلم الوفير، والإخلاص لدين الله والغيرة على وحدة المسلمين... وانتظرت أن أتلقى منه بقية الأسماء وتحديد ميقات الندوة ومكانها. وها أنا ذا لا أزال أنتظر، وقد مرّ على هذا الاتفاق سنوات!!.
وقد علمت أن صديقنا الوفيّ هذا بذل ما في وسعه. ولم يأل جهداً في أن يختار من علماء المملكة من تتوافر بهم أركان تلك الندوة، ولكنهم كانوا كعادتهم يفرون من المواجهة والنقاش في هذه المسائل بالذات، بمقدار ما يقبلون منفردين ومتحمسين لتنفيذ أرائهم الخاصة بهم فيها!!..
والسؤال الذي لا بدّ أن نتطارحه بناء على هذا هو:
أفهكذا يكون الإخلاص لوجه الله في إقامة المعروف وإزالة المنكر؟
كيف يكون المعروف معروفاً إذا لم نتداع نحن الإخوة المسلمين متعاونين لمعرفته والتعريف به؟
وكيف يكون المنكر منكراً في علمنا الإسلامي إذا لم نتداع متعاونين لمعرفة كونه منكراً، ومن ثم للتعاون على إنكاره؟
كيف يكون انفراد إخوتنا مشايخ نجد بالإقدام على هذه الأعاجيب التي عددها السيد يوسف الرفاعي في رسالته الحوارية هذه والتي بلغت 58 أعجوبة، والتي بحثنا فلم نجد في دين الله ما يسوغ هذا الإقدام عليها، أقولك كيف يكون انفرادهم عن سائر علماء المسلمين في الإقدام على مستحدثاتهم هذه دون أي استثارة لهم أو تعاون معهم، عملاً إسلامياً مقبولاً، وقد كان الإسلام ولا يزال قائماً، وفي كل أموره وشؤونه، على التواصل والتعاون؟
على أني لا أيأس... وسأظل متفائلاً ما وجدت إلى ذلك من سبيل.
إنني في الوقت الذي أشكر فيه أخي السيد يوسف الرفاعي على رسالته الحوارية الهامة في مضمونها، والمحببة واللطيفة في أسلوبها، أرجوا أن تلقى أذاناً صاغية من الإخوة الفضلاء الذين وجهن إليهم، كما أرجوا أن تلامس من قلوبهم حرقة الإخلاص لله والغيرة على حرمات الله والشفقة على صلة القربى في نطاق رحم الإسلام، كما أرجوا أن تذكرهم هذه الرسالة بأن الإسلام لا يتكامل في كيان الإنسان إلا إن دخل العقل يقيناً وهيمن على القلب حباً وتعظيماً.
فهلا تلمستم _ يا علماء نجد _ مكان محبة الله ورسوله من أفئدتكم، وهلا استنبتّم هذه المحبة إن رأيتموها ضامرة بمزيد من ذكر الله عز وجل.. إذن لدفعكم هذا الحب _والله_ إلى حراسة آثار النبوة وصاحبها بدلاً من محوها والقضاء عليها، ولسلكتم في ذلك مسلك السلف الصالح رضوان الله عليهم.. وإذن لأقلعتم عن ترديد تلك الكلمة التي تظنونها نصيحة وهي باطل من القول، وتحسبونها أمراً هيناً، وهي عند الله عظيم، ألا وهي قولكم للحجيج في كثير من المناسبات: إياكم والغلو في محبة رسول الله!...
ولو قلتم، كما قال رسول الله: لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، لكان كلاماً مقبولاً، ولكان ذلك نصيحة غالية، أما الحب الذي هو تعلق القلب بالمحبوب على وجه الاستئناس بقربه والاستيحاش من بعده، فلا يكون الغلو فيه _عندما يكون المحبوب رسول الله صلى الله عليه وسلم_ إلا عنوانا على مزيد قرب من الله، وقد علمنا أن الحب في الله من مستلزمات توحيد الله تعالى.. ومهم غلا محب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال فيما اتفق عليه الشيخان: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين) وفي رواية للبخاري: ومن نفسه.
وإذا ازدهرت قلوبكم بهذه المحبة، فلسوف تعلمون أنها مهما تلظت بهذه المحبة، فلسوف تظل متقاصرة عن الحد الذي يستحقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولسوف تنتعش نفوسكم لمرأى آثار النبوة _ إن كان قد بقي منها بقية لديكم اليوم، بدلاً من أن تكرهوها وتسعوا سعيكم الحثيث للتخلص منها والقضاء عليها!..
أسأل الله ضارعاً أن يجمعنا مع أخوتنا علماء نجد على الحق الذي جاء به كتاب الله ودلت عليه سيرة سول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، وسار عليه سلفنا الصالح، وأن يجمعنا بعد اليقين العقلي بحقائق الإسلام، على ورد لا ينضب من محبة الله ومحبة نبيه عليه أزكى الصلاة والسلام.

تحميل



تشغيل