مميز
التاريخ: 02/06/2014

الإجارة الموصوفة في الذمة بحث للعلامة البوطي

بحوث ودراسات

الإجارة الموصوفة في الذمة
العلامة الشهيد البوطي
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فإن ما يمكن أن يتعلق بالذمة من باب الإجارة، واحد من أركانها التالية:
الأجرة التي يلتزمها المستأجر للأجير أو المكتري للمكري.
الشخص الأجير.
الشيء المتمثل في عين مّا كالدواب والرِّباع والسيارات والسفن ونحوها.
وسأبين فيما يلي أثر تعلق هذه الأركان الثلاثة بالذمة مجتمعة أو متفرقة، وأوضح الأحكام المترتبة على ذلك بمشيئة الله وتوفيقه.
فأما الأجرة التي تترتب على المستأجر للأجير أو للمُكْري على المكتري، فلها حالتان:
إحداهما: أن تكون معينة محددة مرئية أثناء العقد.
الثانية: أن تكون مقررة بالوصف لها في ذمة المستأجر أو المكري([1]).
ففي الحالة الأولى يتعلق حق الأجير أو المكري بعينها المحددة المرئية غالباً. فإذا تلفت أو كانت معيبة، قبل أن يقبضها الأجير أو المكري، كان حكم الإجارة كحكم البيع عند تلف الثمن المعين أو ظهور عيب فيه قبل قبض البائع له، والفقهاء في ذلك بين من يرى انفساخ العقد ومن يرى ثبوت الخيار لمستحق الثمن، أي للبائع أو المؤجر([2]).
أما في الحالة الثانية، وهي تقرر الأجرة موصوفاً لها في الذمة، فإن العقد لا يلغى بتلف ما قد عينه الأجير أو المكري لنفسه من الأجرة التي ضبطها موصوفة في ذمة المستأجر أو المكتري كما لا يُلغَى العقد بظهور عيب فيه. بل يُلزَم كل منهما، أي المستأجِرُ للشخص أو المكتَرِي للمتاع، بالبدل المطابق للوصف المطلوب، ذلك لأن العقد لم يتعلق بما عِيبَ أو تلف، وإنما هو متعلق بما فرضه الأجير في ذمة المستأجر، أو المكري في ذمة المكتري من جنس الأجرة الموصوفة والمفروضة في ذمة كل منهما.
وفرق ما بين الحالتين أنّ تلف الثمن المعين المرئي أو ظهور عيب فيه، ينطوي على مخالفة للشرط الذي التزم به الطرفان في صلب العقد .. أما تلف الثمن أو الأجر الموصوف في الذمة، فليس فيه ما يخالف الشرط المتفق عليه. إذ الشرط ليس متعلقاً في هذه الحالة بعين ما حدده المشتري أو المستأجر للبائع أو الأجير، إبراءً لذمته، وإنما هو متعلق بالجنس الثابت في ذمة كل منهما. ومن الممكن أن تنطبق الصفات المطلوبة على أيٍّ من أفراد ذلك الجنس المستقر في الذمة.([3])
وهل يجب تعجيل الأجرة في هذه الحال أو التي قبلها، تخلصاً من حرمة بيع الدين بالدين؟..
الحكم في ذلك يتبع الحالات المتعلقة بالركنين الثاني والثالث في عقد الإيجار، وأثر تعلق كل منهما بالذمة، وسنتحدث في ذلك لاحقاً إن شاء الله.
* * *
وأما الشخص الأجير أو المستأجَر، فله هو الآخر حالتان:
الحالة الأولى: أن يتعلق العقد بالشخص ذاته، كأن يقول له: استأجرتك لتفعل كذا ..
والحالة الثانية: أن يتعلق العقد بذمة الشخص المستأجَر، كأن يقول له المستأجِرُ: استأجرتك لتحصّل لي خياطة هذا الثوب، أو إصلاح هذه الأرض، أو إقامة جسر فوقها، ومثل ذلك أن يقول له: استأجرتك لتلتزم لي بإنجاز كذا .. أو لتلتزم بنقل هذه القافلة إلى مكة في موسم الحج .. الخ.
وربما التبس بعض العبارات واحتملت أكثر من معنى، فتجاذبه الاحتمالان، والعبرة في هذه الحالة بالقصود .. فهي التي تزيل اللبس، وما يذكره كثير من الفقهاء من اختلافهم في دلالة بعض العبارات كلام لا طائل فيه، إذ هي كنايات غير قاطعة الدلالة، وإنما مآل الدلالة فيها إلى القصود المستكنة لا إلى ما تشير إليه الألفاظ.
ففي الحالة الأولى يسري العقد على الشيء أو الشخص المستأجَر حصراً، وتناط مسؤولية العمل بالشخص ذاته، وينحصر الإنجاز له بجهده الشخصي .. فلو استأجر الأجير من يقوم له بالعمل عنه، أو وكّل من يؤديه عنه، كان للمستأجِر الأول أن لا يقبل منه ذلك، وإن جاء العمل متفقاً مع المطلوب.
وإذا أنجز أجير الأجير، في هذه الحالة، العمل الذي طلبه منه الأجير، فإني لم أعثر في كلام الفقهاء على نص يتضمن حكم عمل الأجير الثاني. ولكن الذي تقتضيه القواعد أن يفسَّر عمل الأجير الثاني بالتبرع، إن كان عالماً بحال من استأجره لذلك، أما إن لم يكن على علم بالأمر، فإن له أن يعود على الشخص الذي استأجره للعمل الذي أنجزه بأجر المثل، إذ ذلك هو المآل عند فساد العقد، وينبغي أن يكون القرار على المستأجر الأول، لأنه هو المستفيد من العمل الذي تم.
أما إن كان الشخص الثاني الذي أنجز المطلوب وكيلاً، ولم يشترط لنفسه أجراً، فهو متبرع قولاً واحداً. فإن اشترط لنفسه أجراً كان حكمه كحكم الأجير في استحقاقه أجر المثل. يطالب الوكيل فيه موكله. ثم يكون القرار بالمطالبة، على الشخص المستفيد من ذلك العمل المطلوب. وهو المستأجر الأول.
وأما الزمن الذي ينبغي أن يبدأ منه حق استيفاء المنفعة بعقد الإيجار، فليس لهذه الحالة الأولى التي نتحدث عنها أثر في تحديده تعجلاً أو تأخيراً له. بل يجري فيه الخلاف الثابت بين الفقهاء، فالشافعية يرون وجوب اتصال استيفاء المنفعة بمجلس العقد. فلو استأجر شخصاً على عمل، واشترط أحدهما تأخير ابتداء العمل إلى شهر مثلاً، فسدت الإجارة. قال النووي في المنهاج: (ولا يجوز إجارة عين لمنفعة مستقبلة)([4]). وقال في تكملة المجموع: (وما عقد على منفعة معينة لا يجوز إلا حالّاًً، فإن كان على مدة لم يجز إلّا على مدة يتصل ابتداؤها بالعقد)([5]).
وذهب الجمهور من الحنفية والحنابلة وأكثر المالكية إلى جواز إضافة عقد الإيجار إلى المستقبل، كأن يقول: آجرتك داري بعد غد أو استأجرتك لبناء داري في الشهر القادم. وعلى هذا فلو باع المؤجر الدار بعد العقد وقبل التنفيذ، صح البيع وبطل عقد الإيجار، كما لو تلفت الدار. فلو عاد فاشتراها بعد البيع أو امتلكها بطريقة أخرى لا يعود العقد إلى النفاذ بعد بطلانه. ويرى الحنفية أن عقد الإجارة في هذه الحال، أي عندما يضاف تنفيذه إلى المستقبل يصبح عقداً جائزاً غير لازم([6]).
وأما في الحالة الثانية، وهي أن يتعلق عقد الإجارة بذمة الشخص المستأجَرِ، بأن يقول له المستأجِرُ: استأجرتك لتحصل لي خياطة هذا الثوب أو إصلاح هذه الأرض أو إقامة جسر فوقها أو لتلتزم لي بكذا .. فإن عقد الإجارة لا يتعلق بشخص الأجير أو المستأجَر، ولا ينحصر القيام بالعمل المطلوب منه في شخصه هو، بل يتعلق العقد حينئذ بذمته، فله إن شاء أن يمارس العمل المطلوب بنفسه، وله إن شاء أن يستأجر له من يراه أهلاً لإنجازه، أو أن يوكله بذلك. فإذا استأجر له شخصاً آخر، فهو ليس وكيلاً بذلك عن المستأجر الأول الذي آجره على العمل الذي أناطه بذمته، وإنما هو مستأجر له بالأصالة عن نفسه، فله أن يلتزم له بمثل الأجر الذي اتفق عليه مع المستأجر الأول، أو بأقل منه، أو بأكثر. على أن لا تتجاوز مدة هذا الاستئجار الثاني المدة التي تم التعاقد عليها مع المستأجر الأول.
وهل الإجارة الواردة على ذمة الشخص المستأجَر تتطلب وصفاً لما في ذمته؟
لعل التحقيق أنها لا تتطلب ذلك، ما دام عقد الإيجار منوطاً بالشخص وليس منوطاً بعين أو متاع ما، أي ما دام منوطاً بالشخص وليس بالمنفعة.
بل يكفي أن يقول المستأجِر ألزمت ذمتك بنقل قافلتي هذه إلى الحج. وتنطوي ذمته في هذه الحال على كل شخص يتأتى منه تنفيذ المطلوب، ومن ثم يجوز للأجير أن يكلف أو يوظف من شاء لأداء هذه المهمة. ما دام أهلاً لها.
أمّا وصفه لكيفية نقل القافلة ووصف وسيلة النقل وتحديد نوعها، فهو مطلوب، ولكنه شيء خارج عن ذمة الشخص التي هي مناط العقد، بل إن تحديد ذلك مطلوب في إجارة العين أيضاً، فلا بد في عقد الإجارة من وصف العمل المطلوب وتحديده سواء أكانت إجارة عين أو إجارة ذمة.
وهذا بخلاف الإيجار المتعلق بالمنفعة التي يبتغى تحصيلها من شيء ما كالدابة والسيارة، والأرض، والدار، وهو ما يعبّر عنها بالكراء. فما كان متعلقاً منه بالذمة لا بد فيه من الوصف، وسيحين الحديث عنه فيما بعد.
والفرق بين الإيجار المتعلق بذمة الشخص والمتعلق بالمنفعة الموصوفة في الذمة، يتجلى واضحاً في كلام الإمام النووي في المنهاج إذ يقول: (هي قسمان، واردة على عين كإجارة العقار ودابة وشخص معيّنين، وعلى الذمة كاستئجار دابة موصوفة في الذمة، وبأن يلزم ذمته خياطة أو بناء)([7]). أي فاستئجار الدابة في الذمة لا بدّ أن تخضع للوصف دون استئجار الشخص للالتزام بعمل ما. كما يتجلى هذا الفرق فيما يقرره شهاب الدين ابن النقيب في كتابه عمدة السالك قائلاً: (وهي على قسمين إجارة ذمة وإجارة عين، وإجارة الذمة أن يقول استأجرت منك دابة صفتها كذا، أو استأجرتك لتحصّل لي خياطة ثوب أو ركوبي إلى مكة .. ) وهو مقتضى كلام ابن رشد في بداية المجتهد([8]).
ثم إني رأيت كلاماً يخالف هذا الذي فهمته وقلته، لابن قدامة المقدسي في الشرح الكبير. يقول: (ولا بد أن يكون العمل المتعلق بالذمة مضبوطاً بصفات السلم، ليحصل العلم به. ويسمى الأجير فيها الأجير المشترك، مثل الخياط الذي يتقبل الخياطة جماعة)(6/72)
أقول: لم يتبيّن لي وجه سائغ لهذا الكلام. فالذمة في هذه الحالة التي نتحدث فيها هي ذمة الشخص المستأجَر، ولذا لم يتعلق العقد بشخصه عيناً، فساغ له أن يستعيض عن شخصه بمن شاء دون وصف ولا تقييد، وليست ذمة متعلقة بالعمل المطلوب.
ثم إنا إن اعتبرنا وصف العمل المطلوب من ذمة الشخص المستأجَر وصفاً واجباً بسبب أن العقد متعلق بالذمة، فإن هذا يقتضي أن لا يكون وصفه وتحديده واجباً عندما يكون العقد متعلقاً بعين الشخص المستأجَر لا بذمته، والتالي باطل بالاتفاق، فإن تحديد العمل المطلوب من الشخص وبيانه ووصفه، كل ذلك واجب في إجارة العين أيضاً .. إذ لا بد في استئجار شخص ما على عمل ما من بيان العمل ونوعه وضوابطه.. فلئن كان هذا ذاته هو المطلوب في إجارة الذمة، فقد استوى إيجار العين وإيجار الذمة، وزال الفرق الوحيد المعروف بينهما.
ثم إن هذا العقد أعم من أن يسمى الأجير فيه مشتركاً.....
لتحميل البحث في الملف أدناه

تحميل



تشغيل