مميز
التاريخ:

مسجد السنجق دار للباحثة نبيلة القوصي

مساجد الشام
مسجد السنجق دار
(750ھ الموافق 1348م)
شيّده الأمير سيف الدين أراغون المملوكي
الباحثة: نبيلة القوصي
في مدينة دمشق التي حباها الله عز وجل بموقع ممتاز وإقليم معتدل، وأعطاها من المياه أنهاراً لنشرب منها ونسقي غوطتها، فنشكر الله ونحمده .
وعندما نمشي بين الأزقة والحارات نلاحظ توزع المساجد, ففي كل حي مسجد أو أكثر، ولذلك سمّيت( بمدينة المساجد)...وهذا يحتاج منا الشكر والحمد لله العظيم .
وعندما تخرج أيها السائح المسلم من الباب الغربي لقلعة دمشق الذي كان السلاطين والملوك يخرجون منه، فقف وانظر قبالة ذاك الباب، ترى أمامك مسجداً قديماً يسمى مسجد (السنجق دار)، كان يعرف بجامع (الحشر)، فما قصته؟ ومن قام ببنائه خارج أسوار دمشق القديم ؟ وما تاريخ بنائه؟
أنت مدعوٌّ أيها السائح المسلم لنتعرّف معاً على هذا المسجد من خلال" زاوية معالم وأعيان" فهيّا معاً.
الموقع: يقع خارج السور القديم لدمشق، مواجه باب القلعة في محلّة عُرفت فيما بعد ب(السنجقدار)، وقبل هذا البناء كان مكانه مسجد قديم عُرف باسم مسجد (الحشر) .
أما ما معنى كلمة الحشر؟
فيجيبنا ياقوت الحموي /معجم البلدان، قائلا: حشر: بالفتح ثم السكون والراء: جُبيل من ديار بني سُليم .فيكون المقصود بتسميته القديمة هذه الصحابي المدفون فيه وهو: العباس بن مرداس والمعروف من قبيلة سُليم .
ومسجد سنجق دار من المساجد التي بنيت في العصر المملوكي حيث يظهر للناظر إليه تناوب الحجارة بين الأسود والأبيض (الأبلق) ،وهذا من ميزات الفن المملوكي والذي تميز أيضا بالتالي :بتنوع وغنى العناصر المعمارية والزخرفية، ويرجع ذلك إلى طول فترة عهدهم ،وإلى تغير الظروف الحياتية إذ أخذ الناس في العصر المملوكي بالابتعاد عن التقشف ،وأخذوا يميلون إلى البهرجة والإسراف في الزينة ،ظهر ذلك في المباني الغارقة بالزينة في الداخل والخارج ،وتميزت العمارة بالقوة والمتانة، ورغم كثرة المباني لا نرى أبنية ضخمة شيدت وفق التخطيط التقليدي للمسجد الأموي ،سوى ثلاثة كمسجد تنكز ويلبغا ،فأكثر المباني من مساجد ومدارس وترب تتميز بصغر الحجم .
والصحن السماوي قد ألغي أو غطي بسقف ،وبشكل عام المباني المملوكية تتميز بباب مفتوح ضمن إيوان ،يليه دهليز يفضي إلى صحن صغير ،وقد تكون الأبنية مرتفعة عن مستوى الأرض ويصعد إليها بدرج ،ولذلك سميت بالمعلقة والهدف لإحداث مساحة للدكاكين .
أما من حيث الزخارف والزينة فحدث بلا حرج فقد جاءت متنوعة بالأشكال والألوان، وظهرت الطاقات العلوية والأقواس المفصصة تظهر كمجموعة كتب مرصوصة.
وظهرت القباب كشكل من أشكال التسقيف لا يخلو منه أي بناء،وكثر استخدام المآذن المتعددة الأشكال كالمربع والمضلع،وظهر التلوين في حجارة البناء الأسود والأبيض والأصفر والأحمر السماقي ،واستعمل الخشب المدهون بالأصبغة والرسوم، ولقد ظهرت الآثار المملوكية بوضوح كبير في مدينتي دمشق وحلب .
إخوتي... بعد أن تعرفنا على أهم ميزات الفن المعماري للعهد المملوكي نترك للقارئ فرصة التجول في مسجد سنجق دار الكائن في محلته المعروفة والمتاخم لساحة المرجة، ثم لا بد لنا من قراءة تاريخية وأنت تدخل وتشاهد أيها السائح المسلم لمسجدنا هذا :
جاء حكم المماليك بعد أن دب الضعف في الدولة الأيوبية وطمع الفرنج والمغول فيها, لكن المماليك وقفوا في وجههم واستمر حكمهم عدة ٌقرون بين 658 ـ و922 للهجرة .
فازدهرت الحركة العمرانية والفنون المعمارية، يشهد بذلك هذه الآثار ،وكانت ولاية دمشق في العصر المملوكي من أكبر الولايات وأهمها ،ويطلق عليها (نيابة الشام) وكان والي دمشق من أكبر الولاة ،يجري اختياره من كبار رجال الدولة ،وتولى دمشق اثنان وستون نائباً ،لا تطول مدة حكمهم على سنة أو سنتين باستثناء نفر قليل منهم .
وتقول المصادر: أن في موضع هذا المسجد كان هناك مسجد قديم وصغير يسمى الحشر، وعندما تولى الحكم أرغون شاه نائب السلطنة في دمشق هدم البناء القديم وبنى مكانه هذا المسجد في عام 750 وقُتل قبل اكتمال البناء ودفن فيه في عام 751 للهجرة .
وتأتي أهمية المسجد أثرياً وتاريخياً ،لأنه كان مركزا لانطلاق محمل الحج الشامي إلى الديار المقدسة, حيث أن القافلة تنطلق من مسجد أبي الدرداء في القلعة أولاً، يتقدمها السنجق الشريف ويؤتى به إلى جامع السنجق دار حيث يصلي وجهاء القوم في 23 من ربيع الأول صلاة العصر جماعة بإمامة أمير الحج تأسّياً بنائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون شاه الناصري حتى انقضاء صلاة المغرب،يأخذون من الجامع راية الحج الشامي والصرة السلطانية التي تم تجهيزها من الزيوت والشموع والمياه العطرية كماء الورد وماء الزهر المزّواي ،الموضوع داخل محمل الحج والتي تُرسَل إلى الحرمين الشريفين لغسل الكعبة المشرفة والحجرة النبوية بها .
ثم يُسار بالسنجق والمحمل إلى (السراي العسكرية المشيرية) مكان قصر العدل الحالي، ويتم وضعهما في القاعة وتتلى قصة المولد النبوي ثم يبدأ المسير ثاني يوم مع إطلاق المدافع ابتهاجاً بهذه المناسبة، والمحمل هو هودج في الأصل تركبه النساء أيام الأفراح والحروب عند العرب ،وأمام الهودج راية الحج السنجق وهو لواء أمير الحج الشامي .
وكلمة السنجق دار تركية الأصل وتعني: (حامل الراية) وهي مكونة من لفظين:( سنجق) ومعناه الرمح, وفي لغتهم: مصدر طعن، فعُبّر به عن الرمح الذي يطعن به .
والثاني: (دار) معناه ( ممسك السنجق ) والمراد هنا العلم، وهي الراية، أي (حامل الراية).
ونحن على أرض دمشق الحبيبة, ومن أمام هذا المسجد الذي يعود بالذاكرة إلى الوراء ويُخَيِّل إلينا كيف كانت دمشق القديمة محدودة المساحة داخل أسوارها القديمة، وعندما بدأ النشاط الاقتصادي والسكاني يزداد، ظهرت الأحياء خارج الأسوار القديمة ،وتوزع الأعداد الكبيرة للمساجد يعطينا فكرة عن هذا التوسع والمد العمراني المتصل بالأسوار القديمة ومسجد السنجقدار يشهد لنا بذلك، ويدعوك أيها القارئ والناظر بتأمل للعمل والاجتهاد لرسم وحفر معالم اسمك بما يسر ويحب رسول الله ،ولنكون دعاة فخر واعتزاز لنبينا المصطفى صلوات الله عليه .
فتاريخ هذا المسجد وغيره من مساجد دمشق، يحدثنا بالفخر والامتنان لمن عاش فوق أرضها وقام بإعمارها أحسن عمارة..أما الحب والرحمة والإنسانية,فقد كان عنوانك يا دمشق ،لذلك جاءت ألقابها متنوعة: تارة ( مدينة العلم والعلماء) وتارة ( مدينة المدارس) أو( مدينة المساجد ), وألقاب كثيرة أخرى....
هذا وقد كان ولازال هذا المسجد الجامع دارا وملتقى لأهل وطلبة العلم الديني، ولا ننسى لسنوات ليست بعيدة ،عندما وقف على التدريس في هذا المسجد حبيبنا الشهيد الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ،رحمه الله . لسنوات عدة، فعندما تمر من أمام المسجد ترى الازدحام الشديد في داخله، قد أجبر من لم يجد مكانا له في الداخل أن يجلس في الطريق وعلى الأرض مسرورا بسماع الدرس من أمير علماء هذا العصر ،وإذا مر بنا سائح أجنبي تساءل ما الخبر ؟
أجبناه هذه هي دمشق ولما العجب، فيها خيرة خلقه، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأله ابن حوالة: خر لي يا رسول الله، فقال: (( عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده )).
ما أجملك يا دمشق وما أروعك !
حفظك الله وحماك وسائر مدن المسلمين ..... آمين.
أما عن وصف المسجد فهو كالتالي:
له واجهة مملوكية مبنية بالحجارة الأبلقية التي ما زالت محافظة على أصالتها وجمالها مع بوابة الجامع المتقنة البناء، فهي مرتفعة ومعقودة بالمقرنصات، بها نوازل حجرية معجونة ومحفورة بعناية، وما يزال الباب يحمل ملامح الزينة المملوكية القديمة كما في معظم المساجد المملوكية .
جُدّد المسجد مرات عديدة ولكن بقي على الطراز المملوكي على الرغم من بعض التغييرات ،أما صحنه فصغير ومفروش بالحجارة السوداء والبيضاء والموزاييك .
أما قبة الجامع فهي قائمة على ثلاث قناطر ضخمة تقوم على أعمدة عالية، المنبر والمحراب حديثان.
وإلى يمين الداخل إلى المسجد قبة عالية فيها أربعة قبور :
الأول القبلي: قبر العباس بن مرداس الصحابي، والقبر التالي: لخفاف بن ندبه وله مع العباس أخبار، والثالث: روق بن دثار، أما القبر الرابع: لإحدى النساء الصالحات .
وتعد غرفة الأضرحة هذه من أقدم الترب الموجودة في دمشق، ولقد ذكر ت بعض المراجع أن سبب التسمية بالسنجقدار لوجود ضريح الصحابي: العباس بن مرداس حامل لواء الرسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، حيث قال ابن عساكر في تاريخ دمشق: بأن نبي الله جعل ثلاث رايات مع بنو سليم, فواحدة مع العباس والثانية مع خفاف بن ندبة والثالثة مع الحجاج بن علاط .
ومن هنا جاءت تسمية المسجد بحامل راية الرسول، أو بالسنجقدار، ولنا وقفة إنشاء الله أمام ترجمة هؤلاء الصحابة الكرام نتعرف عليهم وندعو الله عز وجل أن يرزقنا حبه وحسن إتباع حبيبه المصطفى صلوات الله عليه، كي نحظى برضاهما معاً لقوله تعالى (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله ))...
فلندعُ معاً أن يرزقنا الله عز وجل التوفيق وحسن المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.
و أترك للوصف التصويري المجال في التعبير عن روعة هذا المسجد القديم الجديد، القديم في أرضه والجديد بزواره جعلنا الله وإياكم ممن ينظرون ويتفكرون للعبرة والعظة. اللهم آمين .
المصادر والمراجع :
تاريخ دمشق /ابن عساكر
العمارة العربية الإسلامية /عبد القادر الريحاوي
دمشق تراثها ومعالمها / عبد القادر الريحاوي


تشغيل