مميز
الكاتب: الدكتور نور الدين المراد
التاريخ: 10/06/2014

الشيخ سعد الدين المراد

تراجم وأعلام

قبس من حياة فضيلة العلامة المربي

الشيخ سعد الدين المراد- رحمه الله تعالى-

بقلم ولده وتلميذه د/نورالدين سعدالدين المراد

مرسلة لنا من قبل الأخ مازن قنبر

اسمه ونسبه

هو فضيلة الشيخ سعد الدين بن الشيخ محمد سليم (الثاني) بن الشيخ محمد علي (الأول) بن الشيخ محمد سليم (الأول) المراد، الحسيني نسباً، الشافعي مذهباً، الحموي بلداً، رحمه الله تعالى.

و(آل المراد) أسرة عريقة، كانت ولا تزال ولله الحمد والمنة زاخرةً بالعلماء العاملين، وأهل الفضل والتزكية والإرشاد؛ فالعلم والأدب الرفيع والتواضع والعمل الصالح ديدن كل فرد من أفرادها.

ولادته ونشأته

ولد فضيلة الوالد الشيخ سعد الدين رحمه الله تعالى عام 1931م بمدينة حماة من أبوين صالحين نقيين تقيين بسيطين فقيرين، كلاهما من آل بيت النبوة، تربى في كنفهما التربية الصالحة، لأنه نشأ في بيت صلاح وتقوى وورع وتمسك بالشريعة علماً وعملاً؛ وقد وفقه الله تعالى لرسم معالم شخصية إسلامية فذة، وضع أهدافها في الحياة منذ صباه، تتمثل في تقوى الله تعالى وطاعته والدعوة إلى سبيله، فأفنى عمره في تحقيق تلك الأهداف السامية، وقد ساعده على ذلك ما آتاه الله تعالى من نفس تواقة إلى المعالي، فكان من أهل العناية الإلهية التي ظهرت عليه آثارها منذ نعومة أظفاره (وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) البقرة: ١٠٥.

نشأ رحمه الله تعالى على الرجولة والفتوة والقوة، فكان مولعاً بقدر كبير بركوب الخيل، فارساً من الطراز الرفيع، ماهراً بالسباحة، بارعاً بالرماية والجري السريع.

كان في شبابه رحمه الله تعالى معتمداً -بعد الله تعالى- على نفسه عصامياً، ففي كل صيف بعد الانتهاء من الدراسة كان يعمل في مهنة وصنعة مختلفة، لينفق على نفسه ما يحتاجه أثناء طلبه للعلم الشرعي.

طلبه للعلم الشرعي

التحق فضيلة الوالد رحمه الله تعالى بالكتاتيب في وقت مبكر من عمره؛ ففيها ابتدأ بتعلم القرآن الكريم والكتابة، ولما بلغ السابعة من العمر دخل المدرسة الابتدائية (دار العلم والتربية)، فتعلم فيها مبادئ العلوم الشرعية والعلمية، وتخرج منها عام 945 م حاملاً شهادة الدراسة الابتدائية التي كانت تسمى قديماً "السرتفيكا ".

ثم التحق بـ (معهد التجهيز الشرعي الهدائي) الذي أسسه العالم العامل الشهيد الفاضل الشيخ محمود الشقفة رحمه الله تعالى؛ ويسمى هذا المعهد (التكية)، فكان من طلاب الدفعة الأولى للمعهد، الذين بلغ عددهم عشرة طلاب فقط؛ وفي السنة الثانية نقص عددهم إلى خمسة طلاب، وفي السنة الثالثة نقص عددهم فلم يبق منهم إلا طالبان، وفي السنة الأخيرة لم يبق من الطلاب سوى فضيلة الوالد رحمه الله تعالى لوحده فرداً ينهل من كنوز العلم والمعرفة على شيوخ وعلماء هذا المعهد، حتى تخرج بتفوق، ومنح أول شهادة من هذا المعهد تمنح لطالب وحيد في دفعته عام 1949م.

ثم التحق بـ (معهد العلوم الشرعية) بمدينة حلب الشهباء، والذي يعرف باسم (الشعبانية)، ويطلق عليه أزهر سوريا لمكانته العلمية بعدما تحولت الخسروية إلى ثانوية شرعية؛ وكان التحاقه بالشعبانية عام 1950م، وقُبل في السنة الثالثة بعدما أُجري له اختبار ومقابلة لتحديد المستوى أمام لجنة من كبار العلماء والمشايخ في المعهد، كان يرأس لجنة الاختبار فضيلة الشيخ محمد أبو الخير زين العابدين رحمه الله تعالى، وقد استمر نجاحه وتفوقه بالمرتبة الأولى خلال السنوات الخمس التي درسها في المعهد إلى أن تخرج حاملاً الشهادة العالية في العلوم الشرعية سنة 1955 م.

ثم سافر رحمه الله تعالى إلى مصر ليلتحق بالأزهر الشريف، فلم يمكث غير شهرين ثم عاد مسرعاً؛ وذلك قبل ولوج مرحلة اختبار تحديد المستوى، لما هاله ما رأى من بيئة لم يعهدها، وأحزنه حال غير مرضٍ شرعاً لبعض مشايخ الأزهر خلاف ماتربى عليه، حيث كان في معاهد ومدارس بلاد الشام يأخذ علمه وأدبه عن علماء مربين، يحاسبون أنفسهم على النفس الواحد، يقفون عند حدود الشرع، يتحرون دقائق الورع، فضلاً عن اجتناب الشبهات، يستقي من نورهم كل ناظر ،. التأهيل المبكر في قيامه بالدعوة إلى الله تعالى أثناء طلبه العلم الشرعي في السنة الأولى بـ (معهد التجهيز الشرعي الهدائي) اعتلى المنبر لأول مرة ليخطب الجمعة في جامع الجديد، وهو جامع العائلة المرادية، حيث كان أفراد العائلة من العلماء وطلاب العلم يتعاقبون عليه منذ بنائه وتشييده في الإمامة والخطابة والتدريس، وكان رحمه الله تعالى في الثانية عشرة من عمره! أي لم يبلغ سن الاحتلام! فخطب وعم والده فضيلة الشيخ أحمد المراد رحمه الله تعالى صلى بالناس إماماً، وهذه الخطبة الوحيدة التي يخطب فيها بورقة مكتوبة، وبعدها لم يحمل ورقة في أي خطبة طيلة حياته، لأنه أصبح يخطب ارتجالاً؛ واستمر يخطب الجمعة تطوعاً منه في مساجد القرى التي حل بها أو دعي إليها أو أرسله مشايخه إليها، وكذلك في مساجد أحياء حماة التي يكلف فيها بالوكالة تدريساً وخطابةً .

ولما صار طالباً في الشعبانية كان له نشاط ملموس، تشهد عليه العديد من المنابر وحلقات الوعظ والتدريس، مما ترك أثراً طيباً في نفوس وقلوب كل من سمعه وحضر دروسه وخطبه من أهالي أحياء مدينة حلب الشهباء، وأكثر ما كان يخطب الجمعة في حيي (الكلاسة والأنصاري)، ويدرس في جامع أبو الرجا وجامع الحارة.

وقد التحق فضيلة الوالد رحمه الله تعالى عام 1956م بخدمة العلم (العسكرية الإلزامية)، وقد أمضى سنتين ميلاديتين وشهرين، ثم تسرح عام 1958م؛ ونال وسام الجندي المثالي، ووسام الوحدة بين مصر وسورية، ووسام النصر في حرب العدوان الثلاثي؛ ولم يمنعه ذلك من ممارسة نشاطه ومتابعة عمله في التوجيه والإمامة والتدريس والخطابة والوعظ في المعسكرات، ولم تكن هذه الظروف يوماً حائلاً دون الاستمرار في هذا الخط الذي رسمه لنفسه منذ بداية حياته الدراسية.

أنشطته العمرانية والتحسينية في المساجد والمعاهد

قام فضيلة الوالد رحمه الله تعالى بجملة من النشاط العمراني، وقد شمل ذلك المساجد التي تنقل فيها، والمعاهد الشرعية، ومساجد القرى التي طاف بها، فكان يدلي برأيه وخبرته للمسؤولين عليها لكي يوسعوا ويعدلوا فيها، ويسعى بتوجيه وحث أرباب الأموال ليدعموا تلك المشاريع؛ ويشهد له بذلك مسجد السلطان ومسجد باب البلد ومسجد الأحدب ومعهد التكية (معهد الروضة الهدائية الشرعي)، والمدرسة الشرعية للبنات.

نشر الدعوة إلى الله تعالى مع التوجيه والوعظ والإرشاد كانت بداية دعوته إلى الله تعالى في سكنه بمدينة حلب بحي الحلوية، وذلك عندما كان طالباً في الشعبانية، فكان يعظ الشباب ويوجههم، ويشحذ هممهم، ثم انطلق من مسجد شيخه رحمه الله تعالى في ساحة حمد إلى أحياء حلب، واستثمر إجازاته الصيفية برجوعه إلى مدينته حماه حيث اتخذ من جامع الجديد مركزاً له للوعظ والإرشاد، ثم استقر نشاطه في جامع الأحدب بعد أن أنهى دراسته؛ وأسس فيه حلقات علم وتعلم على طريقة الأزهر الشريف، وكذلك انطلق من جامع شيخه رحمه الله تعالى العادلية في حلب إلى المدن السورية البعيدة والقريبة ،واستمر بنشر الدعوة إلى الله تعالى إلى أن هاجر إلى المدينة المنورة.

هجرته إلى المدينة المنورة

كانت هجرته في المنتصف من شعبان سنة 1401هـ/1981م إلى مدينة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكث فيها ثمانية أشهر، ثم انتقل إلى مدينة جدة، حيث عرض عليه مسجد الهادي ليكون إماماً وخطيباً فيه، وقد وفقه الله تعالى لنشر العلم وبث آداب التربية والتزكية حتى تربى على يديه الكثير، وتخرج على يديه علماء من جميع الأعمار كباراً وشباباً وصغاراً، وأصبح ذلك المسجد موئلاً للعلم ومنارة للتوجيه والإرشاد وشعلة نور تشع بالخير والضياء، وهذا من عظيم فضل الله تعالى عليه . كان رحمه الله تعالى يقيم في مسجد الهادي درسا عاما بعد صلاة العصر، ودرسا آخر بعد صلاة المغرب، وحلقات علمية قبل وبعد صلاة العصر، وبين العشاءين، وبعد العشاء، وقبل صلاة الفجر، وبعد صلاة الفجر؛ هذا بالإضافة إلى دروسه خلال شهر رمضان المبارك، حيث يمتلئ المسجد فيها، كما يمتلئ المسجد مع الشارع المحيط به أثناء خطب الجمعة، كما أنشأ مركزاً لتحفيظ القرآن الكريم، وكانت له غرفة في المسجد تعج بطلاب العلم وغيرهم من المستفتين، والحمد لله تعالى.

وكان رحمه الله تعالى له نشاط مع العلماء في تداول القضايا والمستجدات المعاصرة التي تهم المسلمين، وأعمال خيرية كثيرة، وكان يحث على طلب العلم، ومساعدتهم مادياً ومعنوياً.

شيوخه وإجازاته شيوخه في الكتاتيب:

والده الشيخ محمد سليم المراد (الثاني)، وعم والده الشيخ حسن المراد، حيث درس على يديهما القرآن الكريم، وتعلم الكتابة على يد الشيخ حسن الشحمة الدندشي، رحمهم الله تعالى.

شيوخه في القرآن الكريم:

عمه الشيخ محمد ظافر المراد، الذي كان قد تأسس على يديه وهو صغير في قراءة القرآن الكريم وتلاوته فكان يسمع له ويحفظه رحمه الله تعالى؛ والشيخ أحمد الحامد الخياط، كان يقرأ القرآن الكريم عليه تلاوةً وحفظاً، والشيخ عبد الرحمن كف الغزال، كان يستظهر عليه حفظ القرآن الكريم، والشيخ قدور موسى الحلاق، كان من حفاظ القرآن الكريم المتقنين، فكان يستظهر عليه ما حفظه من القرآن الكريم أيضاً رحمهم الله تعالى .

وللعلم: فإن هؤلاء المشايخ الثلاثة (الشيخ أحمد الخياط - والشيخ عبد الرحمن كف الغزال - والشيخ قدور موسى الحلاق) رحمهم الله تعالى كانوا مكفوفي البصر.

من شيوخه في مدرسة دار العلم والتربية:

الشيخ عبد الحميد حمد، كان أستاذه في الصف الأول في الدروس الدينية واللغة العربية والخط؛ والشيخ محمود العثمان، كان مدرساً لجميع المواد الإسلامية في المرحلة الابتدائية، رحمهم الله تعالى.

شيخه في التربية والتزكية والإرشاد:

فضيلة الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى فريد عصره، وقد صحبه منذ أن كان في الشعبانية زميلاً له، وقد تربى على يديه، وأجازه في العلوم الشرعية والتربية والإرشاد من عدة أسانيد .

ومن شيوخه أيضاً: عم والده الشيخ أحمد المراد رحمه الله تعالى، حيث تعلم على يديه أحاديث الأربعين النووية قراءة وحفظاً وشرحاً، وكذلك عقيدة أهل السنة والجماعة في رسالة ( الجواهر الكلامية ) . - وشقيقه الكبير الشيخ محمد علي المراد (الثاني) رحمه الله تعالى حيث قرأ عليه قواعد الفقه، وقد أجازه بكل ما أجيز به، وبأن يجيز عنه، فأجازه بثبت الشيخ سليمان الأروادي الذي ضم الكثير والكثير من الأسانيد والعلوم الشرعية والتزكية، كما أجازه في الأذان الشريف متسلسلاً إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والشيخ محمود الأحمد الشقفة رحمه الله تعالى، حيث قرأ عليه واستفاد منه في الفقه الشافعي .

والشيخ زاكي الدندشي رحمه الله تعالى، فكان يحضر درسه الخاص في جامع الجديد في غرفة العائلة (المرادية) بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، وكان في حاشية ابن عابدين وفي النحو والصرف .

وفضيلة الشيخ محمد أحمد الهاشمي التلمساني رحمه الله تعالى من أكابر العلماء العاملين بدمشق، كان يحضر درسه بعد العصر في المسجد الأموي حيث كان له درس يقرأ فيه: (المرشد المعين) كتاب في الفقه المالكي، وفي بيته في حي المهاجرين حيث كانت تقام حلقات علم في العقيدة في كتاب (مفتاح الجنة) وفي التزكية كتاب (الفتوحات المكية) أو الإحياء، وقد لازمه سنتين خلال مدة عسكريته .

وفضيلة الشيخ محمد سعيد البرهاني رحمه الله تعالى، كان يحضر درسه في مسجده (التوبة) حيث كان يقيم فيه دروساً وحلقات علم شرعي مختلفة في جميع العلوم الشرعية بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب، وله إجازة منه في العلوم الشرعية والتزكية والإرشاد .

مؤلفاته

لم يكن لفضيلة الوالد رحمه الله تعالى من الفراغ ما يسمح له بالكتابة والتأليف، لانشغاله في التعليم والتوجيه والدعوة إلى الله تعالى، إلا أنه ألف بعض الآثار العلمية، عملاً وتيمناً بقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له » "رواه الإمام مسلم"، وأغلب تلك الأعمال كان من قبيل الرسائل والمختصرات اللطيفة الجامعة لكثير من الفوائد . ومن جملة تلك الآثار العلمية الطيبة :

* كتاب درر العلماء وزاد الأتقياء : وهي عبارة عن خطبه المنبرية التي ألقاها ارتجالاً في مسجد الهادي، وقد تناول فيها مواضيع مختلفة في الأحكام الشرعية والإيمانيات والمناسبات والسيرة النبوية، وهي عدة أجزاء، طبع منها ثلاثة أجزاء والباقي قيد الطباعة .

* عدد من الرسائل في التربية والتزكية والتوجيه والإرشاد .

* رسالة مختصرة في محاربة المواد المخدرة

. *عدد من المقالات في مجلة العشيرة المحمدية .

وفاته:

انتقل إلى جوار ربه وقت السحر ليلة الجمعة غرة 1/شعبان/1435هـ الموافق 30/5/2014م ،وقد صلي على جثمانه الطاهر بعد صلاة الجمعة في الحرم النبوي الشريف بالمدينة المنورة ودفن في البقيع الغرقد ،نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته وأن يعوض المسلمين خيراً. هذه لمحة مختصرة عن حياته نسأل الله تعالى أن ينفعنا به وبعلومه ويجعلنا قرة عين له إنه سميع مجيب الدعاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تحميل