مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 29/04/2014

المرأة ما زالت أداة للتعكير.. فالاصطياد

مقالات

المرأة ما زالت أداة للتعكير.. فالاصطياد..
حوار مع جريدة السياسة الكويتية:
الإمام الشهيد البوطي
هل تعتقد بوجود ضرورة حضاريّة وإنسانيّة وحقوقيّة وشرعيّة لإقامة مؤتمر عالمي للمرأة؟
أعتقد أن المرأة لم تُهدَر حقوقُها منذُ ما يسمّى بعصرِ النّهضة إلى يومنا هذا، كما أهدِرَت في ظلِّ المجتمع الغربي اليوم، لذا فإنَّ انعقاد مؤتمر عالمي عن حقوق المرأة تدعو إليهِ ضرورة حضاريّة تندرج فيه الضّرورات الأخرى التي ذكرتُها. على أن يكون مكان الغرب ونظامه في هذا المؤتمر المثولَ في قفص الاتّهام، وأن لا يَشغَلَ العالمَ عن جرائمهِ في حقِّ المرأة، هجوماتُهُ الدّراميّة المصطنعة على الشّرق الإسلامي ومواقفه من المرأة.
هل من الممكن ذكر أمثلة لهذا الذي يمارسه الغرب من هدر لحقوق المرأة؟
الأمثلة كثيرة ولكن النّاس هنا في شغل شاغل عنها، لأنهم مشغولون عنها بسبب انهماكهم في الرّدِّ على الهجومات المصطنعة التي يستر الغرب عواره بها.
من هذه الأمثلة النظام السائد في أمريكا، وجهات كثيرة من أوروبا، والذي تتقاضى المرأة بموجَبهِ أجراً أقلَّ من أجرِ الرّجلِ على عملٍ مشتركٍ واحد. فلا يزال قمياس الأجر هناك خاضعاً للنظام الغربي القديم الذي يحدّد أجر العامل من خلال هويّة العامل، لا من خلال ذات العمل ودرجة اتقانه..!، ومن المعلوم أنَّ الشّريعة الإسلاميّة لا تقرُّ هذا التّفريق، بل تؤكّدُ في باب الجُعالة: أنَّ الأجرَ إنَّما تحدّدهُ درجة اتقان العمل، لا نوعُ الذّكورة والأنوثة في العامل. ومن المعلوم أنَّ سلسلة من المؤتمرات والنّدوات النّسائيّة عُقِدَت في جهاتٍ شتّى من الغرب تطالبُ فيه المرأة الغربيّة بإنصافها ورفع هذه الظّلامة عنها، دونَ أن تحظى بأيِّ اهتمام بمطلبها فضلاً عن أمل الاستجابة لها.
ومن الأمثلة الكثيرة الضّرب المبرّح الذي ترزحُ تحتَ ذلّهِ وأخطارهِ أكثر من 60% من النّساء على أيدي أزواجٍ لهنَّ أو أصدقاء، دونَ أيِّ وقايةٍ قانونيّةٍ تحميهنَّ من هذه الهمجيّةِ التي تزدادُ مع الأيّامِ شراسةً وتفاقماً..
كتيبت مديرة معهد القبالة وأمراض النساء في أمريكا مقالاً ضافياً في عدد كانون الثاني 1994 من مجلتها بعنوان:
Obstetrics and gynecology Domestic Violence: let our voice be heard
أي: العدوان والاغتصاب المنزليّ: لندع أصواتنا تُسمَع..!
أكّدت في مقالها هذا أنَّ امرأةً تُغتَصَبُ تحتَ التّهديدِ بالقتل في أمريكا في كل اثنتي عشرةَ ثانية..! وأكّدت أنذَ امرأةً تُضرَبُ في منزلها إلى درجة التّحطيم أوالموت في أمريكا، من قِبَلِ زوجٍ أو خليل، في كلِّ اثنتي عشرةَ ثانية، وأنذَ النّساءَ يبحثنَ عن ملاذٍ لهنَّ يحميهنَّ من هذه الهمجيّة في ضوء الأنظمة والقوانين، دون أي جدوى.
ومن هذه الأمثلة ارتفاع نسبة الطّلاق من طرف واحد وهو الزّوج في كلٍّ من أمريكا وأوروبّا إلى ما لا يقلُّ عن 70% وفي بعض المناطق إلى ما لا يقلُّ عن 75%، ولا يجهلُ أيُّ عاقلٍ ضراوة الآثار الخطيرة التي تنجم عن هذا الوضع المأساوي الذي ينحطُّ كلّهُ أخيراً على كاهل المرأة... وتبحثُ المرأةُ الغريبةُ عن قانونٍ ينصفُها أو يدٍ حانيةٍ تنتشلُها، فلا تجدُ من حولها إلا غربةً مهلكةً لا تتعرّفُ منها إلا على هيكلها الجسديِّ المغري..!
أمّا القانونُ القاضي بامتلاك الزّوجة لـ50% من مال الزوج عند تطليقه لها، فلم تزدد المرأة به إلا شقاءً. إذ ما أيسرَ أن يفرَّ الزّوجُ من الطّلاق إلى الهجران، وهذا ما يقع اليوم، ويجرُّ إلى جرائمَ خطيرة تذهبُ بحقوقها الماليّة وتهدّدُ حياتها الإنسانيّة.
ومن هذه الأمثلة النّظام العرفي الهمجي الجائر الذي يقضي بأن تتحمّلَ الفتاةُ مسؤوليّةَ عيشِها وكفايتِها بمجرّدِ أن تبلغَ سنَّ الرّشد، فتنقطع عنها صلة الأب ورعايته إن كانت في دارِ ابيه، وكذلكَ صلة الزّوج إن كانت زوجةً لهُ في داره. ومن ثمَّ فإنَّ عليها أن تخرجَ كلَّ يوم عن يمينِ الصّبحِ أو يساره لتبحثَ عن لقمة عيشِها في أيِّ مكانٍ تشاء، لا بل في أيِّ مكانٍ يفرضهُ المجتمع عليها. ومن المعلوم أنَّ المجتمع عندما يزجُّ الفتاةَ في ساحةِ البحثِ عن العيِ وأسبابه، فهيهاتَ أن تستطيعَ التقاطَ الوظائفِ الخفيفةِ التي تليقُ بأنوثتِها وتتّفقُ مع مزاجِها.. إنّهُ الحظُّ الذي يفرضُ سلطانَ المجتمعِ عليها ليسَ إلا..! وكم رأيتُ فتياتٍ في عمرِ الزّهورِ قضى النّحسُ الاجتماعيُّ عليهنَّ بكسحِ القمامةِ من السّاحاتِ العامّة، أو في أنفاقِ المترو، وما أيسرَ أن ترى العشراتِ منهنَّ في أنصافِ الليالي يمارسنَ خدماتٍ اجتماعيّةً لم تبقِ في كيانهنَّ وعلى وجوههنَّ أثراً لأنوثة، بل لا يكادُ يقوى على تحمُّلِها أشدّاءُ الرّجال. ولقد رأيتُ بعيني سيّارةَ أجرةٍ وقفت عندَ مدخلِ إحدى المطاراتِ في أوروبّا، وسرعانَ ما نزلَ منها شخصٌ ذو وجهٍ متجهّم، يرتدي (ملابسَ خاصّاةَ بالعمل)، واتّجهَ إلى الصّندوق الخلفي للسّيّارة ففتحهُ وأخرجَ منهُ عدداً من الحقائبِ الثّقيلةِ ألقاها أرضاً.. أمعنتُ النّظرَ في هذا الشّخص وأصغيتُ السّمعَ إلى حديثه، وإذا هو امرأة لم تترُك قسماتُ الشّقاءِ أثراً لأنوثةٍ أو سرورٍ على وجهها..! وإنَّ المجتمعَ الغربيَّ ليفورُ بهذه المناظرِ التي تجسِّدُ تعاسةَ المرأةِ في تلكَ الرّبوع، والتي تجعلُها تختنقُ تحتَ أضواءِ النّيونِ الشسّاطعةِ التي لا تغني هذه الأنوثةَ المنكوبةَ بشيء.
ولقد كانَ من نتائجِ هذه الأمثلةِ -وغيرُها كثير- أنذَ نسبةَ الانتحارِ في صفوفِ الفتياتِ والنّساءِ أصبحت في السّنواتِ الأخيرةِ تقاربُ ضعفَ نسبةِ الانتحارِ في صفوفِ الرّجال.
إذاً، دعني أؤكّد لكَ ضرورةَ انعقادِ مؤتمرٍ عالميٍّ عن حقوقِ المرأة، على أن يكونَ مكانُ الغربِ فيه هو المثولَ في قفصِ الاتّهام، لا التّشدّقِ المصطنع بالهجوامت الدّراميّة على الشّرقِ الإسلاميّ ومواقفهِ التّمثيليّة المصطنعة في حماية المرأة من كلِّ سوء.
برأيك هل يمكن القبول بجميع الأطراف المشاركة في هذا المؤتمر، حيث تشاركُ فيهِ بصفةٍ أو بأخرى منظّمات للشّواذ وأخرى للمومسات؟ وهل تعتقد بأحقّيّة هذه النّماذج في مناقشة قضايا المرأة والتّقرير فيها؟
معظمُ الدّراسات التي تمّت إلى الآن في المجتمعات الغربية المختلفة، تؤكّد أنَّ الشّواذ ومن ذوي الجنسيّة المختلفة والمنتشرة اليوم في أرجائها إنّما هي ظواهر لأمراض نفسيّة متنوّعة، كما تدلُّ الإحصاءات التي سجّلتها التّحقيقات والرّيبورتاجات الصّحفيّة ، أنَّ الأسباب الأولى للبغاء في حياة المومسات، إنّما هي مصائبٌ ومآسٍ طافت بحياتهنّ، من جرّاءِ العواملِ التي ذكرنا الآنَ بعضاً منها، فكان احترافُ البغاء هو الملاذ الذي لم يكن ثمّةَ بديلٌ عنهُ في حياتهنّ. فهو إذاً مظهرٌ لمرضٍ اجتماعيٍّ آخر، لا يقلُّ خطورةً وتهديداً لنسف مقوّمات الحياة الاجتماعيّة من المرض الأوّل، مرض الشّذوذ.
هذا ما تعترفُ به الدّراسات والتّحقيقات الغربيّة ذاتُها.
وانطلاقاً من قرار الغرب نفسه بأنَّ كلاً من الشّذوذ الجنسي واحتراف البغاء مظاهر لأمراض اجتماعيّة، نقول: إنَّ إحضار هذه الأمراض إلى مؤتمر كالذي نتحدّثُ عنهُ عن طريق استحضار ضحاياها، أمر منطقي ومعقول إن كانَ المقصود معالجة هذه الأمراض، والسعي إلى التّغلّب عليها عن طريق الاستعانة بهذا المؤتمر وأمثاله..بل إنَّ معالجة مثل هذه المشكلة والعمل على التّخلّص منها تدخّلٌ في أهمِّ واجباتهِ وأهدافه.
أم إن كانَ المقصودُ من إحضارِ هؤلاء الضّحايا وأمراضهم الاجتماعيّة والنّفسيّة، التي تتجسّد في تصرّفاتهم وأحوالهم، أن يُعطى المرضُ حقَّ الرّعاية والبقاء، وأن تعقد المساواة بين الدّاء والعافية، فيُكَلَّفُ المجتمعُ بالتّعامل معهما وتقديسِ كلٍّ منها على حدٍّ سواء، فذلك هو الجنونُ الحقّ، في أجلى صورهِ وأشكاله، ولا يمكنُ أن تمتهنَ الأنوثةُ الطّبيعيّةُ الشّريفة، وأن يلطّخَ وجهها المشرقُ بالسّواد، وأن تُمَزَّقَ حقوقُها الإنسانيّة المقدّسة، بوسيلة أحطّ وأقذر من هذه الوسيلة.
هل تعتقد بوجوب أو جواز تطوير نُظُم الشّرع في التّعامل مع قضايا المرأة؟
في سبيلِ ماذا تفترض وجوب أو جواز تطوير نُظُم الشّرع الإسلاميّ هذه؟
إن كانَ ذلكَ في سبيلِ حمايةِ المرأة والمحافظة على كرامتِها، فالنُّظُمُ الغربيّةُ هي التي يجبُ أن تتغيّرَ وتتبدّل، وقد ضربتُ لك الأمثلة بطائفةٍ من أسوأِ تلكَ النُّظُمِ وحدَّثتُكَ عن الشقاء الذي يجتاح المرأة الغربيّة إلى درجة الهلاك بسببها.
ما الذي تتصوّرُ ضرورة تغييرهِ ممّا شرعهُ اللهُ لحماية المرأة؟ أجرها الذي يجب أن يتكافاَ مع أجر الرّجل؟ أم مسؤوليّة الأب عنها وعن النّفقة عليها إلى أن تتزوّج؟ ثمَّ مسؤوليّة الزّوج عن نفقتها وكرامتها ما دامَ رباط الزّوجيّة قائماً؟ أم الولاية المتبادلة التي شرعها اللهُ ساريةً بينَ الرّجلِ والمرأة عندما قال: ((والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعض))؟ أم الحشمةُ التي أوصى بها وأحبّها لها في الزّينةِ والمظهر حتّى لا ينسى فيها النّاسُ إنسانيّتها وينحطّوا في التّعاملِ مع جسدها وحده؟ أو أنَّ الأبوابَ التي فتحتها أمامها إلى أيِّ عملٍ شريفٍ تمارسه، أو أيِّ خدمةٍ اجتماعيّةٍ تنهضُ بها، على أن تراعيَ في انتقاءِ الأعمالِ المتزاحمةِ سلّمَ الأولويّاتِ في تنسيقِ المصالح، وتصنيفِ درجاتِها حسب ما هو أكثر أهمّيّةً وضرورة؟
قل لي أيُّ شرعةٍ من هذه الشّرائع التي كرّمَ اللهُ المرأة بها هي التي ينبغي أن تُبدَّلَ وتُنسَخ؟
من سيلتزم بمقرّرات مؤتمر بكين ومن سيطبّقها؟
ليسَ مهمّاً أن نعلمَ أو لا نعلم من الذي سيلتزونَ بتطبيق مقرّرات بكين، إنّما المهمُّ أن تسأل: من الذي سينقادُ إلى تنفيذِ قراراتِ مؤتمر بكين؟ وبعبارةٍ أخرى من الذي سينقادُ إلى تنفيذِ مقرّراتِ مؤتمرٍ تتصدّرهُ المومسات ويجوبُ فيهِ الشّواذ؟! بل من الذي يقيمُ وزناً لهذه المقرّرات؟
هل تعتقد أنَّ مؤتمر بكين اختصَّ بقضايا المرأة أم بقضايا جسدها؟
القيمة الإنسانيّة للمرأة في مؤتمر بكين غائبة.. وأي قيمة للإنسانيّة في بلدٍ تُذبحُ فيها الطّفولة في المهد وقبل سنِّ المهد؟! بل أيُّ قيمة للإنسانيّة النّسويّة في بلدٍ تنبشُ فيهِ شريعة وأد البنات من جديد، بعدَ أن دفنها رسولُ اللهِ الإنسانيّةِ إلى العالمِ كلّه مع سائر مآثر الجاهليّة تحت قديمه؟ إنَّ ما تمَّ في مؤتمر بكين لونٌ منسّقٌ من ألوان النّظام الغربيّ الذي يقدّسُ في المرأةِ جسمها، وذلكَ من خلال تقديسهِ الحقيقيِّ لحاجة الرّجل... ويلفظ من المرأة إنسانيّتها، وذلكَ من خلال استغناء الرّجل عنها عندما لا يبقى فيها إلا إنسانيّتها..!
فإن أردتَ أن تقفَ على الدّليل المادّيِّ والتّجريبي على ما أقول، فانظر إلى شيخوخة المرأة في الغرب وفي أمريكا بالذّات، كم ذليلة ومهينة، وكم تعاني من غربةٍ كالموتِ قبلَ الموت.. وكم تتنكّرُ لها أضواءُ الليالي وبسمات الوجوه، وهي التي كانت ذاتَ يومٍ تُحاطُ بالأضواءِ السّاطعة، وتلفُّها البسمات الحلوة، وتنهمرُ في أذنيها الكلماتُ العذبة، كانت تكرَّمُ التّكريم الخادع والكاذب من أجل جسدها... ثمَّ هي اليوم تبتذل بصدق ودونَ خداع، عندما لم يبقَ منها إلا إنسانيّتها.
المصدر: كتاب قضايا ساخنة

تحميل



تشغيل