مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 09/03/2014

كلام .. حول العلمانية والعلمانيين

مقالات

كلام .. حول العلمانية والعلمانيين
العلامة الشهيد البوطي
عهدنا بكلمة (العلمانية) منذ يوم ولادتها أنها بكسر العين، بقطع النظر عن المعنى الذي تدلّ عليه .. ومنذ بضع سنوات أو يزيد، فوجئنا ببعض متنطعي شمال أفريقيا يصرّون على فتح عينها، ولم أتبيّن لذلك إلا وجهاً واحداً، هو الإغراب في الكلام.
حاولت العثور على مبرّر، فقلت: إنها إذن نسبة على غير بابها إلى العَلْم. وهو مصدر يعني انشقاق الشفة العليا من الإنسان، والأعلم من الناس من يعاني من انشقاقها. ولكن ما شأن انشقاق الشَفَة بعلمانية الدولة؟.
إن الكلمة، فيما أعلم، ينبغي أن تُنطق، كما كانت، بكسر العين، ولا أعلم إلا أن جهابذة اللغة العربية كانوا ولا يزالون يكسرون العين منها.
ثم إن الكلمة، فيما يبدو، ترجمة غير دقيقة لعبارةSecularism ، إذ هي تعني في مدلولها الحرفي النزوع إلى الدنيا دون غيرها، ويصبح معناها من حيث اللزوم: اللادينية. والفعل منه Secularize أي ينزع عن نفسه صفته الدينية أو السيطرة الإكليركية.
ثم إن البديل عن الصفة الدينية تمحور مع الزمن متمثلاً في اتباع العلم الذي غدا السبيل الذي لا بديل عنه في الغرب، إلى المتع الدنيوية وتطويرها، ويعبرون عن ذلك في نطاق الترجمة بالعلمنة. فتولد بهذا الاعتبار مصطلح (العلمانية) تعبيراً عن النتيجة التي آلت إليها اللادينية الدنيوية، والنتيجة هي الاحتكام إلى العلم بدلاً عن الدين.
إذن فالعَلْمانية بفتح العين لا وجه لها قط، لا من حيث الاشتقاق اللغوي ولا من حيث الرجوع إلى أصلها المتداول بالإنكليزية، وإنما هي من آثار الرطانة التي عرف بها كثير من مثقفي شمال أفريقيا.
ثم إن هذا المصطلح غدا تعبيراً ذا إطار سياسي عن النظام الاجتماعي والبنيان الإداري المتحررين عن سلطان الدين والمعتمدَين على نهج حيادي بالنسبة إليه، فهو لا يؤيده ولا ينابذه، وإنما يدير شؤونه على الرؤية الذاتية التي يختارها القائمون بشأن ذلك النظام.
* * *
لقد كنت في غنى عن التحدث في هذا الموضوع، لولا أن سلسلة من التساؤلات والتعليقات تتداولها اليوم ألسُنٌ عن سورية، أبلدة علمانية هي أم إسلامية، أم بين بين؟ وذلك على إثر تصريحات يدلي بها بين الحين والآخر أناس يتمتعون بعلاقة شعبية واسعة أكثر مما يرتبطون بمراكز رسمية مسؤولة، يكررون من خلالها ويؤكدون أن سورية دولة علمانية.
وليس في الأمر ما يلفت النظر بأي استنكار أو تساؤل، أن يمارس الساسة المسؤولون الحكمة والمرونة في تصريحاتهم التابعة للظروف المتنوعة، إنما الذي يلفت النظر ويجعل من المسألة مشكلة أن يصرح باحث مثلي ذو صلة شعبية واسعة، لا شأن له بالسياسة، ولم يحمَّل شيئاً من محرجاتها، ودون وجود ما يضطره أو يدعوه إلى الخوض فيما هو شأن الساسة المسؤولين، أن يصرح في حالة من الطمأنينة والاسترخاء الفكري بأن سورية بلدة علمانية!!..
لقد كثر الذين طاب لهم، في الآونة الأخيرة أن يؤكدوا انتظام سورية في قائمة الدول العلمانية، ممن لا شأن لهم بالسياسة من قريب أو بعيد، ولم يحمَّلوا من أعباء المسؤولية ما يلجئهم إلى ذلك للتخلص من حرج أو استجرار مصلحة، ولم يلاحَقوا من قِبَل المستنطقين الإعلاميين بطلب الإجابات الجاهزة الصعبة.
وإنما يرسلون تصريحاتهم تلك بين فئات الناس على اختلافهم، بدءاً من بسطائهم وعوامهم، وهم الأكثر والأغلب، لتثير فيما بينهم عاصفة من التعليقات والجدال والإضطرابات الفكرية التي ليس من شأنها أن تعود إلى الأمة إلا بالخسران.
فلقد كان من آثار ذلك أن سُئلتُ أكثر من مرة: أصحيح أن سورية دولة علمانية لا علاقة لها بشرعة ولا بدين؟!.. وها أنا أعيد الإجابة التي ذكرتها في المجالس التي طرح عليّ فيها هذا السؤال، مفصَّلاً في هذه الصحيفة السيارة، وكلي يقين بأنها الإجابة التي تعبر عن الواقع الذي يرعاه قادة أمتنا في هذه الدولة:
سألت الرئيس الراحل حافظاً الأسد رحمه الله، في واحد من المجالس التي أسعدتني بالتشرف به: هل سورية دولة علمانية؟ فقال: بل إن سورية دولة عربية إسلامية. ألا تعلم أن دستورها ينص على أن دين رئيس الدولة الإسلام، وعلى أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهل كانت الحركة التصحيحية التي قمنا بها إلا حماية لعقيدة هذه الأمة ودينها مما كان يراد لهما من سوء؟ قال: وإن مَحاضِر الجلسات موجودة، وإنها لتشهد بهذا الذي أقول. ثم قال: إن تقصيرنا في تطبيق كثير من الأحكام الشرعية لا يعني تخلينا عنها أو انكارنا لها. قلت: فلماذا لا يتم الإعلان بهذا في المناسبات بشكل رسمي؟.. قال: إنما يمنعنا من ذلك حماية الوحدة الوطنية، وأنت تعلم أن الذين يتربصون بها كثيرون. ثم قال: إن ظروفنا السياسية قد تَشْرُد بنا عن هذا الذي أؤكده لك، ولكن هذا هو واقعنا وهو ما ألقى الله عليه.
هذا ما قاله وأكده الرئيس الراحل بالأمس، وها هو ذا الدستور الذي استشهد به آنذاك لا يزال في أوج الفاعلية اليوم، وها هي ذي قيادتنا اليوم (يتوجها رئيس الدولة) تسهر على حمايته ورعايته وتخضع لوحيه وسلطانه. ولقد تحفظت سورية اليوم بأمر من قائدها على المواد والبنود التي لا تتفق مع الشريعة الإسلامية الواردة في اتفاقية سيداو Cedaw. وأعلن رئيس الدولة في لقاء ضمّ جمعاً من المثقفين وعلماء الشريعة الإسلامية، رفض كل ما يخالف الشريعة الإسلامية من اقتراحات ومشاريع، سواء منها ما يتعلق بالأسرة أو غيرها.
إذن هذه هي الحقيقة التي يجب أن نعرفها، وأن نبيّنها نحن وأمثالنا من رجال الفكر والعلم الذين عافاهم الله من مرهقات السياسة وصَرَفهم عن تحمل مسؤولياتها، كلما أُلْجِئْنا إلى الخوض في هذا الموضوع. وإنها لحقيقة تحمل دلائل صدقها في داخلها.
وللظروف السياسية، لاسيما اليوم، أحكامها. وربما أُعذِر ذاك الذي وضعته الأقدار في مستوى المسؤولية أن يمارس المرونة اللازمة في القول والعمل ولدى التعامل مع محرجات الأسئلة التي يلاحقه بها المستنطقون الإعلاميون، ولكني لا أعذر نفسي ولا واحداً من أمثالي في أن أقلده في المرونة التي يمارسها مع ما هو معلوم من فارق ما بيني وبينه، من مسؤوليته السياسية ومسؤوليتي العلمية والفكرية. إنني لا ألتفت إلى التصريحات السياسية التي تأتي بها ظروف وتمضي بها ظروف. وإنما أتابع الواقع المُعاش وأبني موقفي سلباً أو إيجاباً عليه، وهو ماثل أمامي بحمد الله.
علمانية الدولة تقتضي أن لا تتحمل الدولة أي مسؤولية لأخذ ناشئتها بالتربية الدينية، وأن لا تتحمل أي مسؤولية في إقامة القضاء الشرعي ضمانة لتنفيذ أحكام الشريعة المتعلقة بالأسرة على الوجه الشرعي المطلوب. وسورية ليست معرضة عن هذا ولا عن ذاك، وها هي ذي تتحمل كلا المسؤوليتين.
ومن أراد أن يلملم مظاهر التقصير فيجمعها ثم يجعلها دليلاً على علمانية الدولة، فالدول الإسلامية منذ فجر التاريخ الإسلامي إلى اليوم، موغلة إذن في العلمانية لأنها موغلة في التقصير. وقد قضى الله أن يكون الإنسان، أياً كان، خطّاءً ضعيفاً، حاشا الرسل والأنبياء.
علاج التقصير أن نذكّر المتورطين فيه، بالعمل على تداركه وتفاديه، وليس كما يركن إليه البعض من الإعراض عن هذا الذي يتورطون فيه، والسكوت عليه، ثم اتخاذه حجة في المجالس وأمام الناس، على أنهم علمانيون لا دينيون. إنها طريقة مرفوضة سواء قصد بها التبرير أو النقد.
* * *
شيء آخر أقوله بالمناسبة:
دلت التجربة مقترنة بالبرهان العلمي على أن علمانية الدول الأوربية تشكل خطوةً نحو الإسلام، إذ هي بتحررها من التقاليد الكنسية التي يؤمن معظم الأوربيين أنها ليست من تعاليم السيد المسيح، تتخلص من العقبة التي كانت تعوقها عن التأمل في الإسلام وعقائده التي تعانق العلم، وتعاليمه التي تتفق مع القيم الإنسانية.
كما دلت التجربة مقرونة بالبرهان العلمي على أن علمانية الدول الإسلامية، خطوة إلى نبذ الإسلام والتحول من الحياد تجاهه إلى مقاومته والسعي إلى القضاء عليه. ذلك لأن البديل عن الإسلام لدى الحياد السلبي تجاهه، لن يكون إلا ما يناقضه في عقائده وقيمه السلوكية.
إن من المعلوم أن المسلم صاحب الموقف الحيادي من الإسلام لا يمكن أن يعبّر عن موقفه الحيادي بالعيش في فراغ .. بل لا بدّ أن يعتاض عنه بالبديل. وإنما البديل ما يتناقض مع الإسلام ويقضي عليه.
هذا ما يفعله الإنسان ويخطط له، سواء كان من الفريق الأول أو الثاني.
أما ما يقضي به الله خالق الإنسان، فشيء آخر يستوعب عمل الفريقين. وللخوض في تفصيله ميقات آخر.