مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 03/08/2014

هذا الهرج الأسود

مقالات

هَذا الهَرجُ الأَسْوَدُ
ما السبيل الأمثل للقضاء عليه
من الخير أن نتعامل مع المصطلح النبوي (( الهرج )) بدلاً من المصطلـح الغربي المغلـق (( الإرهاب ))
الإمام الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
كلنا يعلم أن أجواء عالمنا العربي والإسلامي مجرثمة. الخطط محبوكة، والخيوط موصولة متشابكة، والهدف منها القضاء على الحضارة الإسلامية، وتجريد الأمة من حقوقها وثرواتها.. وفي مثل هذه الحال تتغلب فاعلية الأعصاب، على وحي الفكر والعقل، فضلاً عن ضوابط الأحكام والنصوص.. ولا ينجو من ثائرة الأعصاب المهتاجة في هذه الحالة، إلا أولو العزم من أصحاب العلم والنهى، وأولو البصيرة الثاقبة بشريعة الله، الواثقون من حكمة الله، المؤمنون بواسع رحمته.
إذن فرسم العلاج والعمل على اتخاذه واستعماله، لا يغنيان عن العمل على تنقية الجو من الجراثيم التي تبعث (شئنا أم أبينا) على نشر هذا المرض. وأرجو أن يتوفر ملتقى قريب يشمله بالرعاية (ملتقى اقرأ الفكري والفقهي) يكون مهمته وضع استراتيجية لاتخاذ سبل الوقاية ضد هذا الوباء الذي يهدد كيان هذه الأمة من الجذور.
% % %
أعود إلى الموضوع الذي أنا بصدده، فأقول:
مهما كانت الظروف التي نمرّ بها، ومهما اشتدت الخطوب التي تتجه بالكيد إلى قيمنا وحقوقنا، ومهما كانت السبل المتجهة إلى ذلك مكشوفة، فلن يكون هناك أي مبرر لطيّ التعاليم الشرعية وتجاهل الأحكام الفقهية التي هي محل إجماع الأمة.. بل ينبغي أن نعلم (وقد بايعنا الله على الالتزام بهديه والتقيد بأحكامه وتعاليمه) أن خير علاج للخطوب التي نعاني منها والخطط التي تتجه إلينا بالكيد والمحق، هو تجديد البيعة مع الله وتأكيد الالتزام بتعاليمه وشرعه.. لا يرتاب في هذه الحقيقة من كان صادقاً في وقوفه تحت راية الإسلام، وفي التزامه بشرعته ومنهاجه.
فهل يتفق تجديد البيعة مع الله وتأكيد الالتزام بشريعته، مع ما يقدم عليه هؤلاء الذين يرفعون فوق رؤوسهم راية الإسلام. من هذا التقتيل الذي تدور رحاه على خليط من الناس تمازج فيه المسلمون مع غيرهم، على أرض إسلامية لم يُستعلن فيها بحرب على أحد، ولم يتخصص رواق العهد والسلم فوقها لفئة دون أخرى أو لمذهب دون مذهب؟
خير لنا أن نصمت جميعاً، وأن نصغي في الإجابة عن هذا السؤال إلى ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((من خرج من أمتي على أمتي يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى مؤمنها، ولا يفي بذي عهدها، فليس مني))[1]
إنه وصف دقيق لأعمال هؤلاء الذين يمزقون شرعة الإسلام باسم الإسلام، ويتجاهلون وصايا رسول الله، ولا يبالون (وهم ماضون في مخالفة هديه) بتبرّئه منهم.
كلنا يعلم أن الأجانب الذين يجوبون في بلادنا الإسلامية تجاراً أو سائحين، أو رسل لقاءات اجتماعية أو علمية أو سياسية، إنما يسمون في مصطلح الفقه الإسلامي معاهدين أو مستأمنين، نظراً إلى أنهم إنما دخلوا بلاد الإسلام بعلم أولي الأمر وإذنهم. وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وغيره، من نكث الوفاء بالعهد مع هؤلاء المعاهدين أياً كانوا وإلى أي المذاهب انتموا، ولأيّ المهام السلمية جاؤوا.. وأعلن براءته عمن نقض عهدهم بأي إساءة إليهم.
ربما قيل: أرأيت لو أنهم كانوا، وهم في ديارهم حربيين، بحكم إعلانهم الحرب على الإسلام أو على المسلمين، أليس من المطلوب محاربتهم وقتلهم أينما وجدوا؟
والجواب: أن آية في كتاب الله تعالى بينت الحكم الذي ينقاد له المسلمون في التعامل مع هؤلاء الناس، وهي قول الله تعالى:
{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}التوبة6
فهؤلاء مشركون، ليسوا كتابيين وليسوا ممن هم في حكمهم، ثم إنهم حربيون، ومع ذلك فإن بيان الله يأمر المسلمين، إذا أقبل واحد من هؤلاء الحربيين المشركين إلى المسلمين مستجيراً أي رافعاً لواء السلم، أن يجيروه وأن يكلؤوا حياته وكرامته بالعناية التامة، وأن يجنبوه السوء وأسبابه، دون أن يغضّ من هذا الواجب المترتب على المسلمين فسقه أو مجونه أو تعامله مع مقتضى عقيدته الباطلة، حتى إذا أراد أن يعود إلى قومه وأن يلتحق بمعسكر حرابته وبغيه، مشركاً كما دخل، وجب على المسلمين أن يكفوا عن أذاه، بل عليهم أن يتحملوا مسؤولية حراسة حياته وطمأنينته إلى أن يبلغ مأمنه، أي إلى أن يندمج عائداً إلى معسكره الذي أقبل إلى المسلمين منه.
هكذا يقول صريح بيان الله عز وجل.. إنه يأمر بنقيض ما يقدم عليه هؤلاء المجرمون. بيان الله يأمر المؤمنين بالترفع عن الاستجابة لدواعي الثأر ومشاعر الضغينة والحقد، والانقياد بدلاً عن ذلك لمشاعر الرحمة.. وهؤلاء يصرّون إصرارهم على الإعراض عن أمر الله وبيانه، والاستجابة لدواعي الثأر والتشبع بمشاعر الحقد والضغينة، وعلى أن يستنطقوا الإسلام بما هو بريء منه، من الفظاظة في القول، والغلظة في التعامل، ونشر الرعب في نفوس البرآء الآمنين.
ثم إن هذه الآية تحمل دلالة قاطعة على أن الجهاد القتالي لم يشرع لحمل الكافرين قسراً على الإسلام، وإنما شرع لدرء خطر الحرابة عن المسلمين. فمهما ابتعد هذا الخطر عن المسلمين، ابتعدت معه مشروعية الجهاد القتالي.
إذ لو كان المراد من الجهاد حمل الكافرين على الدخول في الإسلام، إذن لم يجز ترك هذا المشرك يعود إلى فئته (بعد أن دخل دار الإسلام) كافراً فضلاً عن أن يتحمل المسلمون مسؤولية إبلاغه مأمنه.
إن على هؤلاء الذين يباغتون الناس، بجرائمهم، في الظلام، وينشرون، متخفّين، أسباب الرعب وعوامل القتل والدمار بين المسلمين البرآء، والداخلين في ذمتهم من الوافدين المستجيرين كما قال الله، باسم الجهاد في سبيل الله أن يعلنوا عن موقفهم من قول رسول الله في الحديث الذي سبق ذكره ((من خرج من أمتي على أمتي… الخ)) وعن موقفهم من قو ل الله تعالى ((وإن أحد من المشركين استجارك… الخ)) الآية.
أجل عليهم أن يوضحوا: كيف يكون الرجل خادماً لدين الله منضبطاً بأوامر الله وحدوده، ثم يكون مع ذلك ممن يخالف، بل يعاند أمر رسول الله فيخرج على أمته يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى مؤمنها؟!..
كيف يكون الواحد من هؤلاء مجاهداً في سبيل شرع الله، عن طريق تحطيمه العملي المعلن لأمر رسول الله، وعن طريق إمعانه في ارتكاب الهرج الذي نهى عنه رسول الله؟
% % %
ثم إن جمهور الفقهاء متفقون على أن الجهاد القتالي إنما شرعه الله تعالى درءاً للعدوان الواقع أو المتوقع. ولم يشرع لحمل الناس قسراً على الإسلام.
والأدلة على هذا الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء، كثيرة وجلية، من أبرزها وأوضحها أن الآيات التي تنهى عن مقاتلة غير المعتدين وتحصر مشروعية القتال في حق المعتدين وحدهم كثيرة.
منها قول الله تعالى: ((وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)) [البقرة:190] ،وقوله تعالى: ((لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم. ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)) [الممتحنة: 8و9] ،ومنها آيات كثيرة يعلم الله فيها رسوله أنه إنما بعث مبلغاً وداعياً، ولم يبعث مكرِهاً ولا مجبراً، من مثل قول الله: ((إن عليك إلا البلاغ..)) وقوله: ((نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار)) وقوله: ((فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين)) وقوله: ((فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً. إن عليك إلا البلاغ)).
فهذه الآيات كلها تقيد مشروعية القتال بشرط لا بدّ منه ألا وهو ظهور فعل العدوان أو ظهور قصده.. فإن لم يوجد العدوان ولا القصد إليه فإن الواجب يصبح محصوراً في الإبلاغ والدعوة إلى الله
ولكن فما الجواب عما يدلّ ظاهر آيتين في كتاب الله تعالى، إحداهما قوله تعالى: ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم)) [التوبة:5]، والثانية قوله تعالى: ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ولا يدينون دين الحق، من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)) [التوبة:29]، فإن كلاً من هاتين الآيتين يتضمن الأمر بقتال المشركين وعامة الكافرين مطلقاً، دون تقييد لذلك بحال الاعتداء والعدوان. وهو يتعارض مع الآيات الكثيرة الأخرى التي تقيد هذا الأمر بالعدوان.
في الناس من أراحوا أنفسهم من إطالة البحث والتفكير، باللجوء إلى دعوى أن هاتين الآيتين قد نسختا سائر الآيات التي قيدت مشروعية القتال بحال وجود عدوان واقع أو متوقع على المسلمين.
غير أن هذه الدعوى باطلة ولا موجب لها. وإنما يُلْجَأ إلى القول بالنسخ عندما يكون هو المصير الذي لا بديل عنه.. والبديل عن النسخ في هذه المسألة موجود وظاهر للعيان. وهو تخصيص العام بالخاص الذي يعارضه. وتقييد المطلق بالنص المقيد الذي يعارضه. وهي قاعدة لا خلاف فيها عند علماء أصول الفقه. فإنك إن قلت لصاحبك: تصدق على فقير، ثم قلت له تصدق على فقير صالح، فإن قولك الثاني يكون تفسيراً ومخصصاً لقولك الأول، لأن الثاني مقيد والأول مطلق والمطلق يفسر دائماً على ضوء المقيد لا العكس.
وهذا يعني أن مقتضى هذه القاعدة أن يخصص عموم قوله تعالى: ((فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم..)) وقوله تعالى: ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر..)) بمثل قوله تعالى: ((وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا..)) ذلك لأن هذه الآية خاصة، وتلك عامة، والعام يفسره الخاص لا العكس.
فأي موجب يبقى للقول بالنسخ بل أي مبرر له بعد وضوح هذه القاعدة المتبعة في قواعد الدلالات العربية؟
ثم إذا تجاهلنا هذه القاعدة العربية التي لا تُبقي أي مبرر لدعوى النسخ، وفرضنا أنها غير موجودة، فمن المتفق عليه أن النصوص القابلة للنسخ هي النصوص الإنشائية أي التي تكون من قبيل الأوامر أو النواهي. فأما النصوص الخبرية فهي غير قابلة للنسخ دون خلاف. إذ القول بنسخها يتضمن تكذيب صاحب النسخ إما بإخباره الذي نسخه أو بالناسخ الذي قرره.
وإذا رجعت إلى الآيات التي يحذر فيها رسوله صلى الله عليه وسلم من إكراه الناس على الإسلام، رأيت أن بعضها جاء إخباراً لا إنشاء. مثل قوله تعالى: ((فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ)) فهذا إخبار من الله تعالى أنه لم يرسل رسوله إلى الناس مجبراً لهم على الإسلام، وإنما أرسله مبلغاً فقط. ومثله قوله عز وجل: ((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..)) فإن معنى الآية: لا يتأتى الإكراه في الدين، لأن الدينونة إنما تكون في القلب، والمكرِه لا سلطان له إلا على ألسنة الناس وأعضائهم، أما قلوبهم فتبقى في مأمن وفي نجوة من القسر والإكراه. ومن ثم فليس لأحد من الناس نبياً أو ولياً أو كائناً ما أن يسري بعوامل الإكراه إلى قلوب الناس.
إذن فالآية إخبار عن حقيقة علمية، وليست من نوع الأمر أو النهي، فكيف يمكن أن ينسخ إخبار الله تعالى عن هذه الحقيقة العلمية؟ لو تم ذلك، لكان النسخ في حقيقته تصحيحاً لخطأ، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
فهذه الأدلة الناصعة البينة في كتاب الله تعالى، هي التي جمعت جمهور الفقهاء على الاتفاق بأن الجهاد القتالي لم يشرعه الله لإرغام الناس على الإيمان والإسلام، فذلك لا يتأتى لأحد غير الله عز وجل، وإنما شرعه الله عز وجل ردعاً للمعتدين وحراسة للقيم والحقوق أن يتسلل إليهما عابث أو طامع.
% % %
وبعد، ألا ترون في هذا الموجز الذي تم عرضه وبيانه ما يكشف إلى درجة البداهة أن المجاهد إنما هو رجل صاغته التربية الإسلامية فنشأ في ظلّها شريفاً شهماً، يواجه العدوان ويبارزه جهراً، ولا يتسرب إلى الناس البرآء الآمنين في غبش الظلام، ثم يسرع فيختفي عنهم في المنعرجات وداخل الحجور..
ولكن أفترونه مقنعاً لهؤلاء الذين يتقنعون بالظلام ويعتزون بالغيلة، ويحطمون، قبل البيوت التي ينسفونها بمن فيها، وصايا رسول الله، أم هل ترونه مقوماً لاعوجاجهم حاملاً لهم على التوبة والرجوع إلى الحق؟
أعتقد أنهم لن يجدوا فيه ما يقنعهم، أو يحملهم على أن يعيدوا النظر في الجرائم التي يرتكبونها تحت غطاء الجهاد. وذلك للأسباب التالية:
السبب الأول: أن هذا اللقاء الذي دعينا إليه، لا يضم أي واحد منهم أو من العقول المفكرة فيهم.. وإنما كنا ولا نزال في معالجتنا لهذه المصيبة نؤكد الكلام الذي نحن جميعاً متفقون عليه، فنحن في هذا الذي نتداوله ونتذاكره فيما بيننا كمن يكلم نفسه ويقف أمام مرآة ذاته.
السبب الثاني: أنه مرت فترة من الزمن، كان كثير من العلماء ورجال الدعوة الإسلامية، الذين ينكرون اليوم هذه الجرائم التي تمزق شرعة الإسلام، ما بين مؤيد لها وساكت عنها آنذاك وأعود بذاكرة كل منكم إلى مواقفهم المؤيدة، جهراً أو سراً، للهرج الذي اندلعت نيرانه في الجزائر بدافع سياسي كان ولا يزال يمزج بأعمال الدعوة.. ثم لما تفاقم الوضع هناك، وتسربت أصابع أخرى تمارس الشر تحت الغطاء نفسه، صحا أولئك العلماء والدعاة إلى خطورة الأمر، وإلى أن الغطاء الذي كانت هذه المجازر والمذابح تتم تحته تمزق ولم يعد ساتراً، وأصدروا بيانهم الذي أعلنوا فيه أن هذه الجرائم ليست من الجهاد في شيء!..
يجب أن نعلم أن رواسب وركاماً من المواقف السابقة لكثير من أولئك الفقهاء ورجال الدعوة لا يزال موجوداً، ومن ثم فهو يفعل فعله المؤيد اليوم في نفوس كثير من هؤلاء الذين يمارسون جرائمهم الجهادية في غبش الظلام.. إن المواقف وإن اختلفت، فأصداؤها لا تزال باقية تسري إلى أذهان ونفوس الرديكاليين.
السبب الثالث: أن المرجعيات الدينية ما زالت تتكاثر منفصلة بعضها عن بعض بل متخالفة في كثير من الآراء الفقهية، وآخر هذه المرجعيات ظهوراً تلك التي استقرت واتخذت مكانها في قلب أوربا مستقلة عن المجامع الفقهية الموجودة في القاهرة وجدة وباكستان، معلنة تخصصها بالإسلام الأوربي، هذا في حين أن الإسلام الذي شرفنا الله به كان ولا يزال واحداً، وأمتنا هذه أمة واحدة.
ألا ترون أن هذا من شأنه أن يخيل إلى القيادات الفكرية للذين يمارسون هذا الهرج الذي حذر منه رسول الله، أن من حقهم أن تكون لهم أيضاً مرجعيتهم الخاصة بهم والتي تبرر أعمالهم التي نراها جرائم ترتكب في حق الإسلام والإنسانية، ما دام لكل فئة أو جماعة من المسلمين أن تتخذ لنفسها مرجعية خاصة بها؟
وإذا كان في رجال هذه المرجعيات من يذهب في اجتهاداته الفقهية إلى مخالفة جمهور الفقهاء قديماً وحديثاً في مسائل فقهية كثيرة، مبرراً ذلك بالمصلحة التي يراها، مؤكداً أن تخالف المسلمين في فهومهم ومواقفهم الفقهية مطلوب ومبرور، ومستدلاً على ذلك بما يفهمه من آيات في كتاب الله عز وجل..
أقول: إذا كان في المرجعيات الفقهية المتكاثرة الم يرى هذا الرأي، أوليس من شأن ذلك أن يفتح السبيل أمام قادة الهرج في بلادنا العربية والإسلامية، لتبرير شذوذاتهم الفكرية والسلوكية بين يدي أعمالهم الإجرامية؟. إذ ما الفرق بين شذوذ وشذوذ؟ لماذا تكون شذوذات القول بإباحة الربا، وصحة بقاء المرأة المسلمة في عصمة الرجل الكافر، مبررة، ثم لا تكون شذوذات القول بمشروعية قتل أعوان الظلمة، وقتل الفسقة الذين ينشرون في ديار المسلمين الإباحية الأخلاقية، مبررة هي الأخرى؟!..
وجملة القول أننا بحاجة ماسة (إن أردنا القضاء على هذه الجرائم السوداء التي ترتكب باسم الجهاد الإسلامي) أن نجمع مرجعياتنا الفقهية الرسمية في مرجعية واحدة، مؤلفة من عدد كبير من العلماء الموثوق بعلمهم وتحررهم من أسبقيات المصالح الحزبية والسياسية، المشهود لهم بالاستقامة والتقوى، على أن تنبثق هذه المرجعية من أعلى مؤسسة في عالمنا الإسلامي، وهي منظمة المؤتمر الإسلامي، وعلى أن تكون هي وحدها المخولة في إصدار الفتاوى الشرعية، والسبيل إلى ذلك العمل بالوسائل الإعلامية الممكنة على بث الثقة بها، دون غيرها، في الأوساط الإسلامية كلها.
إنني على يقين بأنه إذا تم التغلب على هذه الأسباب الثلاثة التي منها تكون نسيج هذا الهرج الإجرامي الأسود، وقُضِيَ عليها قضاءً تاماً، فإن جذور هذه الجرائم ستجف وسينقطع عنها المعين الذي يمدها بالحيوية والنشاط.. وستعرى الأصابع الدخيلة المتسربة عن الأغطية الإسلامية التي تتحرك اليوم تحتها.
ملاحظة: هذا البحث أُعده العلامة الشهيد للملتقى الأول من ملتقيات اقرأ الفكر الفقهي المزمع عقده بمصر من 16 إلى 17 رجب 1426
(1) رواه مسلم في صحيحه والنسائي في سننه وأحمد في مسنده.