مميز
التاريخ:

التاج السبكي للباحثة نبيلة القوصي

أعيان الشام

التاج السبكي
"معيد النعم ومزيل النقم"
(المتوفى:727-771ھ)
الباحثة : نبيلة القوصي
(الإمام تاج الدين السبكي لم يكن عالماً جليلاً وحسب، بل كان قاضياً عدلاً، وحاكماً سمحاً، شغل منصب قاضي القضاة،... وأشرف على المدارس والعلماء، وعلى المحاكم والحسبة والقضاء،... فبنى بذلك نظريته التربوية على أساس متين، من إخلاص شكر النعم لرب العالمين، وجعل لكل نعمة شكرا يقوم على تسخيرها لخدمة الأنام، فبين الهدف من كل وظيفة وحرفه، وحذر من سوء استخدام النعمة، حتى لا تنقلب إلى نقمة..).
الأستاذ عبد الرحمن النحلاوي- المبادئ التربوية عند التاج السبكي
فمن هو التاج السبكي؟
وهل عرفنا ما هي اتجاهاته التربوية التي لفتت أنظار المستشرقين، فأخذوا بها وعملوا على استخلاصها من كتابه الشهير(معيد النعم ومزيل النقم).؟
يسرنا أيها الأخوة القراء من خلال زاوية معالم وأعيان أن نقوم برحلة روحية ومعرفية، تسهم في رقي النفس والروح معاً، فقط إذا توفرت النية لذلك، فهل نحن مستعدون للقراءة التأملية للعبرة والعظة؟
اسمه ونسبه:
هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر: قاضي القضاة في الديار الشامية، فهو ابن قاضي القضاة تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام الأنصاري الخزرجي الشافعي شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفاظ المفسرين المناظرين، وكانت له كتب ومؤلفات: (إحياء النفوس في صنعة إلقاء الدروس) و(الابتهاج في شرح المنهاج) في الفقه وكتب كثيرة ما تزال مخطوطه في الرباط والقاهرة..
لقد تعلق تاج الدين بكتب أبيه تعلق التلميذ بأستاذه، وتعلق المريد بشيخه، فكانت أسرته المؤسسة التربوية العلمية العملية الأولى في حياته، مما ساهم في بناء شخصيته المميزة عن أٌقرانه، كبر وترعرع منذ الصغر في جو يجمع بين العلم والدين والتطبيق، فـ (قال الله وقال رسول الله) متلازمان بالعمل والخلق النبوي الرفيع، رحمه الله.
ولد تاج الدين السبكي في سنة 727 في القاهرة ويرجع اسم الأسرة (السبكي)نسبة إلى (سبك) من أعمال المنوفية بمصر، قدم إلى دمشق مع والده عندما تولى منصب قاضي القضاة في الشام في عام 739 حيث كان في الثانية عشر من عمره.
شيوخه:
تلقى تاج الدين العلم عن أبيه، و عن غيره من أكبر علماء مصر، فعاش منذ الصغر في كنف أب يجمع بين العلم والقضاء والسلطان والإفتاء.
ثم أخذ العلم عن شيوخ ومحدثي بلاد الشام،كالذهبي والمزي وتفقه في الفقه الشافعي على شيخ المدرسة الشامية محمد بن أبي بكر الشهير بابن النقيب، الذي ما لبث أن لمس ذكاء ونباهة تاج الدين فأجازه للفتيا وهو في العشرين من عمره.
وقال ابن حجر العسقلاني في الدرر: أجاز له: ابن الشحنة ويونس الدبوسي،وعندما قدم دمشق سمع من: زينب بنت الكمال وابن اليسر وغيرهما ،وقرأ بنفسه على المزي ولازم الذهبي.
وظائفه ونشاطه الاجتماعي:
ولي وظيفة التدريس في أكبر مدارس دمشق العريقة: العزيزيه، العادلية الكبرى، الغزاليه، العذراوية، الشاميتين، ومشيخة دار الحديث الأشرفيه، والناصرية والأميزيه والشيخونيه والميعاد بالجامع الطولوني بمصر.وغيرها من المدارس التي تشهد له بسعة علمه وفصاحة لسانه مع خلق نبوي رفيع. رحمه الله.
وفي عام 756 عندما أحس والده بضعف السنين والعمر، نزل لابنه عن قضاء الشام مدة طويلة، وتولى توقيع الدست عن نائب الشام أمير علي المارد يني، وهي وظيفة جليلة حيث معروضات أو عرائض يتقدم بها أصحاب الحقوق إلى نائب الشام، ثم تولى بعدها نيابة الحكم عن أبيه قاضي قضاة، فجمع بين الوظيفتين.
أقوال العلماء فيه:
قال ابن كثير: (جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله،وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبله).
وأثنى عليه الذهبي كثيرا.
وقال الحافظ شهاب الدين بن حججي: (خرج له ابن سعد (مشيخة) ومات قبل تكميلها، وحصّل فنونا من العلم في الفقه والأصول، وكان ماهرا فيه، والحديث والأدب، وبرع وشارك في العربية، حيث كان له يد في النظم والنثر، وطلاقة لسان وجرأة جنان، وذكاء مفرط، وذهن وقّاد، صنف تصانيف عده في فنون على صغر سنه وكثرة أشغاله قرئت عليه وانتشرت في حياته وبعد موته.
وقال: انتهت إليه رئاسة القضاء والمناصب بالشام، وحصلت له محنه بسبب القضاء وأوذي فصبر وسجن فثبت، وعقدت له مجالس فأبان عن شجاعة وأفحم خصومه مع تواطئهم عليه، ثم عاد إلى مرتبته وعفا وصفح عن من أساء له، فكان سيداً، جواداً، كريماً مهيباً، تخضع له أرباب المناصب من القضاة وغيرهم . رحمه الله .
مؤلفاته و تصانيفه :
جمع تاج الدين بين علوم مختلفة وواسعة، مع خبرة أصيلة في التدريس أكتسبها منذ الصغر في أكبر المدارس، مع معرفة بأساليب الحكم، فترك مؤلفات وآثاراً جداً نافعة، ومن أهم تلك المصنفات:
(شرح مختصر ابن الحاجب)، (شرح منهاج البيضاوي)، (القواعد المشتملة على الأشباه والنظائر)، (طبقات الفقهاء الكبرى)، (جمع الجوامع)، وشرحه بشرح سماه (منع الموانع) وغير ذلك من المؤلفات الكثيرة التي تشهد له بسعة أفقه العلمي والتربوي، التي تدل عليه: تلميذاً، مدرّساً، مفتياً، عالماً قاضياً، حاكماً وأمين الحسبة.
وكتاب (معيد النعم ومزيل النقم) الذي لفت أنظار الغرب إليه فقاموا بترجمته ووضعوا له مقدمه أشادوا بالمؤلف والبيت السبكي، أمثال: بروكلمان، والمستشرق السويدي مهرمن وغيرهم.
ولنتساءل هنا أيها الإخوة الكرام عن موضوع هذا الكتاب: (معيد النعم ومبيد النقم).
عُرف هذا الكتاب بالتربوي والاجتماعي الأخلاقي، فهو يحث على الأخلاق الحميدة في كل مجالات الحياة، فيدعو لإصلاح النفوس بالتدريج، يبدأ بإيقاظ الضمير أو قل بتحفيز النفس للاعتراف بالذنب، وهذا أول طريق العلاج, فيقول في المقدمة:
(وأنا أرجو أن من كانت عنده نعمة لله تعالى في دينه أو دنياه وزالت، فنظر هذا الكتاب نظر معتقد، وفهمه، وعمل بما تضمنه بعد الاعتقاد، عادت إليه تلك النعمة أو خير منها، وزال همه بأجمعه، وانقلب فرحا مسرورا) ويخاطب سائله قائلا ( الأمر الأول أن تعلم من أين أتيت....) وهنا يدفع الشاكي له هما وحزنا إلى معرفة عيوبه بنفسه.
إخوتي القراء، نحتاج في أيامنا هذه إلى تفعيل هذه الطريقة الإصلاحية الذاتية، فهناك كم من الأفراد ينكر النعم ويكفر بها لكبر نفسه الأمارة بالسوء والتي علقت صاحبها بمقولة هذه شجاعة وقوة شخصية، مع العلم أن أول درجة من هذه الشجاعة تقاس بالصدق الذي مارسه هذا الإنسان مع نفسه، ولذلك يدفع التاج السبكي الفرد لعملية الإصلاح الذاتي للاعتراف ومواجهة عيبه بنفسه، ما رأيك أيها القراء؟
ولنقرأ معا ملخص طريقته التربوية والتي تأخذ الطابع الحواري، فأهم مبادئ ودعائم هذه الطريقة:
1- أن كفران انعم وسوء استخدامها وعلى غير ما يريد الشرع، هذا سيؤدي لفقدانها وزوالها فعلى جميع أفراد المجتمع باختلاف مهنهم وأعمالهم، يجب استعمال النعمة التي رزقهم الله إياها بالخير له ولغيره ،لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
2- أن الشكر كفيل ببقاء النعمة واستمرارها وزيادتها لقوله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم).
فقال السبكي: (اعلم أنها لم تزل عنك إلا لإخلالك بالقيام بما يجب عليك من حقوقها وهو الشكر، فإن كل نعمة لاتشكر جديرة بالزوال، ومن كلامهم: النعمة إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرت).
وقد عرض السبكي طريقته الإصلاحية بالسؤال والجواب، مفترضا أن السائل يسأل ثم الجواب يأتي إيضاحا لأمر غامض كقوله: (فإن قلت فما الشكر؟ قلت ... الشكر يكون بالقلب واللسان والأفعال هذه أركانه الثلاثة) ثم فصل في القول لكل ركن، وقد رتبه كالآتي: الشكر بالقلب والاعتقاد، الشكر باللسان، الشكر بالأفعال، وهو بذلك يقوم بتربية الجوارح والغرائز، ويدربها للرقي والترفع عن سوء الأخلاق، والانطلاق نحو الخلق الذي يقربه من مرضاة الله .
وما أكثر المسيئين اليوم إلى نعم كثيرة هي بين أيديهم، رزقهم إياها الله عز وجل فانشغلوا عن الشكر واستخدام هذه النعمة بالخير عليه وعلى من حوله، بالجدل والحوار العقيم مع نفسه أولا، فالحوار الإيجابي الذي يستخدم يجب أن يكون بصدق مع الله الواحد الأحد في القلب، فهو الرب والمربي لأحسن الخلق، فالرجوع إلى الله باستمرار مع اعتراف له بصدق بالتوبة يعد من أرقى أنواع الحوار ويسمى إنابة .
وهذا الكلام يوصلنا إلى قوله تعالى : (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
رحم الله التاج السبكي الذي كان للسلف الصالح خير خلف، ترك مؤلفات وكتب تحكي سيرة إنسان عاش على أرض دمشق الحبيبة، فكان خيرا لها حيث دخل قي أجواء قدسية حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : ولد صالح يدعو له، علم ينتفع به، صدقة جارية).
فمن منا يلحظ ويعمل لهذا النداء النبوي الذي يدعو إليه رسول الله؟
وهاهي الصفحة الأخيرة من سيرة الإمام السبكي الذي جعلنا نعيش للحظات مع الروعة والحبور النفسي بين أسطر سيرته لقد ظل في عمله ومنصبه يعمل بإخلاص لله عز وجل، بالرغم من تعرضه لمحن وشدة وابتلاء ومن منا يضمن عدم تعرضه لابتلاء، المهم في ذلك كيف هو إخلاصك لله؟ ولمنهج نبي الله .
صبر الإمام وتخطى المحن والدسائس برباطة جأش وسامح من كاد له، وبقي في منصبه وعمله خطيبا مفوها ومدرسا تربويا ناجحا، أفاد الكثيرين بعلمه وأدبه وخلقه الرفيع إلى أن أصيب بمرض الطاعون في سنة 771 وهو في منزله بالدهشة في دمشق، ودفن في سفح قاسيون في مقبرة السبكية.
سبحان الله لا إله إلا الله، قدر الله للإمام السبكي الموت بمرض الطاعون لينال الشهادة، لقول رسول الله الشهداء خمسة: (المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والمقاتل في سبيل الله) .
وقد سئل الإمام السبكي مرة عن أجر الشهادة فقال: (هذا وليعلم أن لنيل أجر الشهادة شروط، فهي حالة شريفة تحصل للعبد عند الموت ولها سبب وشرط ونتيجة، من هذه الشروط: الصبر والاحتساب وعدم وجود موانع شرعية، كالغلول والدين وغصب حقوق الناس أو يموت بسبب معصية دخل دارا ليسرق فانهدم عليه الجدار لا يعد شهيداً كذلك الميتة بالطلق الحامل من الزنا).
وقال: (من سلك سلوكا يستوي فيه احتمال الهلاك أو السلامة يجب أن يكف عنه، فإن لم يكف فقد أعان على نفسه بالهلاك فلا يعد شهيدا) .
رحم الله الإمام السبكي وجزاه الله خيرا. وكأنا يا إخوتي نسمع ندائه لنا من على سفح قاسيون حيث يرقد، يا أهل وساكني أرض دمشق اقرؤوا كتابي ((معيد النعم ومبيد النقم)) واجتهدوا بمجاهدة النفس الأمارة بالسوء بتزكية مستمرة لا منقطعة موصولة بالله الخالق البارئ، لقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا).
واجتهد أيها الساكن أرض دمشق الحبيبة بإعمارها بما يحب ويرضى الله عز وجل ونبيه الكريم، فأدي الحق الذي عليك واسأل الله الصواب والرشد والتوفيق فيأتيك الفلاح والخير .
لقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }النحل97
نختم بحثنا بنصيحة الإمام السبكي لنا، ولنقرأ الفاتحة الشريفة لروحه الطاهرة ولروح الصالحين أجمعين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، تمسكوا بمنهج نبي الرحمة والإنسانية فكانوا خير خلف لخير سلف، اللهم اجعلنا من أهل الخير والصلاح والرشد كي نحظى بالقرب منك وننال شرف إتباع نبيك الكريم فوق أرض دمشق المباركة والتي وصف أهلها باأهل الصلاح قائلا : (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ). اللهم آآميين .
المصادر والمراجع :
(تهذيب التهذيب) و(الدرر الكامنة) لابن حجر.
(البداية والنهاية) لابن كثير.
(شذرات الذهب) لابن العماد.
(الأعلام) للزركلي
(المبادئ التربوية) لعبد الرحمن النحلاوي .

تحميل



تشغيل