مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ:

المنارة البيضاء

معالم الشام

المنارة البيضاء

شرقي دمشق

إعداد الباحثة: نبيلة حسن القوصي

إخوتي الكرام..

عرف العرب السفر والرحلة قبل الإسلام, فقاموا برحلتي الشتاء والصيف الوارد ذكرهما في القرآن الكريم..

وبعد ظهور الإسلام شاع مع التطبيق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اطلبوا العلم ولو في الصين".

إذ جعل الإسلام للرحلة أهدافاً قيمة, أرضية وسماوية, ساهمت في إرساء معالم الحضارة الإسلامية العظيمة, والتي أصبحنا نقف على أطلالها الآن...

ومن خلال زاوية (معالم وأعيان), ندعوكم للقيام برحلة في دمشق القديمة لهدفين: المتعة والفائدة, نقف فيها معاً عند المعرفة التاريخية التي ستأخذنا من العقل إلى القلب, فيزدادَ نبضاً, حبّاً واعتزازاً ودعاءً: "اللهم احفظ دمشق و سائر مدن المسلمين".. .... آمين.

هيا معاً يا إخوتي, أكون لكم الدليل عند خبر (المنارة البيضاء), التي ورد ذكرها على لسان النبي الكريم عليه الصلاة والسلام... فما هو سرّها؟ وما هي قصتها..؟؟

يخبرنا الله عز وجل في سورة النساء عن شدة كفر بني إسرائيل :

{وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريمَ رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولـكن شبّه لَهم وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكّ مّنه ما لَهم به من علم إِلاّ اتّباع الظّنّ وما قتَلوه يَقيناً * بل رّفعه اللّه إليه وَكان اللّه عزيزاً حكِيماً}النساء 157- 158

فالله عز وجل جعل من ميلاد عيسى عليه السلام من دون أب خلافاً للسنن الكونية وكذلك جعل من خاتمته خلافاً للسنن....

فجميعنا يؤمن بقوله تعالى: [وما قتلوه وما صلبوه ولـكن شبّه لهم] ,فاليهود لم يقتلوه بل رفعه الله تعالى إلى السماء ليحفظه من أذاهم, وأخبرنا على لسان نبيه محمد عليه الصلاة والسلام أنه سينزل في آخر الزمان دلالة على اقتراب الساعة.

فينزل حكماً عدلاً يحكم بشريعة الإسلام كما قال رسول الله: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" متفق عليه

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس بيني وبينه –يعني عيسى عليه السلام– وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه, رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل ,فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ويهلك المسيح الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون" رواه أبو داود

فهل تساءلنا اخوتي الزائرين أين سيكون نزوله؟

لقد أخبرنا الحبيب المصطفى عليه السلام: "ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق"

صحيح مسلم

فاتفق العلماء على نزول عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، واختلفوا في تحديد مكان المنارة البيضاء شرقي دمشق على قولين:

القول الأول أنها المئذنة الشرقية البيضاء للمسجد الأموي كما جاء في البداية والنهاية لابن كثير, فنزوله يكون في آخر الزمان بعد أن يعمّ البلاء بإتباع المضللين الدجال الذي ينشر الفساد والضلال في الأرض, ودمشق تكون يومها معقل المسلمين المؤمنين الذين تمسّكوا بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم _قولاً وعملاً_ اقتداءً به محبّةً وتعظيماً لرسالته الشريفة، فينزل عليه السلام بين ملكين واضعاً يديه على مناكبهما وعليه مهروذيتان, وفي رواية, ممصرتان يقطر رأسه ماء، في وقت صلاة الفجر وقد أقيمت الصلاة ويصلي مع الناس والإمام، ثم يذهب لقتال الدجال ومن تبعه على الضلالة والكفر,والعياذ بالله, أعاذنا الله وإياكم من ذلك الشر.

ولذلك نجد أحاديث كثيرة وردت عنه صلى الله عليه وسلم في فضل الشام, منها: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم, ولا يزال من أمتي منصورين لا يبالون من خذلهم حتى تقوم الساعة".

"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يرفع الله قلوب أقوام فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله عز وجل وهم على ذلك, ألا إن عقر دار المؤمنين الشام, والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".

ومن المعروف يا إخوتي أن أحاديثَ كثيرة وردت عن نبينا الحبيب بترغيب الصحابه للسفر والهجرة إلى الشام, وقد خصّ "دمشق" في أحاديث عدة ووصفها بأنها خير المدائن... حفظ الله بلاد المسلمين جميعاً من كل شر و سوء ومكر...آآآمين يا رب العالمين .

عودة إلى المنارة البيضاء, التي خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة, ولم تكن موجودة في ذلك الزمان!.. فيبشّرنا بنزول سيدنا عيسى عليه السلام في شرقي دمشق, ويصف أهلها بأجمل الصفات, فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم" الترمذي.

وقال: "إذا وقعت الملاحم خرج بعث من الموالي من دمشق هم أكرم العرب فرساً وأجودهم سلاحاً يؤيّد الله بهم هذا الدين". رواه الترمذي.

فمن منا لا يرغب بأن يكون من هؤلاء الذين امتدحهم فيها حبيب الله ومن الذين سيكونون ممن يشتاق إلى رؤياهم ،ولكن الرغبة لا تكفي يا إخوتي, إذ لابد من جهاد النفس والهوى أثناء تتبع منهاج النبوّة للتطبيق بقلوب محبين وعاشقين ،كي نفوز برضى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة....

اللهم ارزقنا حسن الاتباع و الاقتداء ..

أما عن القول الثاني في تحديد مكان نزول عيسى عليه السلام, فهناك من قال: عند الباب الشرقي لمدينة دمشق القديمة, الواقعة عند نهاية سوق مدحت باشا, و هو أحد أبواب السور القديم لدمشق.

وقد أخذ العلماء بالرواية الأشهر في موضع نزوله: أنه عند المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي إلى شرق الجامع الأموي، وهذا الأشهر والأنسب لأنه عندما ينزل تكون الصلاة قد أقيمت.. والله تعالى أعلم.

أيها الإخوة الكرام:

تعالوا قبل أن ننهي بحثنا نقوم بزيارة المسجد الأموي من خلال قراءة ما بين السطور التاريخية للمسجد.

إذ له حكاية تاريخية جميلة

يعدّ الجامع الأموي من أجمل روائع الفن المعماري الإسلامي, هذا من الناحية الفنية ،أما من الناحية الدينية فيعدّ من أهم الأماكن المباركة في دمشق، حيث تعاقبت حضارات عدة فوق هذه الأرض وصولاً إلى الحضارة الإسلامية.

حيث كانت في العصر السابق لعهد السيد المسيح معبداً آراميّاً، ما لبث أن صار كنيسة للنصارى بعد دعوة عيسى عليه السلام، إلى أن دخل المسلمون الفاتحون فصارت هذه البقعة نصفها مسجداً والآخر كنيسة، إلى أن جاء العهد الأموي, في فترة تولي الحكم الوليد بن عبد الملك سنة86ھ، تراضى مع النصارى بتعويضهم عن مصلاهم الصغير بتعويض كبير ما يقارب أربع كنائس.

وإذا تأملت أيها الزائر الجامع الأموي، سترى المآذن الثلاث: المئذنة الغربية تسمى بــ (قايتباي) لأن طابعها مملوكي، والشرقية مطليّة باللون الأبيض وتسمى بمئذنة (عيسى) وهي المقصودة بالمنارة البيضاء، والشمالية والتي تسمى بــ (العروس) لأن الوليد قد جعلها حين بناها مذهّبة ومزيّنة بالفوانيس كالعروس، وها هو الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك صعد ليخطب في الناس قائلا:

يا أهل دمشق.. تفخرون على الناس بأربع خصال فأردت أن يكون مسجدكم هذا خامسة مفاخركم يا أهل دمشق.. تفخرون على الناس بأربع خصال تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم وحماماتكم فأردت أن يكون مسجدكم هذا خامسة مفاخركم

إخوتي القراء..

ها نحن قد وصلنا إلى نهاية بحثنا هذا, وقد امتلأت نفوسنا بالبهجة والسرور والأمل, وذلك بفضل قراءة أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم, التي تحثّنا على العمل ثم العمل ثم العمل دون كلل أو ملل.. وإنما بتوجّه القلب والروح مُفعمَين بالحب لله و رسوله..

يدفعنا هذا الحب لإنجاز أعمال صالحة بإذن الله..

فما رأيك أيها القارئ العزيز؟. تعالوا نسأل أنفسنا: ماذا أنجزنا؟ بل ما هو موقعنا من الإعراب فوق أرض دمشق الحبيبة؟!

إن مصيبتنا _أيها الإخوة_ تكمن في الكسل و الغفلة عن التطبيق للإرث النبوي الذي تركه لنا صلى الله عليه و سلم: "تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً, كتاب الله وسنّتي".

المصادر و المراجع...

(البداية والنهاية) لابن كثير.

(دمشق) للشيخ علي الطنطاوي.

(العمارة الإسلامية) لعبد القادر الريحاوي.

لقراءة المقال كاملاً يرجى تحميل الملف أدناه



تشغيل