مميز
التاريخ:

مدرسة الصاحبة

معالم الشام
مدرسة الصاحبة
"مدرسة الصاحبة
أنشأتها ربيعة خاتون أخت
السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 628 هجرية"
عبارات كتبت فوق باب مدرسة الصاحبة الأثرية في حي الصالحية.
تقع مدرسة الصاحبة خارج أسوار مدينة دمشق القديمة على سفح جبل قاسيون من جهة الشرق بمنطقة الصالحية حي ركن الدين حالياً، وهي من أكبر المدارس الإسلامية بحي المدارس، يحدها شرقاً المدرسة الركنية.. وغرباً جامع الشيخ عبد الغني النابلسي ومتاخمة لمسجد أبو النور، كانت المدرسة تطل من حارة العلية على حديقة جميلة على ضفاف نهر يزيد حين كان يغذي منطقة الصالحية برمتها، وتم تغطية النهر بالإسمنت المسلح. وتعتبر هذه المدرسة أخر ما تم بنائه بدمشق من أقرباء السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي .
وتتمتع المدرسة التي بنيت على طراز فنون العمائر الأيوبية الرائعة بواجهة حجرية ذات قيمة معمارية فائقة من حيث تدكيك الحجارة الجيرية و تركيبها، وبها أربعة شبابيك تطل على الغرف، ولكن ينقصها الزخارف و العناصر التزيينة التي تمتعت بها بقية المدارس في تلك المحلة، إلا أن بوابتها لها سحر جميل أخاذ، والباب الفخم مزين بمقرنصات حجرية رائعة على شكل محراب وهي معقودة بثلاثة صفوف من الانحناءات الأفقية الجميلة على هيئة مقرنصات محرابية الشكل وبها ست صدفات منحوتة نحتاً جيداً وصولاً إلى تاج البوابة.
أخذت المدرسة شكل مستطيل، ومدخل بابها الرئيس من الجهة الشمالية، مع وجود نوافذ بالجبهة الحجرية يعلوها سواكف وكان عليها نقوش ولكن للأسف لم أتمكن من قراءتها، وفوقها يوجد أشكال حجرية مربعة محفورة حفراً هندسيا أخذت شكل حزام و عليها نقش ( على ما يبدو انه: أشهد أن لا إله إلا الله ) مما يدلنا أن هذه النافذة هي نافذة ضريح الواقفة "ربيعة خاتون"
يوجد ضريح الواقفة في الغرفة الغربية الوسطى من المدرسة و التي تضم أيونان شرقي و غربي و مسقوفة بأعمدة مزدوجة، و الضريح نفسه وضع بشكل منحرف عن استقامة الغرفة كي يتناسب وجوده و وضعه مع اتجاه القبلة .
وقد أنشأت هذه المدرسة على المذهب الحنبلي عام 628 هجرية الموافق 1231 ميلادية السيدة الجليلة الفاضلة سليلة الملوك و الأمراء الأيوبيين " ربيعة خاتون " ولقبها الصاحبة وهي أصغر أولاد نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان سناً .
ولدت كما ذكر النعيمي سنة 560 للهجرة الموافق 1164 للميلاد وهي الشقيقة الصغرى للملوك نور الدولة شاهنشاه بن نجم الدين أيوب بن شاذي صاحب بعلبك. وشقيقة السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذي سلطان بلاد الشام ومصر. وشقيقة ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن نجم الدين أيوب بن شاذي صاحب اليمن بمعاقله ومخاليفه، وشقيقة المعظم شمس الدولة توران شاه بن نجم الدين أيوب بن شاذي صاحب مصر واليمن. وشقيقة ست الشام فاطمة خاتون ولقبها عصمة الدين بنت نجم الدين أيوب بن شاذي، وشقيقة الملك العادل سيف الدين بن نجم الدين أيوب بن شاذي .
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في سنة 581 للهجرة: زوجّها أخوها الناصر صلاح الدين أولاً بالأمير الكبير سعد الدين مسعود بن الأمير معين الدين أنر، كان من الأمراء الكبار أيام نور الدين رحمهم الله تعالى جميعاً، وتزوج صلاح الدين بأخته عصمة الدين خاتون واقفة الخاتونية الجوانية والخانقاه، والتي كانت زوجة الملك نور الدين الشهيد رحمهما الله تعالى.
ولما مات الأمير سعد الدين مسعود. زوجها من الملك مظفر الدين أبو سعيد بن زين الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد صاحب إربل الذي يعود إليه الفضل بإتمام بناء الجامع المظفري / جامع الحنابلة بسفح جبل قاسيون بصالحية دمشق .
فأقامت عنده بإريل أزيد من أربعين سنة، و لما توفى عنها عادت إلى دمشق فسكنت بدار العقيقي (هي دار أبيها نجم الدين أيوب) وقامت بدور كبير في إثراء الحياة العلمية والثقافية في العصر الأيوبي وانضمت من فورها إلى الأوساط الفكرية بدمشق، وبدأت تجذب حولها الدارسين والعلماء وكان على رأسهم الشيخة الصالحة العالمة أمة اللطيف بنت الشيخ الناصح الحنبلي رحمها الله تعالى.. فأحبتها، فدخلت في خدمتها وحصل لها من حبها أموال عظيمة، وكانت أمة اللطيف فاضلة صالحة لها تصانيف وهي التي أشارت عليها بإنشاء مدرسة على سفح جبل قاسيون من الشرق للسادة الحنابلة، والتي عرفت بالمدرسة الصاحبية، وأوقفتها على الحنابلة فقط؛ وأسندت التدريس فيها إلى الناصح بن الحنبلي في عام 628هـ/1231م .
وتجدر الإشارة أن السيدة الفاضلة العالمة أمة اللطيف كانت دائماً في خدمة ورعاية السيدة ربيعة خاتون؛ وكانت الخاتون ترجع إليها في كثير من الأمور، لذا فقد أجزلت لها الكثير من الأموال لإنفاقها على ما تؤلّفه من تصانيف.
فأخبرنا ابن خلكان أنه لما توفيت السيدة ربيعة خاتون وهي آخر من بقي من أولاد أيوب لصلبة عن عمر يناهز الثمانين عاماً، وكانت في دمشق بدار العقيقي التي أضحت فيما بعد المدرسة الظاهرية، وذلك في شعبان سنة 643 للهجرة الموافق 1244 للميلاد . ودفنت في مدرستها التي أوقفتها على الحنابلة بسفح جبل قاسيون، فلقيت السيدة العالمة أمة اللطيف بنت الشيخ الصالح الحنبلي الكثير من الشدائد والمتاعب والمصادرة بسبب ما منحته لها ربيعة خاتون من أموال؛ فقد صودرت أموالها، بل وطولبت بالأموال التي منحتها لها ربيعة خاتون، واستولى الصاحب معين الدين ابن الشيخ على موجودها فلم يمنع وعاش بعدها أيام قلائل . وظلت في حبسها إلى أن أطلقت من الحبس بعد ثلاث سنوات .. ثم تزوج بها الملك الأشرف موسى الأيوبي بن الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص، وسافرت معه إلى الرحبة .
هذا الزواج كان بمثابة رد اعتبار لهذه العالمة الفاضلة التي أسهمت هي الأخرى بِدَور كبير بمصنفاتها وعلمها في إثراء الحركة العلمية خلال العصر الأيوبي، والتي أنشأت مدرسة للحنابلة بدمشق تقع شرقيّ الرباط الناصري.
ولعل ما سبق يوضح مدى اهتمام السيدة ربيعة خاتون بالدارسين والعلماء، حتى أن العالمة الفاضلة أمة اللطيف بنت الناصح الحنبلي كانت تصاحبها في بيتها. يضاف إلى ذلك أن السيدة ربيعة خاتون كان لها الكثير من الأوقاف التي أوقفتها على المدارس وفي وجوه الخير، مما يدل على قيامها بِدَور كبير في الحركة العلمية آنذاك.
توفيت رحمها الله تعالى بدمشق و كانت وفاتها وغالب ظن ابن خلكان أنها جاوزت ثمانين سنة وأدركت من محارمها الملوك من أخوتها وأولادهم أكثر من خمسين رجلاً .
منهم من كان بـ أربل لزوجها مظفر الدين أبو سعيد بن زين الدين كوكبوري، والموصل لأولاده ابنها وخلاط، وتلك الناحية لابن أخيها وبلاد الجزيرة الفراتية للأشرف، وبلاد الشام لأولاد أخوتها والديار المصرية والحجازية واليمن لأخوتها وأولادهم قالت: أنا مثل عاتكة بنت يزيد زوجة عبد الملك بن مروان
من الناحية المادية فقد عَلِمنا من الشيخ النعيمي بكتابه تاريخ المدارس: أنه عُلم الآن من وقفها غالب قرية جبة عسال، والبستان الذي تحت المدرسة، والطاحون، و حاكورة، وغالب تلك الحارة جوارها انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم .
من الناحية العلمية فقد أخبرنا ابن شداد رحمه الله تعالى في الأعلاق أن أول من ذكر بها الدرس الشيخ الكبير الجليل ناصح الدين الحنبلي، ثم من بعده ولده سيف الدين يحيى إلى أن توفي، وناب عنه فيها صفي الدين خليل المراغي حين توجه إلى بغداد، وابن أخيه شرف الدين محمد بن علي بن عبد الله ابن الشيخ ناصح الدين ... وبقيت على أولاده .. و ينوب عنهم فيها الشيخ تقي المعروف بابن الواسطي وهو مستمر بها إلى الآن انتهى (أي حتى عهد ابن شداد).
وقد أكد سبط ابن الجوزي أن ربيعة خاتون أنشأت هذه المدرسة من أجل الشيخ عبد الرحمن الناصح بن الحنبلي للتدريس فيها والتي أوجدتها بسفح قاسيون شهر في رجب سنة 628 الموافق 1231 للميلاد، وقد سمتها المدرسة الصاحبة ومنهم من قال (الصاحبية) ومنهم من قال (الصلاحية ـ أو الناصحية)، وقد وهبتها لتدريس الفقه على المذهب الحنبلي.
وقد دخلت في خدمتها الشيخة الصالحة العالمة أمة اللطيف بنت الناصح الحنبلي، وكانت فاضلة زاهدة محاضرة بعلوم الدين وهي التي أرشدتها إلى وقف المدرسة بسفح قاسيون على الحنابلة.
وزاد الأسدي أنه في سنة ثمان وعشرين المذكورة درس بالصاحبة الناصح بن الحنبلي بسفح قاسيون التي أنشأتها الخاتون ربيعة بنت أيوب أخت ست الشام في شهر رجب وكان يوماً مشهوراً .. حضر الدرس جمع كبير من الفقهاء .. وحضرت الواقفة وراء الستار.
وأثنى ابن كثير على هذا العالم الجليل الشيخ الناصح فقال: في سنة أربع وثلاثين وستمائة توفي الناصح بن الحنبلي في ثالث المحرم وهو ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج الشيرازي، وهم ينتسبون إلى الصحابي سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه .
ولد الناصح سنة أربع وخمسين وخمسمائة وقرأ القرآن وسمع الحديث وكان يعظ في بعض الأحيان وقد ذكر أنه وعظ في حياة الحافظ عبد الغني، وهو أول من درس بالصاحبية التي بالجبل وله تصانيف وقد اشتغل على ابن المني ببغداد، وكان فاضلاً وكانت وفاته بالصالحية ودفن هناك انتهى .
ويشير الشيخ عبد القادر بن بدران في كتابه منادمة الأطلال إلى عظمة بناء تلك المدرسة ومدى الرقيّ في تقدم فن العمارة الأيوبية، حيث يشير إلى أنها الآن معروفة ومشهورة في حارة الأكراد بدمشق، أي في النصف الأول من القرن العشرين وهي الفترة التي عاش فيها المؤلف مما يدل على عراقة وأصالة بنائها، ومدى ما أنفق عليها من البناء لاستيعاب مريديها، وكثرة الأوقاف التي أوقفت عليها ودعمت وجودها حتى النصف الثاني من القرن العشرين . فهي الآن معروفة الآن ومشهورة في حارة الأكراد وبناؤها عظيم يدل على الأبهة والجلالة وهي من الآثار التي تدل على ارتقاء الفن المعماري في ذلك الزمن .
و المدرسة ككل مؤلفة من أربعة أواوين و يوجد في الواجهة الشمالية صف من ثلاث عقود متساوية الارتفاع، ويوجد في الناحية الجنوبية منها الإيوان الرئيسي وهو مركز المدرسة و يحيط به نوافذ كانت تطل على الحديقة وعلى نهر يزيد و منه تطل على مدينة دمشق .
أقول هنا أن هذه المدرسة موغلة في القدم منذ العصر الأيوبي ولهذا فقد ذكرها الشيخ العلامة محمد دهمان في مخطط الأماكن الأثرية المعروفة بين سنة 553 ـ 1153 هجرية لمدينة النخيل ( الصالحية ) و أعطاها رقم ـ 15 ـ في حي الأكراد .
منقول مصادر متعددة


تشغيل