مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 23/03/2014

مشكلة تقسيم المجتمع إلى ظلاميين ومستنيرين

مقالات

مشكلة تقسيم المجتمع إلى ظلاميين ومستنيرين
الإمام الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
أن تتعارض الأفكار وأن تتفرق الاجتهادات، في ظل ظليل من حرية البحث والنظر، أمرٌ يقرّه العقل، وربما استدعاه سبيل البحث عن الحقيقة. ولا معنى للمجادلة التي أمر بها القرآن ودعا إليها ذوي الأفكار المتخالفة، إن لم يكن أساسها والباعث عليها حرية النظر والفكر.
وأن يتجاذب ذوو الوجهات المختلفة الحجج والبراهين، كلٌّ يشدها إلى وجهة نظره، ثم يتفرقوا عن أفكارهم المختلفة، دون أن تجمعهم براهينهم العقلية على وفاق، أمر لا مندوحة عنه في الجملة، فقد كان الخلاف ولا يزال ظاهرة مصاحبة لسير المجتمعات الإنسانية، في طريق البحث عن الحقيقة.
أما هذا الذي تصرّ عليه فئة من الناس اليوم، من مسابقة أصول البحث وموازين المنطق، ابتغاء إغلاق السبل في وجهها، ثم الإدلاء - في غيبوبة منها - بقرار يقسم المجتمع الإنساني الناطق، أي العاقل، إلى فئتين متخاصمتين، أما الأولى منهما فمحكوم عليها باسم الظلاميين، وأما الأخرى فمحكوم لها باسم المستنيرين أو النورانيين، حكماً ماضٍ غير قابل لنظر ولا لاستئناف .. أقول: أما هذا الذي تصرّ عليه فئة من الناس اليوم، فهو نهج خارج على وحدة الأمة، منهمك في العمل على تفتيتها، يستجرّ لذلك ضبابية الفكر ولا عقلانية القرار.
أصحاب هذه الأمنية يخاصمون العقل ويفرون من الحوار، ويعادون كل صيحة لا تكون صدى لرغائبهم وأحلامهم .. والمجتمع فيما تهواه نفوسهم نور وظلام. أما النور فهو ما تقع عليه أبصارهم مما يحلو لهم ولو كان ظلاماً دامساً. وأما الظلام فهو ما يبصره الآخرون نوراً، ولو كان الشمسَ المشرقةَ في رابعة النهار!. وعلى المجتمع - في نظرهم - أن يؤثر الاستسلام لما يجرّونه إليه من العمل على تهديم بنيانه وتآكل لحمته، بعيداً عن حماية المنطق ومعونة العقل، شارداً عن أسباب التلاقي على الحق والاجتماع على كلمة سواء.
إنه نمط غريب من الناس!.. استولدوا من رعوناتهم وعصبياتهم حناظل حقد يزرعونها في تربة المجتمع، ثم إنهم يجعلون من الصراع الذي ينفخون في أواره بركاناً يهدد انفجاره بتشظي المجتمع وتغييب موازين الحق والباطل عنه!. فذلك مشروع نورانيتهم. ولا يخالفهم في التجاوب مع مشروعهم هذا إلا الظلاميون!..
* * *
إن الأمر الذي يجب أن يسترعي اهتمام أمتنا جمعاء (بقطع النظر عن اختلاف فئاتها في المذاهب والأفكار) أمام هذا الخطر الجديد، الذي يهدد البقية الباقية من ميراث وحدتها وتضامنها، حقيقة يجب أن لا تغيب عن البال، وهي أن سياج المجتمع في كل عصر وبالنسبة لأي أمة، هو ذلك النسيج الذي يتكون من سدى العقل ولحمة المنطق .. إنه الأداة التي لا مندوحة عن التعامل معها لكل من تصله بالمجتمع رابطة العضوية فيها. إنه الميزان الوحيد الذي يميز الحق عن الباطل، والذي يميز ظلام الليل عن ضياء النهار. وربما تعددت الرؤى واختلفت وجهات النظر، ولكن السياج الجامع يظل هو المحور، فمن أصرّ على أن يقفز فوق هذا السياج مؤثراً طيّه عن التحكيم، شارداً وراء سوره، فقد جعل من مزاجه الشخصي القانونَ البديل الذي يصرّ على أن يقود به الأمة، بل العالم ..
غير أن صاحب هذا الإصرار لن يقود بهذا القانون البديل في النهاية إلا نفسه، ولن يشترك معه في حديث النور والظلام وشطره المجتمع المتآلف إلى هذين النقيضين إلا مزاجُه.
أما الإنسان من حيث هو إنسان، أي بقطع النظر عن معتقده ومذهبه في الحياة، فلسوف يظل قانونه (مادام عاقلا) الاحتكامَ إلى النسيج الذي لا بديل عنه، والمؤلف من سدى المنطق ولحمة العقل .. إنه السبيل الوحيد إلى معرفة الفرق بين بزوغ الفجر بضياء النهار وإقبال الغروب بفلول الظلام .. وهل تتحقق الاستنارة إلا بنور، وهل يسود الظلام إلا عند غياب ذلك النور؟!.. إنها بدهية يعرفها الناس كلهم، ويتعامل بها العالَم أجمع. ومن شذ عن إتباع الحقائق البديهية، لن يجد في طريقه إلا ظله، ولن يؤنسه معه في غربته إلا مزاجُه.
سمعت بالأمس واحداً من هؤلاء المزاجيين يتحدث عن طه حسين وفكره، ليقف عند أبرز ما شذّ به عن ذاكرة التاريخ العربي وعقله، وهو دعوى أن الشعر الذي يسميه التاريخ العربي جاهلياً، لم يكن في حقيقته إلا إسلامياً صاغه تيار الأدب الإسلامي، وليشهد له مقابل هذه الأكذوبة على التاريخ بأنه كان نورانياً مستنيراً، وبأن الذين أثبتوا بالبراهين العلمية خطأه ظلاميون.
لقد غاب عن هذا النوراني المتحدث عن طه حسين، أن قراره الذي أمضاه في حقه لم يشترك معه فيه إلاّ مزاجه وصحبه المزاجيون. أما الناس الذين لا يزالون يتعاملون مع سدى ولحمة العقل والمنطق، فيعلمون الحقيقة التي لم تعد تخفى على أحد، وهي أن طه حسين إنما أراد أن ينتقم من الأزهر بالزيف الذي أودعه في رسالته. إذ كان معبأً بالحقد عليه منذ أول عهده بالدراسة فيه .. وقد علم أستاذه الفرنسي كيف يستثمر حقده ذاك بدوره، لا على الأزهر فقط، بل على القرآن وربانيته.
إن الإنسان، من حيث هو إنسان، أي من حيث هو إنسان ناطق، يدرك اليوم هذه الحقيقة تماماً، أياً كان دينه وأياً كان مذهبه .. وآية ذلك أنك تستعرض ثقافة ناشئة هذا العصر، فتجدها خالية عن أي متابعة لفكر طه حسين .. قل لي: كم هم الذين قرؤوا شيئاً من مؤلفات طه حسين من ناشئة هذا العصر، بل كم هم الذين سمعوا بأسمائها؟ كم هم الذين قرؤوا شيئاً من (حديث الأربعاء) أو شيئاً من كتابه (في منزل الوحي) .. بل سل دور النشر وباعة الكتب عن سر غياب فكر طه حسين وأمثاله كتوفيق الحكيم وحسين هيكل والمازني وعلي عبد الرازق عن ساحة الثقافة المعاصرة، على الرغم من مرور عهد ازدهرت فيه أفكارهم أيما ازدهار؟..
إن مما لا ريب فيه أن نسيج المعرفة هو المسؤول عن ذلك .. إذ إن الناس، كلهم أو جلّهم، كانوا ولا يزالون يحكّمون في رحلتهم الثقافية كلاً من العقل والمنطق. فهو المسؤول عن اندثار ذلك الذي ليس لي أن أنعته بالنوراني أو الظلامي، بعد أن تولى الحكمَ عليه نسيجُ المنطق والعقل .. لقد باد اليوم بعد أن ساد بالأمس. وإنما ساد حينئذ بفعل الاستعمار البريطاني في مصر، والاستجابة المزاجية له، وباد اليوم بقرار من عقلانية الإنسان وتعامله مع موازين المنطق.
لماذا اندثرت أفكار طه حسين وأسدل الزمن ستراً على مؤلفاته؟ لماذا لم تخلّدها من بعده أبواق الإعلام التي ظلت توجه إليها الأنظار؟ لماذا لم يلعب اللقب الذي اصطنعته له الجهات المعينة: (عميد الأدب العربي) الدورَ المطلوبَ لبقاء أفكاره متألقة من بعده في أذهان الناس، مهيمنةً على المجتمعات العربية والإسلامية؟
ومصطفى صادق الرافعي، ذاك الذي أصر الاستعمار البريطاني وأشياعه على بقاء اسمه وأدبه المتميز وثقافته المستوعبة لتاريخ الأدب العربي، مغموراً مطوياً عن أكثر ساحات الثقافة والبحث، لماذا يتألق كل ذلك منه اليوم؟ ولماذا غدت مؤلفاته من بعده أشبه بالقوت الذي لا مفرّ من الاحتياج إليه؟
أمَا إن الأول لم يغيّب فكره أو اسمه اليوم عن الأذهان بتسليط نعت الظلام أو الظلامية عليه. ولا الثاني علا بين الناس اليوم ذكره وانتشر فكره بتوجيه أشعة النور أو النورانية عليه.
وإنما هو الميزان الذي صحب تاريخ الإنسان منذ نشأته .. ميزان العقل الذي أودعه الله في ذاته، والمنطق الذي بهداه يُستعمل العقل، وبضوابطه تُتّقى مزالق الوقوع في شبهاته.
* * *
قديماً قال الحكماء: هما راحتان، إحداهما مسعدة والثانية مشقية. أما المسعدة فراحة الجسم من الآلام والأعباء. وأما المشقية فراحة الفكر من التأمل والتفكير .. ويبدو أن الذين يستبدلون بالمحاكمة والتفكير الاستراحة تحت إطلاق شعار الظلاميين آناً والمستنيرين آناً آخر، لا يدركون هذا الذي قاله الحكماء. وإنما يطيب لهم أن يرددوا مع الآخر قوله:
والعيش خير في ظلا ل النُّوك ممن عاش كدّا[1]
[1] النّوك بضم النون وفتحها: الحمق. والمراد بـ (كدّا) بذل الجهد العقلي لإدراك الأمور.

تحميل



تشغيل