مميز
التاريخ:

العارف بالله ذي النون المصري

أعيان الشام

ذي النون المصري
اتخذ من التقرب إلى الله منتهى رغبته، ومعقد أمله ومقصده، وغاية مراده ومنيته، وأقصى مرامه وبغيته، وأعلى ما تثب إليه روحه، ويسعى جسده. لم يكن زاهداً وعابداً عابراً فى تاريخ التصوّف ومسيرته، بل كان من أصحاب الأذواق والمواجيد وأرباب المعرفة والرأى والفقه.
تقلبت أحواله حتى اختلف عليه الناس. وتناثرت أخباره حتى تفرق بشأنه المؤرخون. واختلطت أقواله حتى ساح من تدبر سيرته فى ظنون لا نهاية لها، عن مسلكه ومصيره، وعن معتقداته وأفكاره وتقديره. ولم يسلم ميلاده ومماته من هذا التناثر والتضارب والاختلاط، فقيل إنه مات عن ستين عاماً، كذلك قيل إنه مات عن تسعين عاماً.
المنشأ والمسيرة
قال الذهبي في "السير": ذُوْ النُّوْنِ المِصْرِيُّ ثَوْبَانُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الزَّاهِدُ، شَيْخُ الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ
يُكْنَى: أَبَا الفَيْضِ. وَيُقَالُ: أَبَا الفَيَّاضِ.
وُلِدَ: فِي أَوَاخِرِ أَيَّامِ المَنْصُوْرِ، وقِيْلَ: إِنَّهُ مِنْ مَوَالِي قُرَيْشٍ، وَكَانَ أَبُوْهُ نُوْبِيّاً.
يصفه المناوى في (الكواكب الدرية) بأنه [العارف الناطق بالحقائق، الفائق للطرائق، ذو العبارات الوثيقة، والإشارات الدقيقة، والصفات الكاملة، والنفس العاملة، والهمم الجلية، والطريقة المرضية، والمحاسن الجزيلة المتبعة، والأفعال والأقوال التى لا تخشى منها تبعة، زهت به مصر وديارها، وأشـرق بنوره ليلها ونهارهـا].
وقال الدار قطنى عنه: {روى عن مالك أحاديث فيها نظر، وكان واعظاً}. ويصفه ابن يونس بأنه كان عالماً فصيحاً حكيماً. وقال السلمى فى {محن الصوفية}: ذو النون أول من تكلم ببلدته فى ترتيب الأحوال، ومقامات الأولياء، فأنكر عليه عبدالله بن عبدالحكم، وهجره علماء مصر، وشاع أنه أحدث علماً لم يتكلم فيه السلف، وهجروه حتى رموه بالزندقة}.
فَقَالَ أَخُوْهُ: إِنَّهُم يَقُوْلُوْنَ: إِنَّكَ زِنْدِيْقٌ، فَقَالَ:
وَمَا لِي سِوَى الإِطْرَاقِ وَالصَّمْتِ حِيْلَةٌ ... وَوَضْعِيَ كَفِّي تَحْتَ خَدِّي وَتَذْكَارِي
ويقال إن أمير مصر دعاه وسأله عن اعتقاده ، فتكلم، فرضى أمره، وطلبه الخليفة المتوكل، فلما سمع كلامه، وَلِعَ به وأحبَّه حباً جماً. وكان يقول: إذا ذكر الصالحون ، فحىَّ هلا بذى النون.
وتذكر المصادر التاريخية أن ذا النون زار بغداد مرة واحدة وقابل المتوكل ثم عاد إلى مصر حيث تُوفى يوم الاثنين الثانى من ذى القعدة سنة 246 هـ ، ومات المتوكل بعده بعام واحد.
ويروى عمرو بن السرح: {قلت لذى النون: كيف خلصت من المتوكل، وقد أمر بقتلك؟ قال: لما أوصلنى الغلام، قلت فى نفسى: يا من ليس فى البحار قطرات، ولا فى ديلج الرياح ديلجات، ولا فى الأرض خبيئات، ولا فى القلوب خطرات، إلا وهى عليك دليلات، ولك شاهدات، وبربوبيتك معترفات، وفى قدرتك متحيرات، فبالقدرة التى تُجيرُ بها من فى الأرضين والسماوات إلا صليت على محمد وعلى آل محمد، وأخذت قلبه عنى، فقام المتوكل يخطو حتى اعتنقنى، ثم قال: أتعبناك يا أبا الفيض}.
وقال عنه الذهبى بترجمته فى كتاب سير أعلام النبلاء: {ذو النون المصرى الزاهد شيخ الديار المصرية... هو من روى عن مالك والليث وابن لهيعة وفضيل بن عياض وسلم الخواص وسفيان بن عيينة وطائفة}.
وكانت لذى النون مهارة فى علم الكيمياء وصناعتها، يقال إنه تعلمها من الكيميائى العربى الشهير جابر بن حيان، وبرع فى فنون التنجيم وفك الطلاسم. وكان من المنشغلين بحل رموز ورق البردى فى إخميم، التى كانت حافلة بالرسوم القبطية القديمة. وقد تمكن بالفعل من حل كثير من رموزها ونقوشها، فصارت معلومة للناس بعد جهل، وواضحة بعد غموض.
طريق الهداية
وثمة من يؤكد أن توبة الرجل جاءت خلال أدائه فريضة الحج. لكن ثمة من يؤكد أيضاً أن تلك التوبة كانت على يد شقران المغربى العابد، وهو شخصية قوية أثرت تأثيراً كبيراً فى تلميذه.
وكان ذو النون يقول دوماً: {إن لله عباداً خرجوا إليه بإخلاصهم، وشمروا إليه بنظافة أسرارهم، فأقاموا على صفاء المعاملة، وبادروا إلى استماع كلامه بحضور أفهامهم، فعند ذلك نظر إليهم بعين الملاحظة فأجزل لهم المواهب، وحفت لهم منه العطايا، فشموا روائح القرب من قربه، وهبت عليهم رياح اللقاء من تحت عرشه، فتطايرت أرواح قلوبهم إلى ذلك الروح العظيم، ثم نادت لا براح} .
وقال: ألا خل خدوم؟ ألا صديق يدوم؟ ألا حليف وداد؟ ألا صحيح اعتقاد؟
أين من استراح قلبه بحب الله؟ أين من ظهر على جوارحه نور خدمة الله؟
أين من عرف الطريق؟ أين من نظر بالتحقيق؟ أين من سقى فباح؟ أين من بكى وناح؟
أولئك تحف بهم الملائكة بالليل والنهار، وتسلم عليهم الحيتان من البحار.
رؤيته الصوفيّة
كان ذو النون يؤمن بأن {القرآن كلام الله غير مخلوق} ويرى أن الله تعالى لا يمكن أن يتصوره أحد مهما أطلق لخياله العنان، إذ يقول: {مهما تصور فى وهمك، فالله بخلاف ذلك}. وكان ذو النون يرى أن الاستغفار يجمع معانى عدة هى:
الندم على ما مضى، والعزم على الترك، وأداء ما ضيعت من فرض، ورد المظالم فى الأموال والأعراض والمصالحة عليها، وإذابة كل لحم ودم نبت على الحرام، وإذاقة ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية.
ومن يطالع أقوال ذى النون فى المعرفة اللدنية والمحبة الإلهية والفناء يدرك تماماً أن الرجل ترك علامة قوية فى تاريخ التصوف برمته، وهام ذو النون عشقاً فى ربه، وعبر عن هذا شعراً فى نظمه:
أطلبوا لأنفسكــم مثلما وجدت أنـا
قد وجدت لى سكناً ليس فى هواه عنا
إن بعدت قربنى أو قربت منه دنا
وقد سئل ذو النون ذات يوم: بم عرفت ربك؟ فقال: {عرفت ربى بربى، ولولا ربى ما عرفت ربى}. وكانت المعرفة لديه هى يقين يناله الإنسان بثلاثة أمور ترتبط جميعها بالذات الإلهية، أولها: النظر فى الأمور كيف دبرها، وفى المقادير كيف قدرها، وفى الخلائق كيف خلقها.
ومفتاح العبادة لدى ذى النون هو الفكرة، وآية الوصول مخالفة النفس والهوى، ومخالفتها فى ترك الأمانى، وإن كل من داوم على التفكير يرى علم الروح فى قلبه. ولذا كان ينصح دائماً كل من يسعى إليه بقوله: {لا تصحب مع الله تعالى إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة، ولا مع النفس إلا بالمخالفة، ولا مع الشيطان إلا بالعداوة}.
وكان ذو النون متعمقاً فى إخلاصه، متحرياً للصدق فى عبادته، لا يظهر خيراً ولا يضمر شراً، متكتماً على أحواله وأعماله. وهنا يقول ثلاثاً من علامات الإخلاص: استواء الذم والمدح من العامة، ونسيان رؤية الأعمال فى الأعمال، وترك اقتضاء ثواب العمل فى الآخرة.
ولم يكن الإخلاص لدى ذى النون منفصلاً عن الخوف والمراقبة واليقين والتوكل والحياء والصدق والذكر، وكلها من مقامات المتصوفة وأحوالهم. فها هو يقول عن الأول: {الناس على الطريق، ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف، ضلوا عن الطريق}. وسئل ذات مرة: متى يتيسر على العبد سبيل الخوف؟ فقال: {إذا أنزل نفسه منزلة السقيم يحتمى من كل شىء مخافة طول السقام}. أما المراقبة فإن علامتها ودليل تحققها لديه هما {إيثار ما آثر الله تعالى، وتعظيم ما عظم الله تعالى، وتصغير ما صغر}
وفى ما يخص اليقين يرى ذو النون أن ثمة {ثلاثة من أعلام اليقين: قلة مخالطة الناس فى العشرة، وترك المدح فى العطية، والتنزه عن ذمهم عند المنع. وثلاثة من أعلام يقين اليقين: النظر إلى الله تعالى فى كل شىء، والرجوع إليه فى كل أمر، والاستعانة به فى كل حال}. ويرى ذو النون أن الحياء هو {وجود الهيبة فى القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك تعالى}. ويؤمن بأن الصدق هو {سيف الله، ما وضع على شىء إلا قطعه}. وأخيراً كان يرى أن {من ذكر الله ذكراً على الحقيقة نسى فى جنب ذكره كل شىء، وحفظ الله تعالى عليه كل شىء وكان له عوضاً عن كل شىء}.
ويروى حيان بن أحمد السهمى أن ذا النون مات فى الجيزة، وعبروا بجثمانه إلى مصر المحروسة فى مركب خوفاً من زحمة الناس على الجسر، لليلتين خلتا من ذى القعدة سنة ست وأربعين ومائتين وقال آخر: مات سنة ثمان وأربعين، وهذا اختلاف بسيط قياساً إلى الخلاف والجدل حول أفكار ذى النون ومواجيده وارتباطاته وتاريخه المتفرق على كتب قليلة.
المصدر: من موقع المصري اليوم - عمار علي حسن "بتصرف"


تشغيل