مميز
التاريخ: 23/07/2014

العلامة الشامي صاحب الحاشية ابن عابدين

تراجم وأعلام

العلامة الشامي صاحب الحاشية
ابن عابدين
الأستاذ يوسف عابدين
حفيد رسول الله صل الله عليه وسلم
محمد أمين عابدين الولد الثاني والثلاثون للسيدة فاطمة الزهراء البضعة النبوية الطاهرة رضي الله تعالى عنها، لقب بالعلامة الشامي وخاتمة المحققين في المذهب الحنفي صاحب التصانيف العديدة في الفقه واللغة والتصوف.
أشهر تصانيفه:
حاشية ابن عابدين التي تعد المرجع الأول في الفقه الحنفي، عم نفعها سائر البلدان الإسلامية ولد ابن عابدين في دمشق عام 1198ه – الموافق لـ 1784م.
نشأته وحياته:
ونشأ في حجر أبيه السيد عمر عابدين في حي القنوات _ زقاق المبلط.
كان يجلس في محل والده يتعلم التجارة، فجلس مرة يقرأ القرآن وإذ برجل مار لم يرضى عن تلاوته، نصح والده بأن يوجهه إلى تعلم القرآن، ومباشرةً استمع الوالد للنصيحة وأخذه إلى الشيخ محمد سعيد الحموي شيخ القراء في وقته، حفظ القرآن الكريم وقرأ عليه القراءات بوجوهها وطرقها وتلقى عليه علوماً أخرى.
ثم انتقل إلى شيخه الشيخ شاكر العقاد الحنفي القادري وقرأ عليه العديد من العلوم، وتضلع في الفقه والعلوم الآلية، أحبه شيخه محبة عظيمة وصار يفتخر به ويأخذه إلى شيوخه ويستجيزهم له فيجيزونه، وبدأ التصنيف في هذه الفترة وسنه 17 عاماً.
ثم بدأ بقراءة الدر المختار على شيخه العقاد، مع نخبة من طلاب العلم العلماء منهم الشيخ سعيد الحلبي، ولكن الشيخ العقاد توفي 1222ه، ولم يكمل الدر فأكمله ابن عابدين على الشيخ سعيد الحلبي ثم قرأ عليه الكثير من الكتب التي بدأها مع العقاد، وكتباً أخرى في الفقه الحنفي وغيره من العلوم الآليّة حتى برع ونضج وتمكن ثم تعرف على الشيخ الرباني مولانا خالد النقشبندي فأخذ عليه الطريقة النقشبندية، فاستجازه فأجازه، وكان هنالك هجمة أثمة على الشيخ خالد النقشبندي فما كان من ابن عابدين إلا أن تصدى لها، وألف رسالة سماها (سل الحسام الهندي في الدفاع عن مولانا خالد النقشبندي) بين فيها الحق، ولم يكن سلبياً في هذه المحنة.
لقد جمع الله لابن عابدين ميزات عديدة كما نرى فكان باراً بوالديه، وكان والده يشجعه على التفرغ للعلم، واقتناء الكتب وشراءها، ويقول له: اشتر ما بدا لك وعليّ الثمن فإنك أحييت ما أمته أنا من سيرة سلفي، فجزالك الله خيراً يا ولدي.
وكان قرة عين مشايخه كتبوا فيه أشعاراً وكتب فيهم يشكر فضلهم ويوضح ميزاتهم، ويلفت النظر إلى اغتنامهم.
واشتغل ابن عابدين بالتصنيف والتدريس والإفادة حتى أصبح مرجع الفتوى، ومحجة العلماء في العالم الإسلامي، إلى جانب ذلك كان إمام جامع التعديل ومؤذنه.
كان ابن عابدين كثير الصوم، لا ينام من الليل إلا القليل، وباقي الليل للتأليف والتحرير، وجعل النهار للدروس وإفادة المستفتين، فكان دائباً على إلقاء الدروس ونشر العلم، يرقى في درج المعالِ وحل المشكلات بصائب فهمٍ، ويحرص على جمع الفنون مع اشتغاله بالتدريس والمطالعة وتصحيح الكتب والمراجعة، وتهميش الكتب بدقائق العبارات، وتحرير المنتقدات بألطف إشارات. وكتابته على أسئلة المستفتين والأوراق التي سودها بالمباحث الرائعة والرقائق الفائقة لا تكاد تحصى أو تستقصى.
قالوا عن ابن عابدين:
كثيرٌ هم الذين تكلموا عن ابن عابدين في موسوعاتهم التاريخية والفقهية، ولا تكاد تجد مصنفاً في الفقه الحنفي أو الفقه المقارن يخلو من استشهاد بأقوال ابن عابدين حتى قال مؤلف أعلام الإسلام، ولم يبقى عالم من علماء المسلمين من بلاد الإسلام إلا وحاشية ابن عابدين أول كتاب في خزانته.
قال عنه الشيخ المراغي في طبقات الأصوليين (وعنه أخذ كثيرٌ من العلماء الأجلاء، وقد عرف ابن عابدين بالتدين والفقه والعلم والعمل والصلاح والتقوى)
عندما يخضع بحث المستجدات في الفقه الإسلامي للعلم العالي وللسند المتصل والفطانة ومع ذلك حالٌ ربانية تتكامل عندها ملامح التوفيق وليبقى أثر هؤلاء الرجال مستمراً من بعدهم فبأمثال هؤلاء الرجال يحفظ الله دينه ويتم نعمته.
كان عند ابن عابدين وازعاً إيمانياً داخلياً يدفعه دفعاً إلى الجد والاجتهاد، فكان متميزاً ليس لحبه للتميز والشهرة، ولكن لمبادرته لأبواب الخير والعلم والنفع بغية مرضاة الله تعالى عز وجل.
تجارته:
كان ابن عابدين رحمه الله يأكل من أموال تجارته بمباشرة شريكه مدى حياته، ويلاحظ أمر دنياه من غير أن يتعاطى بنفسه، ولم يأكل طوال حياته إلا من تجارته، رحم الله هذا الشريك الذي يسره الله لابن عابدين، ولعل كثيراً من حسنات ابن عابدين في صحائف شريكه هذا.
لقد نجح ابن عابدين عندما كان الوالد يؤثر أن يكون ولده من أهل العلم، بعد ملاحظته موهبة ولده، فأثر ذلك على جمعه للمال والجاه، فأعطاه الله ثواباً أثقل من جبال الذهب، وعندما كانت الأم تصبر وتضحي وتتفانى لتربي ولداً صالح، نجح عندما اعتنى الشيخ بتلميذه وحباه وضحى في وقته وشجعه على الاستمرار فكان التلميذ عالماً في صحيفة شيخه، نجح عندما نصح عابر الطريق والد ابن عابدين بتوجيه ولده لتعلم القرآن، فثمر الله النصيحة، وعندما كان الولد مثالاً للأدب مع ربه أولاً ثم مع والديه ومشايخه وعرف نعم الله عليه في وقته وفي سكناه الشام وغيرها فشكرها عملاً ، فنال الرياسة من دون طلب.
هذا وقد نقل بعض العلماء عن ابن عابدين في حاشيته، أنه حين يتعرض لبعض المذاهب الأخرى بالمناقشة يذكرها وأئمتها بمزيد من الأدب والاحترام الحقيقيين، ويذكرها بالتقدير والترضي عن أئمتها، وقد يصرح في بعض المواطن بتفضيل الفتوى بمذهب الغير دون المذهب الحنفي، مما يوحي بأن الله تعالى قد برأه من العصبية المذهبية، نسأل الله تعالى أن ينفعنا بهؤلاء الرجال أصحاب السلاسل الذهبية المرصعة بالجواهر النفيسة المتصلة بسيد الخلق سيدنا محمد صل الله عليه وسلم.
نسأل الله تعالى أن يرفع عنا البلاء ببركات أعماهم وعلومهم وببركات من سار على نهجهم.
توفي ابن عابدين يوم الأربعاء 21 ربيع الثاني سنة 1252 بعد أن عاش أربعاً وخمسين سنة هجرية.
هنيئاً لابن عابدين ميراثه من العلم النافع والحال المباركة، هنيئاً له اغتنامه للحظات حياته، هنيئاً له رضا والديه ومشايخه عنه.
ونسأل الله تعالى لنا ولذرياتنا التأسي بهؤلاء الرجال الذين عرفوا حقيقة هذه الحياة الدنيا فجعلوها مطيةً للأخرة إنه سميع مجيب.
وقد كُتب على لوحة قبره في باب الصغير بعض الأبيات أولها:
قفوا واغبطوا قبرا تسامى بعالم
وقولوا له هنيت وافاك سيد
هو الحر من أضحى بعلمه عاملاً
هو العابد ابن العابدين محمد

لمتابعة القراءة اضغط على الملف

تحميل



تشغيل