مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 18/05/2014

الحرية السياسية

مقالات

الحرية السياسية
الإمام الشهيد البوطي
إن ما قلناه عن الحرية الخارجية أي مدى ما يملكه الإنسنان من حرية في علاقته الإجتماعية كما رأيناه في إنطباقه على حرية العمل لدى المرأه سنجده ينطبق هو ذاته على الأنشطة الساسية التي بوسع المرأة تمارسها.
إننا إن استثنينا رئاسة الدولة التي كثيراً ما يعبر عنها بالخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن سائر الرتب والإنشطة السياسة الأخرى، تعد في الشريعة الإسلامية، مجالات متسعة لكل من الرجل والمرأة.
ولكن فلنبدأ ببيان موقف الشريعة الإسلامية من إسناد رئاسة الدولة إلى المرأة، وبيان الحكمة من ذلك.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري وأحمد والترمذي والنسائي من حديث أبي بكرة: (لن بفلح قوم ولو أمرهم أمرأة) ومن المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك عندما هلك شيروية، أحد ملوك الفرس وتولت الملك من بعده ابنته بوران.
وقد استدل جمهرة علماء الشريعة الإسلامية بهذا الحديث الصحيح على حرمة اسناد مهام الخلافة أو ما يسمى اليوم برئاسة الدولة إلى المرأة أياً كانت، وعلى أن البيعة لا تنعقد لها شرعاً.
ولكن ما الحكمة من هذا الحجر الذي جاء خاصاً، وبموجب نصاً صريحاً برئاسة الدولة.
الحكمة أن قسماً كبيراً من المهام التي يقوم بها الخليفة أو من يحل محله، دينيةٌ محضة، وليست سياسة مجردة، فمن مهام الخليفة جمع الناس على صلاة الجمعة وخطبتها.
وهي مهمة دينيةٌ محضة كما هو واضح ومن المعلوم أن المرأة غير مكلفة بصلاة الجمعة ولا بالحضور لها للأسباب التي سبق ذكرها.
فكيف تقود الناس وتشرف عليهم في عمل هي غير مطالبة به!...
فإن قلنا: فلتنب عنها من يقوم بهذا الواجب من الرجال، أشكلت على ذلك القاعدة الفقهية القائلة بأنه لا تصح الوكالة إلا عمن يستوي مع الوكيل في المطالبة بذلك الحكم وشرائط صحته وانعقاده.
ومن مهام الخليفة إعلان حالة الحرب مع من اقتضى الأمر محاربته وقتاله وقيادة الجيش في عمليات القتال. ومن المعلوم أن المرأة غير مكلفة بالجهاد القتالي إلا عند النفير العام، أي عند مداهمة العدو دار الإسلام واقتحامه لأراضي المسلمين، فكيف يستقيم منها أن تقود الناس في عملياتٍ هي غير مكلفة بها .
ومثل ذلك إعلان الهدنة والصلح ونحو ذلك .. مما يعد نتائج وفروعاً عن حالة الحرب والإعلان عنها. ومن المعلوم أ، الذي لا يكلف بأصل الشيء ومصدره، لا يكلف بشيء من فروعه وأثاره.
ومن مهام الخليفة الخروج بالناس إلى صلاة العيد، وإلى الاستسقاء، وإلقاء الخطبة المتعلقة بالصلاتين. والمرأة قد لا تكون في وضع يخولها القيام بهذه المهام ونحوها ، مما هو كثير.
فاقتضى ذلك أن لا تزج المرأة في هذه المحرجات دون ما ضرورة تستدعي ذلك والواقع إنه ليس ثمة ضرورة تقتضي تحمل المرأة هذه المحرجات.
وبقطع النظر عن هذا السبب الذي يتلخص في أن كثيراً من مهام الخلافة أو ما يقوم مقامها من رئاسة الدولة من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، مهامّ دينية مجردة، فإن الواقع التاريخي منذ أقدم عصور الحضارة الإنسانية، كان ولا يزال متفقاً مع هذا الذي قررته الشريعة الإسلامية.
تأمل في أسماء من نصبوا ملوكاً أو رؤساء لدولهم، منذ أقدم العصور إلى هذا اليوم، خارج المجتمعات الإسلامية، نجد أن غالبيتهم العظمى كانوا رجالاً، بل إنك لا تكاد تعثر على أسماء نساء تولين رئاسة الدولة أو الملك، أكثر من عدد أصابع اليدين.
ولا شك أن هذا يدلّ دلالة واضحة على أن تلك المجتمعات مقتنعة، رجالاً ونساءً، بما قد قضى به الإسلام. وإلا فلماذا لم ترتفع نسبة الرؤساء والملوك من ذوي السلطة الحاكمة، من النساء، إلى النصف، أو إلى الربع أو إلى عشر أمثالهن من الرجال طوال هذه الأحقاب المنصرمة كلها؟ لماذا لم نسمع عن امرأة تولت الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية منذ فجر ولادة هذه الدولة إلى اليوم؟ بل لماذا لم نسمع عن أي امرأة رشحت نفسها للرئاسة؟ وهي الدولة التي تهيب بالنساء في العالم العربي والإسلامي أن يكافحن لنيل هذا الحق!!.
فإذا تجاوزنا مهمة الخلافة أو رئاسة، إلى الوظائف والمهام السياسية الأخرى، فإننا لا نكاد نجد مدخلاً لخصوصية الذكورة والأنوثة في الأمر.
ولنستعرض هذه الوظائف والمهام، متدرجين من الأدنى إلى الأعلى.
أولى هذه المهام وأدناها، مبايعة الحاكم، وتدخل في حكمها مبايعة من يختارون ممثلين عن الأمة أو الشعب في مجالس الشورى. إن من المعلوم أن الرئيس أو الخليفة تتوقف رئاسته الشرعية عن طريق الغلبة والقهر، فإن البيعة عندئذ تصبح مجرد واجب مستقر في أعناق الناس، وتسقط أهميتها أو قيمتها في استقرار الحكم للشخص المبايَع له.
ومن المعلوم أن هذه البيعة عمل سياسي لا واجب ديني. إذ إن الذين دخلوا الإسلام يوم فتح مكة، إنما أصبحوا مسلمين بإعلانهم عن استسلامهم الاعتقادي والسلوكي لأركان الإسلام، ولم تكن مبايعتهم لرسول الله شرطاً لابد منه لصحة إسلامهم. ومع ذلك فقد هُرعوا إلى مبايعته صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم. فما هو وجه الحاجة التي دعت إليها؟.
إن وجه الحاجة، ضرورة الإعلان عن الإنقياد للسلطة السياسية التي يتمتع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومما لا شك فيه أنه صلى الله عليه وسلم يتمتع –بعد هجرته إلى المدينة واستقراره فيها وتحولها إلى أول دار إسلام- بشخصية النبي المرسل والمبلغ عن الله عز وجل، وبشخصية الإمام الراعي لمصالح الأمة. فعلاقة المسلم برسول الله نبياً مبلغاً عن الله تقوم على نهجها السوي بإسلامه وإيمانه.. أما علاقته به إماماً وقائداً للأمة، فإنما تقوم على نهجها السليم بمايعته على السمع والطاعة في المنشط والمكره بوصف كونه إماماً وقائداً للمسلمين.
إذن فبيعة أفراد الأمة أو الشعب لرئيس الدولة، أداء لمهمة سياسية يُلزِمُ بها الدين، بدءاً من المبايعة التي تمت لرسول الله يوم الفتح، ومروراً لمهمة بمايعة سائر الخلفاء والحكام من بعده إلى يومنا هذا.
هذه المبايعة السياسية التي يأمر بها الدين، يستوي في المطالبة والتكليف بها الرجال والنساء معاً، دون أي فرق.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبايع النساء بالكلام، أي بدون مصافحة. وقد فصل كل من ابن هشام في سيرته والطبري في تاريخة القول في مبايعته صلى الله عليه وسلم للنساء يوم فتح مكة.
إذا تبين هذا، فإن القول ذاته يرد في مبايعة، أو انتخاب المرأة لأعضاء مجلس الشورى ذلك لأن مناط الحكم ومصدره واحد في الحالتين. صحيح أن مجلس الشورى لم يكن يُعَيَّن فيما مضى، عن طريق الانتخاب أو المبايعة، وإنما عن طريق اختيار الدولة لمن يُسمًّون بأهل الحل والعقد، ولكن لما أحالت الدولة حق الاختيار هذا إلى الشعب –وهذا سائغ ومبرر شرعاً- كان لابد أن يستوي في ذلك الرجال والنساء، بمقتضى حق الإحالة التي منحته الدولة، وبمقتضى الحق الشرعي الذي منحه الشارع لهما فيما هو أخطر وأهم ألا وهو حق اختيار الإمام ومبايعته.
* * *
ثاني هذه المهام، الاشتراك في عضوية مجالس الشورى، على اختلاف أنواعها ومراتبها.
وبقطع النظر عن الأشكال والأساليب التي تطورت إليها هذه المجالس، بل التي يمكن أن تتطور إليها أيضاً في المستقبل، فإن مبدأ اعتماد الدولة على الشورى، في كل ما تصدر عنه من قرارات وأحكام اجتهادية لا نصّ يلزم بها، واجب شرعي يدخل في جوهر الدين وأسسه الراسخة. وكلنا قرأ ووعى في ذلك قول الله عز وجل خطاباً لرسوله بوصفه الإمام الأول لهذه الأمة:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}آل عمران159.
وكلنا قرأ ووعى بعد ذلك قوله عز وجل، وهو يصف سلسلة المجتمعات الإسلامية السائرة على نهج الرعيل الأول، وانضباطها بأوامر الله وهديه:
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}الشورى38 فهذا الواجب الذي كلف الله به إمام الأمة أو رئيس الدولة، جعله الله في الوقت ذاته حقاً ثابتاً من حقوق الأمة. أي فهو واجب تكلَّفُ بتنفيذه الدولة، وحق تتقاضاه الأمة.
ونظراً إلى أن الأمة، أو الرعية، أو الشعب على حدّ العبارة الدارجة، تتألف دائماً من شطري الرجال والنساء، فإن حق الشورى مستقر بحكم الله وشرعته لهذين الشطرين من النساء والرجال.
وقد جرى تطبيق هذا الحكم في عصر النبوة بأجلى صوره التي لم تدع مجالاً لأي خلاف فيه.
فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل يوم صلح الحديبية على أم سلمة يشكو إليها أنه أمر أصحابه بنحر هداياهم وحلق رؤوسهم فوجموا ولم يفعلوا. فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك؟.. اخرج ولا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدنَك وتدعوَ حالقك فيحلقك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل ما قالته أم سلمة.
ولعمري إن رسول الله صلى لفي غنى، بما وهبه الله من حنكة وحكمة في القول والعمل، عن أن يستشير أم سلمة. ولكنه، كما ذكر الحسن البصري وغيره، أحب أن يقتدي به الناس في ذلك، وأن لا يشعر أحد منهم بمعرّة في مشاورة امرأة قد يرى نفسه أكثر منها علماً وأنفذ بصيرة وفهماً.
وقد كان الصاحبة يستشيرون النساء، وكان في مقدمة من يفعل ذلك عمر رضي الله عنه.
المصدر: كتاب المرآة .

تحميل



تشغيل